الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بمجرد إعلان الحكومة عن موافقتها على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الذى أعدته بالاشتراك مع قيادات الطوائف المسيحية وأرسلته لمجلس النواب تمهيدا لإقراره بصورة نهائية، أبدى عدد من الأقباط اعتراضا على عدد من المواد الواردة به، وقالوا إن الرهبان المتبتلين البعيدين عن الحياة الأسرية لا يستطيعون فهم العلاقات الزوجية المتشابكة بين الحب والكره والإقبال والنفور، وليس لديهم تماس مع تعقيداتها ومشاكلها المالية والطبية والنفسية، أصحاب هذه الآراء مع تقديرهم للرهبان يرون أنه من الأفضل ترك ملف الأحوال الشخصية للعلمانيين فهم أدرى به وبدهاليزه، أو على الأقل ضرورة مشاركتهم فيه بصورة فعالة.سواء كانت هذه الرؤية صحيحة أم بها مبالغة خاصة أن الطوائف المسيحية الثلاثة أعلنت أنه شارك عدد من رجال القانون فى مناقشة القانون وإعداده، فإن الاعتراض الأساسى أن الأمر لم يطرح للنقاش العام بشكل كبير واقتصرت المشاركة على عدد من القانونيين معظمهم من المرتبطين بالكنائس وقياداتها. والحقيقة أن وجود العلمانيين ومشاركتهم للأكليروس ورجال الدين فى إدارة الملفات المدنية للكنيسة أمر مهم، وهو ما يقودنا إلى المجلس الملى للأقباط الأرثوذكس والمتوقف عن أداء مهامه منذ وفاة البابا شنودة، حيث تجاهل البابا تواضروس منذ اعتلائه كرسى البطريركية وجوده ورفض إجراء انتخابات لاختيار أعضائه. كان البابا تواضروس صرح من قبل أكثر من مرة بضرورة تغيير لائحة المجلس وقانونه واسمه وتحديد مهام جديدة له قبل عودة نشاطه، وهو ما اتفق عليه الغالبية العظمى من الأقباط، ولكن هذا القانون لم يصدر حتى الآن، ولكن لماذا يعترض المسيحيون على اسم المجلس وطريقة انتخاب أعضائه؟، لأنه بالفعل لم يعد لائقا ولا مستساغا أن يتم استخدام كلمة الملى والتى تبتعد كثيرا عن فكرة المواطنة، وكذلك لم يعد مقبولا أن يتم اختيار أعضاء هذا المجلس العام من خواص القاهرة دون باقى المحافظات، وكذلك أن يقتصر الناخبين على أعضاء كنائس القاهرة رغم أنه يعبر عن عموم الأقباط ويدير شئونهم. القانون حدد أعضاء المجلس بأربعة وعشرين عضوًا، ويتم انتحابهم بواسطة ناخبين من كنائس القاهرة، ويتولى البابا رئاسة المجلس ويتم اختيار وكيل من بين الأعضاء المنتخبين، ومدة المجلس خمس سنوات، ويختص بالنواحى الإدارية غير الدينية، فيدير أموال الكنيسة ويتابعها مثل  الأوقاف، والمدارس، والتبرعات، والمعونات للفقراء والمعوزين، وينظم سجلات الزواج والتعميد والوفيات، وينظر فى حالات الأحوال الشخصية؛ كالزواج والانفصال والطلاق  والوصايا والمواريث. والحقيقة أن الاعتراض على اسم المجلس وقانونه ليس مبررا لتوقف أعماله فمن السهل تغييرهما، من الممكن أن يسمى المجلس العلمانى أو الاستشارى أو المدنى أوالوطنى أو اى اسم آخر يتم الاتفاق عليه، كما يمكن تغيير قانونه ولائحته إذا تم التقدم بمشروع قانون جديد إلى مجلس النواب، بحيث تتضمن مواده مشاركة أكبر عدد من الناخبين، ويضم أعضاء ممثلين لكل المحافظات، كأن تجرى انتخاب مجلس ملى فى كل ابروشية ومن أعضائه يتم انتخاب ممثلا لكل محافظة يكون عضوا فى المجلس العام . ولكن لماذا وجود هذا المجلس مهم للكنيسة وللأقباط عموما؟ حتى نعرف الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نعود إلى كيفية إنشائه، فقد تأسس عام 1872، واختير بطرس غالى باشا وكيلا للمجلس، حيث كانت الرئاسة للبطريرك، وأصدر الخديوى إسماعيل فرمان باعتماد تشكيله.
 


وشهد تاريخ المجلس صراعا بين البابا وأعضائه، حيث رأى البطريرك أن المجلس يمثل سلطة موازية له وهو ما جعل البابا كيرلس الخامس يحله عام 1875، وفى المقابل سعى بطرس غالى، لدى الخديوى توفيق لإلغاء قرار البابا، وبالفعل صدر الأمر العالى 1883 بتشكيل المجلس الملى مرة أخرى، وأعيد انتخاب بطرس غالى وكيلا له، وهو ما اعتبر وقتها أنه انتصار للتيار العلماني. واستمر الصراع سنوات طويلة بين المجالس المختلفة والباباوات المتعاقبين على كرسى البطريركية،حتى قيام ثورة يوليو 1952، حيث كانت اليد الطولى للدولة، وتم تقليص مهام المجلس حيث تم تشكيل هيئة الأوقاف القبطية بقرار جمهورى لتشرف على ممتلكات الكنيسة، وأصبحت المدارس تحت ولاية وزارة التربية والتعليم، وانتقلت قضايا الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية بعد إلغاء المحاكم الشرعية، وهكذا تقلص دور المجلس فى عهد البابا كيرلس السادس، وزاد من الأمر خلفاته مع البابا الذى سعى لحله وتعيين لجنة بديله له، وعندما تولى البابا شنودة البطريركية أعاد المجلس مرة أخرى، ولكن استطاع السيطرة عليه، حتى أن انتخابات المجالس فى عهده كانت تتم بقوائم متفق عليها وبمباركة منه، ولم يكتف البابا بذلك فكان يرسم أعضاء المجلس شمامسة ليكون لهم درجة كهنوتية ولذلك كانت المجالس المتعاقبة فى عهده تخلو من أى خلافات أو صراعات.
 


كما أصبحت قضايا الأحوال الشخصية التى تصدر فيها أحكاما بالطلاق من المحاكم بيد رجال الدين خاصة فى منح أو منح تصريح الزواج الثانى للمطلقين، وهو الأمر المستمر حتى الآن، ثم جاء مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد ليبقى الوضع على ما هو عليه فى هذا الشأن، وهو ما أثار اعتراض عدد من العلمانيين، ومن هنا تأتى أهمية وجود مجلس مدنى يساعد فى إدارة ملفات الأقباط خاصة فى الأحوال الشخصية، ولو كان المجلس موجودا لساهم فى مناقشات القانون وساعد فى إصداره بشكل يرضى الأغلبية، كما يمكن أن يكون ضمن مهامه أن يمثل أعضاؤه الكنيسة والمسيحيين أمام الدولة فى العديد من القضايا، بجانب مراقبته لأموال وممتلكات الكنيسة بعد زيادة التبرعات والتوسع فى الكنائس والأديرة فى المهجر، وإنشاء العديد المشروعات التجارية خاصة فى الأديرة. وجود مجلس له هذه الصلاحيات يساهم فى تفرغ رجال الدين للمهام الروحية بعيدا عن الجوانب المالية والإدارية، تحتاج الكنيسة والأقباط إلى مجلس عصرى، وأعتقد أن الأمر يحتاج إلى مناقشة موسعة لوضع قانون له يواكب تطورات المجتمع.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط