تبقى الحركة التشكيلية المصرية هي أكثر الفنون التعبيرية مقدرة على الاستقلال والاعتماد على أفرادها الفاعلين الذين يشكلون جماعة فنية متفردة في مصر، إذ لا يزال الفنان التشكيلي رغم خصوصية عمله بمفرده في مرسمه، أو في مكان التصنيع في حالات النحت أو في المطابع المصغرة في فن الجرافيك، هو الفنان القادر على هذا الاستقلال النسبي الهادئ وما إلى ذلك، إلا أن خصوصية الوقت الطويل الذي يقضيه الفنان التشكيلي في علاقة وحدة صامتة مع عمله الفني تنعكس على قدرته على تأمل ذاته والحوار الطويل مع النفس أثناء إنجاز عمله الفني التشكيلي، ويتجلى ذلك حقاً في تلك الأنواع من الفنون التشكيلية التي لا تحتاج إلى مساعدين تقنيين مثل التي يحتاجها في النحت على سبيل المثال في مراحله التنفيذية الأخيرة.
ويأتي التصوير على رأس تلك الأنواع الفنية التي تتيح للفنان أن ينفرد بذاته ليصفو عقله وتتجدد حيوية روحه، في علاقة بفضاء اللوحة الأبيض والألوان والفرشاة، وهنا يمكن للفنان أن يعيد إنتاج الواقع بصورة إبداعية تحمل المعنى والجمال والتكوين المعبر عن حالة وجدانية بعينها.
ورغم كل ما مر من سنوات طوال تراجعت فيها الكتابات النقدية المتخصصة عن الأعمال الفنية التشكيلية، وندرة المعارض الفنية التشكيلية الجماعية، إلا أن مصر تملك في العاصمة العديد من قاعات العرض المخصصة لهذا الفن والمملوكة لأفراد يمارسون ذلك النشاط الترويجي في عرض وبيع اللوحات والقطع الفنية، يدر أرباحاً لا بأس بها على أصحاب دور العرض، الجاليريهات المتعددة في مصر، وذلك بجوار المعارض العديدة المملوكة للدولة، والمعارض الملحقة بالمتاحف الكبرى.
وقد ارتبط الفن التشكيلي لسنوات بفكرة الخصوصية والثراء المادي نسبياً للقادرين من الجمهور على الاقتناء، والمتابعة والمشاهدة لذلك النوع بالغ الاستقلالية والتفرد في الفنون التعبيرية المصرية، وهو لا يزال فناً نخبوياً في مصر والوطن العربي إلى الآن.
وتمتد هذه السوق الكبيرة إلى أوروبا الغربية، حيث لا ينقطع الفنانون المصريون عن التواصل مع القارة المحبة للفن التشكيلي التي تشكل السوق الأهم للاقتناء والنشر والتداول.
وامتد ذلك خلال العقدين الأخيرين إلى الدول العربية المهتمة بالشأن التشكيلي في الخليج العربي الذي حظي الآن بمنارات ثقافية كبرى، إلا أن التفكير في ضرورة حضور الفن التشكيلي في فعاليات واحدة مشتركة مع العروض المسرحية الجادة وافتتاحات مهرجانات السينما والمسرح.
وقد كانت فكرة مركز الهناجر للفنون الأصلية تقوم على هذا الجمع بين الفعاليات الإبداعية المتعددة، بوجود فعالية رئيسية ومعها عدد من الفعاليات المصاحبة ذات الصلة.
وتبقى قصور الثقافة المصرية هي المنفذ الوحيد تقريبا المتاح لمثل تلك المعارض التي تضيء القاهرة التاريخية ولعل استمراريتها وتنسيقها مع تجربة الجاليري الخاص في القاهرة بطريقة مبتكرة هو باب كبير يجب الدخول إليه لتجديد حساسية الجمال في عيون كل الناس في جهات مصر الأربع.
حالة السكينة والتأمل والرؤى البصرية الجمالية وانعكاسها على رؤية الفرد للنظام التشكيلي وتعدد الألوان واختلافها هي المدخل الأول للإيمان بالتعدد والتنوع الثقافي، ورؤية الجمال وانعكاسها كهوية بصرية على الشارع المصري والفضاء العام.
ولعل الإعفاء التاريخي منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي للفنانين التشكيليين المصريين من دفع الضرائب قد أسهم حقاً في مقدرة الفنانين المحترفين التشكيليين في مصر على الاستمرار والإنتاج، وهو تقدير الدولة المصرية لهذا النوع الخاص جداً من حركة الإبداع المصري ومجاله الحيوي، إذ يبقى الفن التشكيلي المصري متفرداً في حديقة الفنون التعبيرية المصرية.
وفي قاعة الزمالك للفن وهي قاعة عرض خاصة شاهدت معرضاً جديداً للفنانة التشكيلية المصرية المنتظمة في الإبداع، وفي إطلالتها على الجمهور نازلي مدكور.
المعرض بعنوان سيرة الأرض سيرة فنية، والأرض هي أرض مصر والسيرة هي تعبير الفنانة في ارتباطها بالناس والأماكن والذكريات في سيرة الأرض.
والمعرض يضم لوحات جديدة وقديمة معاً يعبر عن امتلاك الأدوات والحرص على ندرة الموافقة على بيع اللوحات كمقتنيات، إذ إن المعرض يحمل لوحات تاريخية بقيت كي تستعاد في مشوار إبداعي خاص لنازلي مدكور بنزعتها الثرية التجريبية، إنها سيرة الأرض بمسافة تشكيلية ذات صلة بالمجموعات اللونية المتنوعة والفراغ والكتلة داخل مساحة اللوحة والمنظور والمشهد بظلاله، مع مغامرة صادمة في بعض اللوحات في اختلاف المعالجة اللونية حيث يحضر الأسود بطلاً في تصويرها لواحة الفرافرة وبيوتها في الليل بحضور الأحمر المؤثر في حيوية وحياة المكان، رغم الأسود العام المضيء بمساحات من رماديات وأصفر داكن، إنها الفرافرة سيرة الأرض والناس في البعيد المصري الحي الملهم.
وتحرص نازلي مدكور على المعنى كما تحرص على تجريدية تتماهى مع التأثيرية التقليدية ولا تبقى داخلها، ثم تصنع المفاجأة بتصوير البورتريه بطريقة مختلفة للفلاحات والناس والحقول والشارع.
الفلاحات الرائعات يظهرن صلبات طيبات متحليات بالقوة والحكمة والرضا، وتمنحهن نازلي مدكور بهاء داكن اللون يغادر الألوان المبهجة، التي تستخدمها لتصوير مشاهد من الأرض وسيرتها تبدو وهي ترصد فوضى الأماكن، إلا أن جمال ما في تلك الفوضى يظل مشعاً يحمل عطفاً خاصاً من روح تشكيلية تزيد إعادة صياغة الواقع ليصبح أكثر جمالاً.
وهكذا تؤكد المسيرة المهنية لنازلي مدكور أن تفرغها للفن، ومغادرتها عملها المهني كمستشار اقتصادي بمركز التنمية الصناعية بجامعة الدول العربية، هو تفرغ استطاع إدارة الذات كمؤسسة إبداعية تمارس الإبداع وتتصل بالجمهور في معارض فردية وجماعية منذ عام 1982 وحتى الآن، طافت خلالها باليابان وروما وفرنسا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وهولندا واليونان والشارقة وسويسرا وعمان، وفي دار الكرمة كتاب صادر عام 2025 بمناسبة حصولها على جائزة التفوق في الفنون يسجل مسيرتها المهنية.
وتبقى ذاكرة مصر المضيئة تخلد الأسماء الكبرى في كل الفنون التعبيرية المصرية تبقى تحتفل بنجيب محفوظ ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور وألفريد فرج ورمزي يسى وبليغ حمدي والأبنودي، والفنان التشكيلي الجزار الرائد وآدم حنين وأحمد نوار وفاروق حسني وتبقى أجيال جديدة أنارت عمراً مهنياً منذ الثمانينيات تعطي وتعمل وتبدع في كل مجالات الفنون التعبيرية المصرية، يجب أن نفتح لها باب الاعتراف الكبير في المسرح والشعر والأدب، والفنون التشكيلية، والفنانة التشكيلية الكبيرة نازلي مدكور واحدة من هذه الأسماء التي لا تزال تمزج بين سيرة الفن وسيرة الأرض، فتحية تقدير واحترام لها ولهذا الجيل الذي يسعى نحو النور في كل الفنون التعبيرية المصرية.



