مشكلة اتحاد الكتاب الحقيقية، أنه لا توجد أزمة واحدة يمكن تحديدها بدقة، هذه هى مشكلة اتحاد الكتاب أو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر. المسألة أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً، وكأننا أمام وزارة مستقلة داخل وزارة الثقافة.. لها قوانينها غير المكتوبة، وشبكاتها، وحروبها الثقافية الباردة. وأيضاً أساطيرها الخاصة التى تتداول همساً فى الأروقة.
من الخارج، يبدو الاتحاد مؤسسة تقليدية تعانى من ترهل ثقافى قبل الترهل الفكرى، ولكن من الداخل.. الصورة مختلفة تماماً. نحن أمام نظام دقيق لإدارة السيطرة الثقافية بشكل غير معلن، ولكنه يمارس يومياً.. عبر تفاصيل صغيرة، ولكنها حاسمة بين الكتاب والمثقفين والمفكرين.
ملفات قيد السرية
من القصص والحكايات المتداولة التى تتجاوز أسماء أصحابها لأنها تحولت إلى حالة عامة.. أن نجد شاعرًا شابًا متميزًا.. تقدم لعضوية الاتحاد. وملفه مستوفى حسبما تم إبلاغه. ومرت سنتان، وفى كل مرة.. يكون الرد «اللجنة لم تنعقد بعد». المفارقة العظمى.. أن اللجنة انعقدت أكثر من مرة، وتم قبول شخصيات متقدمة للعضوية. وحين حاول الاستفسار، نصحه أحد الهادين العارفين بأحوال الاتحاد ومحركيه أن يقدم اسمه مع اسم آخر.
بالطبع، لم تكن نصيحة غامضة. والمقصود.. أبحث عن «كفيل»، كاتب كبير، أو عضو مؤثر، أو حتى مجرد اسم يكتب فى ورقة التقديم. هنا، لا يتم اعتماد الإنتاج الفكرى أو الأدبى كسبيل للعضوية، وكأنه لزوم ما لا يلزم لضمان الصعود التدريجى. أو نجد شاعراً تقدم بأعماله، وتم قبوله، ولم يكتشف أحد أنه سرق قصائد من شاعر كبير سوى بعد حصوله على عضوية الاتحاد. أو نجد كاتباً نشر أعماله لدى دار نشر يملكها أحد أعضاء مجلس إدارة الاتحاد، والذى ساعده فى الحصول على عضوية الاتحاد فيما بعد.
هذه ليست حالة فردية، بل تجارب مكررة. ملفات تجمد، ولا ترفض، ولا يوجد باباً للطعن، ولا يقبل من الأساس حتى لا تهتز التوازنات. إنها مساحة رمادية مقصودة حيث يبقى القرار فى يد من لا يسأل أو يحاسب. وهو أسلوب يضمن بقاء البعض خارج الصورة مهما كانت موهبته.
مش وقته
ضمن نوادر الاتحاد.. أنه قد تسرب ما دار من نقاش داخلى بين أعضاء لجنة قراءة الأعمال الفكرية.. وأشاد بعضهم بأحد الأعمال الروائية لكاتب شاب، واعتبره بعضهم إضافة حقيقية لعضوية الاتحاد. والمفارقة أن القرار النهائى جاء بالرفض. السبب لم يكتب فى محضر الجلسة، ولكنه قيل خارج اللجنة.. «مش وقته». وهى عبارة تشير إلى أن دخوله الآن.. قد يربك خريطة الشخصيات المتقدمة لأنه سينافس، وربما سيطرح خطاباً مختلفاً، وبالتالى، قد لا يمكن احتواؤه والسيطرة عليه بسهولة. وهكذا، يتحول التقييم من فعل نقدى إلى قرار إدارى محكوم باعتبارات لا علاقة لها بتاتاً بالأدب والإبداع.
إذا دخلت أى ندوة بمقر الاتحاد.. ستشعر أنك فى نادى أدب صغير أو فى لقاء على مقهى. الوجوه نفسها، والحوارات نفسها، والمداخلات نفسها التى تبدأ بالعبارة المملة فكرياً (أنا متفق مع الزملاء) وتنتهى بلا أى إضافة تذكر لحدود هذا الاتفاق. وحتى الخلافات، إن وجدت - لا قدر الله - فهى تبدو مدروسة بعناية.. لدرجة أنها لا تتجاوز سقفاً معلوماً بالضرورة.
تجرأ أحد الحضور، وحاول أن يطرح سؤالاً جاداً عن دور الاتحاد فى دعم الكتاب الشباب. وجاء الرد دبلوماسياً، ثم تم احتواؤه بدعوة خاصة للقاء بعض أعضاء الاتحاد بعد انتهاء الندوة. الرسالة ناعمة وواضحة.. لا تطرح أسئلة محرجة.. لو أردت البقاء فى الاتحاد والاستمرار فى عضويته.
والجدير بالملاحظة، أنه فى أكثر من واقعة، تم استبعاد نصوص أو متحدثين لأنهم مثيرون للجدل. ليس بمعنى أنهم يطرحون أفكاراً خطيرة، بل لأنهم يخرجون عن الخط الأحمر الافتراضى داخل الاتحاد.. الذى من المفترض أنه بهذا المعنى.. لا يعادى الإبداع، ولكن يخشى مما لا يمكن توقعه. وهنا تكمن المفارقة: مؤسسة يفترض فيها أنها تحتضن الخيال، والواقع أنها تحولت إلى مساحة محافظة.. تفضل المألوف على المغامرة. ولو تحدثنا عن الجوائز التى يعلنها الاتحاد.. فنحن أمام مافيا واضحة.. تخضع لرأى وسلطة القائمين على إدارة الاتحاد بعيداً عن موضوعية التقييم.
اقتصاد الثقافة الخفى
لا يملك الاتحاد موارد ضخمة، رغم ما يحصله بعد أن رفع مبلغ القيد من 50 جنيهاً إلى 5400 جنيه. بالإضافة إلى تسييل وديعة الشارقة بمبلغ 20 مليون جنيه. فضلاً عن إضافة عدد كبير من اللوحات الفنية المعارة من وزارة الثقافة بمبالغ طائلة إلى ميزانية الاتحاد. وهو ما يعنى أن الاتحاد يملك ما يكفى لصناعة ثقافية.. تحقق أهداف نشأته وتأسيسه.. بما فيها المكافآت والبدلات، والسفريات لحضور الندوات والمؤتمرات، والنشر. وهى امتيازات صغيرة.. يتم توزيعها بعناية، بحيث تخلق شبكة من الرضا الصامت لضمان الاستقرار. قال أحد الأعضاء بصراحة شديدة (أنا عارف إن فيه مشاكل.. بس مش عايز أعمل دوشة وأتحرم من الشغل) ،هكذا تدار واحدة من المفترض أنها من أهم المؤسسات الثقافية المصرية.. والتى أصبحت تدار بمنطق الموازنة الدقيقة بين المنح والمنع.
وفى المقابل، خارج جدران الاتحاد، يحدث شيء آخر. منصات رقمية، ودور نشر مستقلة، وصالونات ثقافية جديدة.. كلها تتحرك بحرية أكبر، وتصل إلى جمهور أوسع. ولذا أصبح العديد من الكتاب الجدد.. لم يعودوا يرون فى الاتحاد هدفاً رئيسياً، بل خياراً ثانوياً وهامشياً.. إن لم يكن عبئاً.
قال أحدهم (ليه أدخل مؤسسة ممكن تعطلنى.. وأنا قادر أنشر وأتشاف من غيرها؟!)
السؤال هنا ليس اعتراضاً أو تمرداً، بل مؤشراً على فقدان الدور.
التغيير الحقيقى
الاتحاد بحالته الآن.. رغم كل عيوبه يتسم بحالة من الاستقرار الافتراضى. يستفيد من هذا المشهد بعضهم، ويأمل البعض الآخر فى التغيير. هذا التغيير.. يعنى ببساطة إعادة توزيع موازين القوة، وهذا ما لا يريده من يملكونها الآن. محاولات الإصلاح غالباً ما يتم تفريغها من مضمونها بشكل ممنهج.. لجان تشكل، وتوصيات تصدر، ثم تحفظ. الوقت هنا ليس عامل ضغط، بل وسيلة لإخماد أى بادرة أمل.
السؤال الجدلى الشائك: هل يمكن الاستغناء عن اتحاد الكتاب؟ سؤال صادم، ولكنه يطرح بجدية خارج الجدران. ليس لأن الفكرة غير مهمة، بل لأن تطبيقه ووجوده بهذا الشكل.. قد فقد معناه. وإذا كان الاتحاد لا يمنح الاعتراف، ولا يحمى الحرية، ولا يدعم الإبداع.. فما دوره؟
لا أعتقد أن المطلوب الآن هو تجميل الصورة التى خيم عليها سواد حالة التجميد. المطلوب إعادة صياغة الصورة من خلال معايير على غرار: إعلان معايير القبول بوضوح، مع حق الطعن، ونشر أسباب الرفض. وفصل لجان القراءة عن أى تأثير إدارى أو انتخابى. وتدوير حقيقى للمناصب، وليس شكلى. وفتح المنصات لأصوات جديدة، حتى لو كانت لها رأى مخالف. ونشر كل ما يتعلق بالموارد والفرص بشفافية. هذه ليست شروط مثالية، بل معايير تمثل الحد الأدنى لأى مؤسسة تدعى تمثيل الكتاب.
المقدسون فى الاتحاد
مع كل دورة جديدة لمجلس الإدارة، يظهر اسم أو اثنان يطلق عليهما فى الكواليس «الكبار». وهؤلاء لا يشغلون بالضرورة مناصب رسمية طوال الوقت، ولكنهم حاضرون فى كل قرار مهم طول الوقت.. من ينضم، ومن يستبعد، ومن يرشَح، ومن يهدأ قليلاً.
ولذا ينطبق عليهم هذا الوصف القاسى (فيه ناس خرجت من المناصب.. بس المناصب مخرجتش منهم) أنه نوع من النفوذ غير المعلن، وهو أخطر من أى لائحة داخلية.. لأنه لا يحاسب، ولا يرى، ولكنه يطاع. وهو ما جعل بعض الأسماء حاضرة سواء فى المجلس أو اللجان أو فى الظل.. دون أى تراجع عن قوتهم ومكتسباتهم.
المعلن أن كل شيء يبدو واضحاً.. بيانات رسمية، وكلمات منمقة، وخلافات فى إطار الاتحاد. ولكن تحت السطح، هناك شيء آخر..
تصفية حسابات ثقافية باردة. وكم من الكتاب الذين انتقدوا أداء الاتحاد فى مقالات رأى. ولم يرد أحد عليهم. ولم يهاجم أحد قط. فقط..
اختفوا من شاشة الاتحاد.. لا دعوات، ولا مشاركات، ولا وجود لهم من الأصل. وهى رسالة وصلت للجميع دون كلمة واحدة.
العقاب غير المعلن يبدأ من التحقيق والتأديب والفصل التعسفى وغير ذلك، وينفذ عبر الإلغاء الصامت. وهذه واحدة من أخطر أدوات القهر والسيطرة الثقافية.. أن تقصى دون أن يقول أحد إنك أقصيت. أنه الخوف الثقافى الناعم العظيم.. الكل يعرف حدوده فى الاتحاد، وغير مسموح بغير ذلك.
نقطة ومن أول السطر
الحديث عن الإصلاح لم يعد كافياً.. نحتاج الإجابة على الأسئلة المعلقة:
- هل الاتحاد ملك لأعضائه.. أم ملك من يديره؟
- هل اللوائح تطبق.. أم توظف وتوجه؟
- هل الهدف خدمة الثقافة.. أم إدارة النفوذ وبسط السيطرة؟
- هل يمكن للثقافة أن تزدهر وهى فى هزيعها الأخير دون أن تخنق؟
- من يملك الحق فى تمثيل الكتاب.. ومن الذى منحه هذا الحق؟
اتحاد الكتاب ليس فاشلاً بالمعنى البسيط، بل ناجح فى شيء آخر، وهو الحفاظ على نفسه كما هو. هذه هى المشكلة.. لأن الثقافة بطبيعتها، لا تزدهر فى بيئة مغلقة، ولا تنمو تحت إدارة تخشى فيها من الأسئلة.
بصراحة أكثر.. ما يحدث داخل اتحاد الكتاب لم يعد يمكن وصفه بالترهل أو القصور أو حتى الفساد الإدارى بالمعنى التقليدى. نحن أمام اتحاد مغلق على نفسه، ويدار بمنطق النفوذ الثقافى الذى توزع فيه الأدوار كما توزع الغنائم الصغيرة، ويعاد إنتاج المشهد نفسه جيلاً بعد جيل، مع تغيير طفيف فى الوجوه.. وثبات كامل فى القواعد.
المشكلة ليست أن هناك أخطاء، بل الكارثة عندما يصبح الخطأ نظاماً.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



