قامت الدكتورة عائشة عبد الرحمن، المعروفة بلقب "بنت الشاطئ"، بنقد كتاب "القرآن.. محاولة لفهم عصري" للدكتور مصطفى محمود، معتبرةً إياه تجاوزاً على حدود التفسير الشرعي للقرآن.
بدأت الأزمة بعد نشر مصطفى محمود سلسلة مقالات في مجلة "صباح الخير"، بعنوان "محاولة تفسير عصري للقرآن"، التي صدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان "القرآن: محاولة لفهم عصري" عام 1970م.
قدم مصطفى محمود رؤية تأملية للنص القرآني، مستندًا إلى خلفيته العلمية كطبيب واهتمامه بالفلسفة والعلوم الحديثة، وسعى إلى تفسير قضايا مثل الخلق، القدر، والجنة والنار بطريقة تتماشى مع العقلية العصرية، بعيدًا عن التفسيرات التقليدية.
ورأت الدكتورة عائشة عبد الرحمن، الأستاذة الجامعية والمفسرة، في كتاب مصطفى محمود تهديدًا للمنهجية العلمية في التفسير، وخروجًا عن الأصول الشرعية، وردت على الكتاب بمقالات في جريدة "الأهرام" عام 1970م، وبعدها أصدرت كتاباً جمعت فيه هذه الردود في كتاب بعنوان "القرآن والتفسير العصري.. هذا بلاغ للناس"، الذي صدر عام 1970م.
ركزت عائشة عبد الرحمن في نقدها على غياب التخصص الشرعي، حيث اتهمت مصطفى محمود بأنه ليس عالمًا شرعيًا مؤهلاً للتفسير، مشيرة إلى أن خلفيته الطبية والأدبية لا تؤهله للخوض في تفسير النص القرآني.
وقالت في مقدمة كتابها: "تصور الدكتور المفسر أنه يعفي نفسه من مؤاخذته على التصدي للتفسير بغير علم بمجرد تغيير العنوان إلى "محاولة لفهم عصري"، وغاب عنه أن العبرة بالموضوع الذي تناوله تناول مفسر عالم، وليس صحفيا من كتاب القصص".
ورأت أن مصطفى محمود اعتمد على تأملات شخصية وفلسفية دون الرجوع إلى الحديث النبوي، وأسباب النزول، أو تفاسير العلماء السابقين، مما يجعل كتابه أقرب إلى "تخيلات دينية" منه إلى تفسير علمي.
وحذرت بنت الشاطئ من دعوات التفسير العصري التي قد تؤدي إلى تحريف المعاني القرآنية أو التلاعب بها لتتماشى مع العلوم الحديثة بشكل متعسف: "فجأة من حيث لا يتوقع أحد، يتردد في أفقنا كلام عن حاجة الناس إلى تفسير عصري للقرآن يستجيب للتقدم العلمي، وهذا قد يفسد على الناس دينهم".
لم يرد مصطفى محمود بشكل مباشر على هجوم بنت الشاطئ في كتاب منفصل، لكنه دافع عن رؤيته في برنامجه التليفزيوني "العلم والإيمان"، وأكد أن هدفه لم يكن تقديم تفسير، بل محاولة شخصية لفهم القرآن بعقلية معاصرة، مستندًا إلى إيمانه بأن القرآن كتاب حي يتجدد مع كل عصر، كما شدد على أن دعوته إلى التفكر والتأمل تتماشى مع نصوص القرآن التي تحث على استخدام العقل.
أثارت هذه المواجهة جدلاً وانقسم المتابعون بين مؤيد لمصطفى محمود يراه مفكراً يجعل معاني الدين سهلة للناس والشباب، وبين معارض يتبنى موقف بنت الشاطئ ويعتبر الكتاب خروجاً على التقاليد الشرعية.
لم يصدر الأزهر بياناً رسمياً حول الكتاب، لكن بعض علمائه انحازوا إلى موقف بنت الشاطئ، معتبرين أن التفسير يجب أن يظل حكرًا على المتخصصين، ورغم ذلك ظل كتاب مصطفى محمود يحظى بشعبية بين القراء العاديين، بينما تلاشى صدى كتاب بنت الشاطئ مع الوقت.
المواجهة بين مصطفى محمود وبنت الشاطئ، عكست صراعاً بين التقليد والتجديد في الفكر الإسلامي، بنت الشاطئ صوت للمنهج التقليدي، ومصطفى محمود صوت الاجتهاد والتأمل الحر، وتبقى هذه المواجهة شاهدة على التحديات التي تواجه أي محاولة لإعادة قراءة آيات القرآن الكريم بمناهج حديثة.



