أزمة الوقود الناتجة عن حرب إيران تدفع عمالًا مهاجرين في الهند لمغادرة المدن والعودة للقرى
أدى الارتفاع الحاد في أسعار غاز الطهي، نتيجة تداعيات الحرب مع إيران واضطرابات أسواق الطاقة العالمية، إلى دفع آلاف العمال المهاجرين في الهند لمغادرة المدن الصناعية والعودة إلى قراهم.
وجاءت هذه الخطوة بعد أن أصبحت تكاليف المعيشة في المراكز الحضرية تتجاوز قدرتهم على التكيف مع أجورهم الحالية، وفق تقرير صحيفة فاينانشال تايمز” البريطانية.
وبحسب التقرير، فإن مناطق التصنيع المحيطة بالعاصمة نيودلهي تشهد موجة نزوح واسعة من العمال، بعد أن باتت أجورهم عاجزة عن تغطية نفقات السكن والغذاء والمواصلات والطاقة، خاصة عقب الارتفاع الكبير في أسعار غاز الطهي.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة تفاقمت في مناطق صناعية مثل نويدا، حيث تراجعت قدرة عدد من المصانع على التشغيل الكامل نتيجة مغادرة العمال، في وقت تشهد فيه بعض المنشآت احتجاجات وإغلاقات واضطرابات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وركود الأجور.
وقال ناشطون إن مئات الآلاف من العمال غادروا المناطق الصناعية خلال الأسابيع الأخيرة، معتبرين أن ارتفاع أسعار غاز الطهي جعل البقاء في المدن أمرا غير قابل للتحمل بالنسبة لعمال يتقاضى بعضهم أجورا لا تتجاوز 11 ألف روبية شهريا.
وفي محاولة لاحتواء الاحتجاجات، رفعت حكومة ولاية أوتار براديش الحد الأدنى للأجور بنسبة تصل إلى 21%، غير أن القرار أثار اعتراضات من قطاع الأعمال، وسط تحذيرات من أن زيادة تكاليف العمالة قد تدفع بعض الشركات إلى نقل أنشطتها إلى ولايات أقل تكلفة.
ونقل التقرير عن مسؤولين وممثلين لقطاع الصناعة قولهم إن المصنعين يواجهون ضغوطا مزدوجة تتمثل في ارتفاع تكاليف الوقود والمواد الخام من جهة، وتراجع توافر العمالة من جهة أخرى، في وقت تعاني فيه الشركات الهندية من منافسة قوية مع الصين وفيتنام وبنغلاديش.
وتبدو تداعيات الأزمة واضحة في قطاع الملابس ومراكز الاتصالات والمشروعات الصغيرة المحيطة بالعاصمة، حيث قال مديرون في مصانع محلية إن بعض خطوط الإنتاج تعمل بطاقة منخفضة للغاية بعد مغادرة أعداد كبيرة من العمال.
وحذر مسؤولون صناعيون من أن استمرار نزيف العمالة وارتفاع كلفة التشغيل قد يدفع الشركات إلى تقليص الإنتاج أو نقل وحداتها إلى مناطق أرخص داخل الهند.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة تكشف عن خلل هيكلي في نموذج التصنيع الهندي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة المهاجرة منخفضة الأجر، في حين لم تواكب الأجور ارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية.
وتتجاوز الأزمة بعدها الاقتصادي المباشر إلى تداعيات اجتماعية أوسع، إذ اضطرت أسر عاملة إلى مغادرة مساكن ضيقة في الأحياء العشوائية والعودة إلى القرى بحثاً عن السكن والغذاء المدعومين. ويقول مراقبون إن استمرار الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة قد يزيد هشاشة سوق العمل الهندية ويقوض قدرة البلاد على بناء قاعدة صناعية مستقرة.
وأضاف التقرير أن محطات السكك الحديدية في نيودلهي تشهد تزايدا في أعداد العمال العائدين إلى قراهم، حيث توفر برامج الدعم الحكومي والسكن المجاني والغذاء المدعوم بديلا مؤقتا عن تكاليف الحياة المرتفعة في المدن.
وكان قد ناشد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المواطنين الهنود في الأيام الأخيرة إلى شد الأحزمة، بينما تحاول ثالث أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم وقف التفاقم المتزايد للاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة مبادرة «اصنع في الهند» على تحقيق أهدافها، في ظل تصاعد الضغوط على العمال والمصانع على حد سواء، واحتمال تراجع جاذبية بعض المراكز الصناعية الكبرى أمام المستثمرين والمصنعين.





