كيف تعامل مع المواقف الصعبة بحكمة العاشق لفنه
هانى شاكر.. «الأمير» الذى بقى على العرش حتى رحل
قبل حوالى أسبوعين، وبينما كان «هانى شاكر» يصارع المرض، وتتسابق الأخبار عن تطورات حالته الصحية، كتبت هنا على صفحات «روزاليوسف» مقالاً بعنوان (لماذا أحببنا هانى شاكر كل هذا الحب؟).
كان هذا السؤال المتأمل نابعًا من حالة القلق التى شعرت بها، وملايين غيرى من عشاق النجم الكبير، على إثر تدهور حالته الصحية، يومها ظننت أننى أقدم تفسيرا لهذه المحبة الجارفة، وهذا الخوف الحقيقى من فقدانه، لكن المفاجأة جاءت فور نشر المقال، عبر تعليقات القراء ورسائل لم أعرف أصحابها، كل منهم يضيف سببا جديدا، أو حكاية صغيرة، أو ذكرى بعيدة، تربطه بصوت عاش معه سنوات عمره، ولم يغادره أبدا.
وبعد رحيله، ومع وقع الخبر الصادم، أدركت أننى كنت أوثق - دون أن أعرف - لعلاقة أعمق بكثير من مجرد علاقة بين مطرب وجمهوره، فلم يكن هذا الرحيل حدثا عابرا، إذ نعاه رئيس الجمهورية تقديرًا لقيمته الفنية والإنسانية، وعبر الوسط الفنى كله عن حزنه العميق على هذا الغياب، فيما تحولت وسائل التواصل الاجتماعى إلى سرادق عزاء كبير.
وإذا كنت قد استخدمت سؤال المحبة مدخلا لتفسير هذه القيمة الكبيرة التى يحظى بها فى قلوب جمهوره، والمكانة التى ينفرد بها فى تاريخ الغناء العربى، فإن هذا السؤال — بعد طوفان المحبة الذى صاحب الرحيل — لم يعد كافيًا.
ولعل السؤال الأهم الآن هو: كيف استطاع «هانى شاكر» أن يحتفظ بهذه المكانة لما يقرب من خمسة عقود؟ كيف ظل حاضرًا بينما غاب كثيرون بدأوا معه فى التوقيت نفسه، وربما امتلك بعضهم أصواتًا لا تقل جمالًا عنه، لكنهم لم يملكوا القدرة ذاتها على البقاء؟ والأهم كيف سنواجه هذا الفراغ الذى تركه خلفه؟
فى هذه السطور، نستعيد مواقف كانت كفيلة بأن تزعزع استقرار «هانى شاكر» على عرش الغناء، لكنه تعامل معها بحكمة العاشق لفنه، ولم يسمح لها بأن تؤثر على مستقبله.
كده برضه يا قمر
بدأت علاقة «هانى شاكر» بالفن مبكراً، حيث قرر أن يشق طريقه فى زمن كان يتربع على عرش الغناء فيه ثلاث قامات كبرى هم «أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وعبدالحليم حافظ»
لم يلتقِ «هانى شاكر» بكوكب الشرق، لكنه علم عبر وسطاء أنها استمعت لصوته وأُعجبت به، فزاده ذلك إصرارا على الاستمرار، كما تلقى رسائل دعم مماثلة من موسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب» الذى كلف الموسيقار «محمد سلطان» بتلحين أغنية له.
أما العندليب الأسمر الذى عشقه «هانى شاكر» وكان صوته سببا فى حبه للغناء، فقد بدأت علاقته به منذ الطفولة، حين شارك «هانى» ضمن كورال الأطفال فى أغنية (بالأحضان).
لكن، وبشكل غير متوقع، وجد «هانى» نفسه مطلع السبعينيات، فى صراع غير معلن مع «عبد الحليم» لم يكن يوما طرفا فيه، خاصة بعد أن تبناه الملحن «محمد الموجى» ولحن له أغنية (حلوة يا دنيا) عام 1972 فى وقت تصاعد فيه الخلاف بين الأخير وبين «عبدالحليم».
هذا التوقيت دفع البعض لتصوير ظهور «هانى شاكر» كأنه محاولة لإزاحة «عبد الحليم» من عرش الغناء، وزاد من حدة الموقف ما نشرته الصحافة آنذاك، التى أطلقت على «هانى» لقب (العندليب الجديد) بل وصل الأمر إلى السخرية العلنية، حين نشر الصحفى الراحل «نبيل عصمت» مقالاً — على سبيل كذبة إبريل — ادعى فيه أن «عبد الحليم» سيحضر حفل «هانى شاكر» القادم ليكشف (زمارة) فى حنجرته تقلد صوته.
ورغم توضيح «نبيل عصمت» أنها مزحة، إلا أن الجمهور قد صدّقها، وذهب كثيرون إلى الحفل انتظارًا لهذه المواجهة، مما زاد التوتر بين الطرفين.
لكن «هانى شاكر» تعامل مع الموقف بذكاء شديد، إذ دعا «عبد الحليم» إلى حضور إحدى حفلاته، وأكد له فى الكواليس أنه أحد تلاميذه، وأن مكانته لا يمكن تجاوزها. فذابت الأزمة، بل حضر «عبدالحليم» إلى حفل «هانى» مرة أخرى قبل رحلته الأخيرة إلى لندن، حيث صعد على المسرح وغنى معه (كده برضه يا قمر).
وبعد رحيل «عبد الحليم»، لم يكن غريبًا أن يحافظ «هانى شاكر» على خط الغناء العاطفى الصادق، دون أن يقع فى فخ التقليد. وعلى مدار مسيرته، قدّم أكثر من 600 أغنية، حافظ خلالها على التوازن فلم ينجرف وراء الموجة السريعة، ولم ينغلق داخل القالب التقليدى، بل ظل يتحرك فى مساحة فنية وغنائية يعرف أنها الأقرب إلى جمهوره.
هذا أحبه وهذا أريده
وربما كان اللافت أن بدايته لم تكن غنائية فقط، بل جاءت عبر التمثيل، حين شارك طفلا فى فيلم (سيد درويش) قبل أن يخوض فى السبعينيات تجربة البطولة فى أفلام غنائية مثل (عندما يغنى الحب وعايشين للحب، وهذا أحبه وهذا أريده).
لكن هذه التجربة لم تستمر طويلًا، فمع تحولات السينما المصرية فى الثمانينيات وابتعادها عن هذا النوع من الأفلام، قرر «هانى شاكر» التوقف عن تقديم ما لا يناسبه، حتى لا يخصم من رصيده الفنى. وهو ما قلّص حضوره كممثل، رغم امتلاكه مقومات ذلك.
وقد اعترف بنفسه أن توقيت بدايته لم يخدم هذه التجربة كما كان يتمنى، وأنه لو ظهر فى وقت أبكر، لربما قدّم أعمالا أكثر فى السينما.
ومع ذلك، ظل حلم التمثيل حاضرًا لديه، إذ أعرب مرارًا عن رغبته فى تقديم عمل درامى يُكتب له خصيصًا، لكنه ظل حلمًا مؤجلاً لم يتحقق.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



