الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

التغيرات الجيوسياسية تعيد تشكيل خارطة المنظومات الدولية

هل يواجه نظام «الطاقة العالمى» خطر التفكك؟

بوابة روز اليوسف

بينما ينشغل العالم بمراقبة التوترات المتصاعدة فى منطقة الخليج وتأثيراتها اللحظية يدور فى العمق تحول هيكلى يُعيد رسم خارطة الطاقة العالمية من جديد، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب عابر فى سلاسل الإمداد، بل هو بداية لنظام عالمى جديد؛ نظام أقل ترابطًا وأكثر حساسية للصدمات.  

تشير التقارير الدولية إلى أن التطورات تعكس تحولًا أوسع، إذ تُسارع الدول المستوردة الكبرى فى آسيا وأوروبا إلى تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة أو خفض الاستهلاك أو تعزيز الإنتاج المحلى، وفى المقابل، تتنافس الدول المُصدرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على توسيع حصصها السوقية فى ظل ضبابية آفاق الطلب.

تغييرات سوق الغاز 

وأوضح تقرير صادر عن منظمة أوابك أعده المهندس وائل عبدالمعطى خبير أسواق الغاز أنه فى «أسواق شرق آسيا» التى تضم كلًا من الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، بلغت وارداتها مجتمعة نحو 51.74 مليون طن، مقابل 51.44 مليون طن خلال الربع المماثل من عام 2025، بنسبة نمو على أساس سنوى 0.6 %. وقد حافظت أسواق منطقة «شرق آسيا» على مكانتها كأكبر منطقة مستوردة للغاز الطبيعى المسال، بحصة 45.4 % من إجمالى التجارة العالمية.

وعلى الرغم من تسجيل المنطقة نموًا طفيفًا فى واردات الغاز الطبيعى المسال بصورة إجمالية، فإن واردات الصين التى تُعد السوق الأكبر إقليميًا وعالميًا، اتجهت إلى الانخفاض خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة 6.3 % على أساس سنوى، لتبلغ نحو 14.4 مليون طن مقارنةً بحوالى 15.4 مليون طن خلال الفترة المماثلة من عام 2025. وجاء التراجع أكثر وضوحًا خلال شهر مارس، حيث انخفضت الواردات إلى نحو 3.85 مليون طن، وهو أدنى مستوى شهرى للصادرات منذ عام 2018، مسجلةً انخفاضًا سنويًا حادًا بلغ %21. ونتيجة لوفرة الإمدادات المحلية بسبب تنامى الإنتاج المحلى، ووصول إمدادات مرتفعة من روسيا عبر خط أنابيب Power of Siberia، استغلت الشركات الصينية ارتفاع الأسعار الفورية للغاز الطبيعى المسال وتحسن فرص المراجحة السعرية فى الأسواق الإقليمية، وقامت بإعادة تصدير عدد من شحنات الغاز الطبيعى المسال خلال الربع الأول من عام 2026. 

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية عززت من مكانتها كأكبر مُصدّر للغاز الطبيعى المسال خلال الربع الأول من عام 2026، بعدما سجلت صادراتها مستوى قياسيًا جديدًا بلغ نحو 32.3 مليون طن، وهو الأعلى تاريخيًا، مقارنةً بحوالى 26.2 مليون طن خلال الفترة نفسها من عام 2025، لتحقق نموًا سنويًا قويًا بنسبة 23.2 %.

غياب التنسيق الدولى 

قال كبير المحللين فى «مجموعة أوراسيا» لشئون إيران جريجورى برو فى تصريحات صحفية إن الوضع الحالى بات أشبه بـ«كل دولة تدير لنفسها»، فى إشارة إلى تراجع التنسيق الدولى حول إدارة أسواق الطاقة.

فى المقابل، تتزايد شكوك الأسواق حول قدرة «أوبك» وحلفائها، المعروفين باسم «أوبك+»، على الحفاظ على استقرار الأسعار، خاصة مع توجه بعض المنتجين إلى إعطاء الأولوية للحصة السوقية بدلًا من التزام حصص الإنتاج.

إعادة تشكيل السوق العالمى 

قال دكتور محمد عطية الباحث فى شؤون الطاقة: إن نظام الطاقة العالمى يواجه بالفعل مخاطر متزايدة للتجزؤ والتفكك فى ظل التصعيد المرتبط بإيران، لكن من الأدق توصيف ما يحدث بأنه تحول هيكلى عميق يُعيد تشكيل السوق، بدلًا من كونه تفككًا كاملًا. فالنظام الذى كان قائمًا على درجة عالية من الترابط والكفاءة الاقتصادية يتجه اليوم نحو نموذج أكثر تعقيدًا تحكمه اعتبارات الجغرافيا السياسية وأمن الإمدادات.

وأشار عطية لروزاليوسف: إلى أنه فى مقدمة هذه العوامل، تأتى المخاطر فى منطقة الخليج، خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة فى مضيق هرمز، والتى ترفع علاوة المخاطر على أسعار النفط والغاز، وتدفع الدول المستهلكة الكبرى إلى إعادة توزيع مصادرها بعيدًا عن نقاط الاختناق الاستراتيجية. هذا التوجه يتقاطع مع صعود مفهوم «أمن الطاقة»، حيث لم تعد الكفاءة السعرية وحدها هى المحدد، بل أصبحت الاستدامة السياسية للإمدادات عاملًا حاسمًا، ما يؤدى إلى نشوء كتل إقليمية للطاقة ذات روابط داخلية أقوى واعتماد خارجى أقل.

وأضاف خبير شئون الطاقة: إنه بالتوازى، تُسهم العقوبات وإعادة الاصطفاف الجيوسياسى فى إعادة توجيه تدفقات النفط والغاز عالميًا، بحيث أصبحت التجارة أقل كفاءة وأكثر تعقيدًا، مع بروز فروقات سعرية بين الأسواق وظهور قنوات تداول موازية. كما أن التوسع فى تجارة الغاز الطبيعى المسال عزز مرونة الإمدادات، لكنه فى الوقت ذاته كرّس تعددية مراكز التسعير بدلًا من توحيد السوق.

ومن زاوية أخرى، يتسارع الاستثمار فى الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين، ليس فقط استجابة للاعتبارات البيئية، بل كخيار استراتيجى لتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية، وهو ما يدعم على المدى المتوسط تقليص الاعتماد على مراكز الإنتاج التقليدية فى الخليج. وفى السياق ذاته، تواجه الدول المنتجة داخل المنظمات الدولية مثل أوبك، بما فى ذلك الإمارات العربية المتحدة، معادلة مُعقدة بين الحفاظ على تماسك السوق وتعظيم الإيرادات فى مرحلة التعافى الاقتصادى، ما يدفع نحو مرونة أكبر فى سياسات الإنتاج ويؤثر على فعالية إدارة المعروض والذى يُعتبر تحديًا مستحدثًا لكل دول الخليج المتضررة اقتصاديًا من الحرب.

خلاصة القول: إن العالم يتجه تدريجيًا إلى النظر خارج الخليج كمصدر رئيسى للطاقة، مع تنويع جغرافى واضح نحو الولايات المتحدة وأفريقيا وشرق المتوسط، وهو ما سيؤدى إلى إعادة رسم خريطة تداول النفط والغاز. هذه التحولات ستنتج نظامًا عالميًا أقل ترابطًا، متعدد المراكز، وأكثر حساسية للصدمات، لكنه فى الوقت ذاته أكثر تنوعًا من حيث مصادر الإمداد وأدوات إدارة المخاطر. وبالتالى، فإن الخطر الحقيقى لا يكمن فى التفكك بحد ذاته، بل فى كيفية إدارة هذا التحول المعقد.  

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط