الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مالى على حافة السقوط..

تحالف الدم يبتلع الساحل الإفريقى

بوابة روز اليوسف

تتصاعد حدة التوترات الأمنية فى منطقة الساحل الإفريقى بوتيرة تنذر بمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، بعدما تحولت بؤر الصراع إلى مساحات مفتوحة لتداخل الجماعات المتطرفة مع الحركات الانفصالية، فى مشهد يعكس تحولات عميقة فى طبيعة التهديدات، تتصدره مالى كنقطة ارتكاز رئيسية لهذا الانفجار الأمنى.  

 

فى خضم هذا التصعيد، تتحرك القاهرة دبلوماسيًا بوتيرة متسارعة، سعيًا لدعم جهود الاستقرار واحتواء تمدد التنظيمات المتطرفة، فى لحظة تبدو فيها الأزمة مفتوحة على سيناريوهات غير مسبوقة من التعقيد، أمنيًا وسياسيًا، داخل مالى وامتداداتها الإقليمية.

 تحرك مصرى لدعم الاستقرار

أجرى الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، اتصالًا هاتفيًا بنظيره المالى عبدالله ديوب مطلع مايو الجارى، تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب تنسيق الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب فى منطقة الساحل.

وخلال الاتصال، استعرض الوزير المالى تطورات الأوضاع الأمنية فى بلاده، مشيرًا إلى التحديات المتصاعدة التى تواجهها باماكو فى مواجهة التنظيمات المتطرفة، والجهود المبذولة لاحتواء هذه التهديدات وتعزيز الاستقرار فى ظل بيئة إقليمية مضطربة.

من جانبه، أكد عبد العاطى عمق العلاقات التى تربط البلدين، مجددًا إدانة مصر للهجمات الإرهابية الأخيرة فى مالى، ومشددًا على تضامن القاهرة الكامل مع الحكومة والشعب المالى.

كما أعرب عن رفض مصر القاطع لكافة أشكال الاعتداءات التى تستهدف أمن واستقرار الدول، مؤكدًا أن مواجهة الإرهاب تتطلب تكاتفًا إقليميًا ودوليًا، إلى جانب تبنى مقاربة شاملة لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تمتد إلى معالجة جذور التطرف وتجفيف منابع تمويله، بما يضمن تحقيق استقرار طويل الأمد.

 تصعيد ميدانى غير مسبوق

تأتى هذه التحركات فى وقت تواجه فيه مالى واحدة من أعنف موجات العنف خلال أكثر من عقد، بعد سيطرة جماعات مسلحة، من بينها جبهة تحرير أزواد (الطوارق)، على مواقع استراتيجية شمال البلاد، أبرزها معسكر «تيساليت» القريب من الحدود الجزائرية. ففى 25 أبريل الماضى، شنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، إلى جانب حلفائها من انفصاليى الطوارق، هجومًا واسع النطاق فى أنحاء متفرقة من مالى، فى تطور يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق العملياتى.

وإلى جانب إعلانها السيطرة على بلدات استراتيجية فى الشمال مثل سيفارى وموبتى وجاو وكيدال، قالت الجماعة أيضًا إنها نفذت هجمات داخل العاصمة باماكو، فى مؤشر خطير على اتساع نطاق التهديد وقدرته على اختراق مراكز الثقل السياسى.

وفى 26 أبريل، نشر حساب مرتبط بتنظيم القاعدة رسالة صوتية منسوبة إلى قائد فى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المعروف باسم «أبو قتادة الأزوادي»، قال فيها إن التحالف مع جبهة تحرير أزواد أصبح ممكنًا بعد تخلى الأخيرة عن التزاماتها العلمانية، وإعلان استعدادها لإقامة الشريعة، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا فى طبيعة الاصطفافات داخل المشهد المالى.

فراغ أمنى يفتح أبواب التطرف

فى حوار مع مجلة «روزاليوسف»، أكد السفير الدكتور صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية، أن تطورات الأوضاع فى منطقة الساحل، وخاصة فى مالى، تثير قدرًا كبيرًا من القلق، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تعيد إلى الأذهان سلسلة من التحولات بدأت منذ عام 2020.

وأوضح أن هذه التحولات شملت حالة من الغموض السياسى خلال الفترة الانتقالية، إلى جانب تراجع أو تقليص الوجود الفرنسى والأمريكى، وظهور قوى دولية جديدة مثل روسيا والصين، ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة التوازنات فى المنطقة، بالتوازى مع تصاعد النشاط الإرهابى.

ومع ذلك، رأى حليمة أن هذه الجهود، إلى جانب وجود الفيلق الإفريقى الروسى والدور التنموى الصينى، لم تحقق النتائج المرجوة، سواء على صعيد الأمن والاستقرار أو فى دفع عملية التنمية والإصلاح السياسى.

وأضاف :إن الفشل فى سد الفراغ الأمنى أتاح فرصًا أكبر للحركات المتطرفة للنشاط، خاصة فى مالى، حيث برزت جماعتان رئيسيتان: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وحركة الأزواد التى تطالب بالحكم الذاتى أو الانفصال.

وأكد أن هذا التحالف لم يعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل اتبع استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على خنق العاصمة، من خلال السيطرة على المدن والمناطق الحيوية، ومنع تدفق الموارد الأساسية من طاقة وغذاء، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرات الدولة وخلق معاناة واسعة للسكان.

تحالف هجينى يعقد المشهد

من جانبه، قال رامى زهدى، خبير الشئون الإفريقية، إن التحركات المصرية الأخيرة تجاه مالى تعكس إدراكًا استراتيجيًا متقدمًا لطبيعة التحول فى بيئة التهديد داخل إقليم الساحل.

وأوضح أن مصر باتت تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومى، وليس مجرد نطاق جغرافى بعيد، وهو ما يفسر تعدد مستويات التحرك المصرى، سواء سياسيًا أو أمنيًا أو تنمويًا.

وأشار إلى أن التنسيق المتزايد بين جبهة تحرير أزواد والتنظيمات الجهادية المرتبطة بالقاعدة يمثل تطورًا نوعيًا فى بنية التهديد، حيث لم يعد الصراع تقليديًا بين دولة وحركات تمرد، بل تحول إلى نموذج معقد من الحروب المركبة.

 اقتصاد العنف والدولة الهشة

يرى زهدى أن هشاشة الدولة فى الساحل تمثل العامل البنيوى الأهم فى تغذية الإرهاب، مشيرًا إلى أن ضعف المؤسسات، وغياب الخدمات، وتآكل الشرعية السياسية، كلها عوامل خلقت فراغًا ملأته الجماعات المسلحة.

وأشار إلى أن هذا التداخل أنتج ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد العنف»، حيث أصبحت الجماعات المتشددة جزءًا من منظومة اقتصادية غير رسمية قائمة على التهريب والابتزاز والسيطرة على الموارد.

ساحل بلا توازن

فى ضوء هذه المعطيات، تبدو منطقة الساحل مرشحة لمزيد من السيولة فى موازين النفوذ، مع تراجع الأدوار الغربية التقليدية، خاصة الفرنسية، وظهور قوى جديدة تسعى لملء الفراغ.

وفى حال استمرار الاتجاهات الحالية، فإن المنطقة قد تتحول إلى ساحة تنافس جيوسياسى مفتوح، مع مخاطر حقيقية لامتداد عدم الاستقرار إلى غرب وشمال إفريقيا، بما ينذر بمرحلة أكثر خطورة، قد تتجاوز حدود مالى إلى كامل الإقليم.

 

الإدارة الأمريكية: القاعدة وداعش خرجا من رحم جماعة الإخوان الإرهابية

 

أعلنت الإدارة الأمريكية استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، فى خطوة تعيد تعريف التهديدات من منظور أكثر اتساعًا؛ لتشمل الكيانات والشبكات التى تعتبرها «الولايات المتحدة» حواضن فكرية ولوجستية للتطرف العابر للحدود.

وأدرجت الاستراتيجية الأمريكية جماعة الإخوان الإرهابية ضمن البنية الفكرية والتنظيمية التى وصفتها الإدارة الأمريكية بالمرجعية لكثير من التنظيمات المتشدّدة.

وأوضحت الوثيقة الجديدة؛ أن إدارة «دونالد ترامب» ترى أن جماعات، مثل تنظيمىّ (القاعدة) و(داعش) الإرهابيين تنتمى إلى امتداد فكرى وتنظيمى واحد تعود جذوره إلى جماعة الإخوان الإرهابية؛ معتبرة أن الأخيرة لعبت دورًا محوريًا فى نشر أفكارها العابرة للحدود وتغذية الحركات الجهادية المعاصرة.

وفى خطوة وصفتها الإدارة الأمريكية بالتاريخية؛ أعلن البيت الأبيض إصدار أمر تنفيذى يقضى بتصنيف الفرع الأصلى للجماعة فى «مصر»، إلى جانب فرعيها فى «الأردن، ولبنان»، منظمات إرهابية أجنبية، مع الإشارة إلى أن القرار سيمتد لاحقًا ليشمل فروعًا أخرى فى المنطقة وخارجها.

ووضعت الاستراتيجية رؤية جديدة لتعريف التهديدات الإرهابية، وكيفية التعامل معها خلال السنوات المقبلة لتكون بمثابة دليل استراتيجى للجيش وأجهزة الاستخبارات الأمريكية، فى تحديد الجهات والأشخاص الذين تعتبرهم «واشنطن» إرهابيين.

من جانبه، قال كبير مستشارى البيت الأبيض «سيباستيان جوركا» إن الاستراتيجية الجديدة تستهدف تحييد التهديدات الإرهابية قبل وصولها إلى الأراضى الأمريكية، مؤكدًا أن مسئولى مكافحة الإرهاب فى «الولايات المتحدة» سيعقدون اجتماعات مع شركاء دوليين؛ لبحث سُبُل تعزيز التنسيق، ورفع مستوى الجهود المشتركة فى مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وذلك؛ تنقل الولايات المتحدة معركتها ضد الإرهاب من ملاحقة التنظيمات المسلحة إلى استهداف الجذور الفكرية والتنظيمية للتطرف، واضعة جماعة الإخوان المصنفة (إرهابية) فى قلب هذه المواجهة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط