مضيق ملقا.. يشعل شرارة مواجهة كبرى بين أمريكا والصين
بعد التوترات فى مضيق هرمز تتجه الأنظار إلى مضيق ملقا أحد أهم الممرات البحرية فى العالم والذى يمر عبره أكثر من %20 من التجارة العالمية ويربط بين الشرق الأوسط وشرق آسيا؛ وأكثر من 100 ألف سفينة تعبر هذا المضيق سنويا حاملة النفط والغاز والسلع الأساسية نحو اقتصادات كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية؛ ورغم تأكيد الدول المطلة عليه استمرار حرية الملاحة أثار الحديث عن فرض رسوم عبور مخاوف كبيرة خاصة أن أى اضطراب قد يؤدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخير الإمدادات عالميا؛ خطورة المضيق لا تكمن فقط فى أهميته بل أيضا فى ضيقه الشديد وكثافة الحركة فيه إضافة إلى مخاطر القرصنة والحوادث البحرية، فضلا عن الطبيعة الجغرافية المعقدة التى تجعل أى خلل بسيط فيه قابلا للتحول إلى أزمة عالمية فى سلاسل الإمداد.
تعتبر الصين من أكثر الدول اعتمادا على هذا الممر مما يجعل أى تهديد له عاملا حساسا فى الاقتصاد العالمى؛ وتعزز واشنطن تحالفها مع إندونيسيا وتقترب أكثر من الممر الذى يمر عبره جزء كبير من النفط المتجه إلى بكين ولا يقتصر الأمر على مضيق هرمز وباب المندب فقط بل يمر الاقتصاد العالمى أيضا عبر ممر بحرى استراتيجى آخر يقع فى قلب آسيا وهو مضيق ملقا؛ وسلطت صحيفة تايمز ناو الهندية الضوء على مضيق ملقا الذى يكتسب ميزة استراتيجية تثير اهتماما واسعا فى آسيا وهو ممر مائى ثالث بالغ الأهمية قد يؤثر بشكل أكبر على المنافسة طويلة المدى بين الولايات المتحدة والصين مشيرة إلى أنه بعد إغلاق مضيق هرمز يبدو أن واشنطن تتجه الآن مباشرة نحو ملقا وهو ممر حيوى لنحو 80 % من واردات الصين النفطية؛ ووفقا للصحيفة الهندية يمثل تعزيز الشراكة العسكرية بين الولايات المتحدة وإندونيسيا مؤخرا خطوة محورية فى استراتيجية الولايات المتحدة لتقليص نفوذ الصين فى مجالى الطاقة والتجارة؛ ويضع الاتفاق بين واشنطن وجاكرتا الذى يركز رسميا على الأمن البحرى والتدريب المشترك وتطوير القدرات الدفاعية الولايات المتحدة فعليا فى موقع متميز لمراقبة إحدى أهم نقاط تجارة الطاقة العالمية، مع إمكانية بناء قدرة ردع غير مباشرة عبر التواجد الاستخباراتى واللوجستى فى محيط المضيق.
ويعد مضيق ملقا الواقع بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة أسرع وأرخص طريق لنقل النفط من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى شرق آسيا، بالنسبة للصين أصبح هذا الاعتماد على مضيق ملقا نقطة ضعف استراتيجية تعرف باسم معضلة ملقا والتى حددتها القيادة الصينية فى أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، وهى معضلة لا تتعلق فقط بالأمن الطاقى بل بمدى قدرة الصين على تأمين شرايين اقتصادها البحرى فى عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية.
وقد تبدو تلك مشكلة صغيرة ولكنها مهمة بالنسبة للصين على الرغم من الاستثمارات فى طرق بديلة مثل خطوط أنابيب النفط من روسيا وآسيا الوسطى أو ممرات الطاقة من خلال ميانمار فإن معظم الإمدادات لا تزال تمر عبر البحر وبالتحديد عبر هذا الممر الضيق؛ كما أن تنويع سلاسل الإمداد الصينية لا يزال فى مرحلة انتقالية لم يحقق بعد الاستقلال الاستراتيجى الكامل عن الممرات البحرية. ويأتى هنا البعد الأمريكى الذى لا يقوم على الإغلاق المباشر للمضيق، بل على إعادة تشكيل بيئة النفوذ حوله، من خلال بناء شبكة تحالفات تجعل من الممر نقطة مراقبة وضغط أكثر منه مجرد طريق ملاحى مفتوح.
وفى هذا السياق، لا يمكن فهم التحركات الأمريكية فى محيط مضيق ملقا بمعزل عن الإطار النظرى الكلاسيكى للصراع الجيوسياسى بين البر والبحر. فبينما طرح الجغرافى البريطانى هالفورد ماكيندر نظرية “قلب الأرض” التى ترى أن السيطرة على الكتلة الأوراسية تمنح القدرة على التحكم فى العالم، جاء ألفريد ماهان ليؤكد فى المقابل أن القوة الحقيقية لا تُحسم على اليابسة فقط، بل عبر السيطرة على البحار والممرات البحرية التى تشكل شرايين التجارة العالمية. هذا التباين بين المدرستين يعكس بشكل مباشر طبيعة التنافس الأمريكى - الصينى الحالى، حيث تتحول البحار إلى ساحة رئيسية لإعادة توزيع النفوذ العالمى.
ومن هذا المنظور، تبدو الممرات البحرية مثل مضيق ملقا أقرب إلى “نقاط اختناق استراتيجية” يمكن عبرها التأثير على تدفقات التجارة والطاقة دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فمجرد القدرة على المراقبة أو تعطيل الحركة البحرية فى هذه النقاط الحساسة يمنح القوى الكبرى أدوات ضغط اقتصادية وسياسية فعالة، خاصة فى أوقات الأزمات.
وفى إطار تعزيز هذا النفوذ، تعمل الولايات المتحدة على توسيع شبكة تحالفاتها فى جنوب شرق آسيا، ليس فقط مع إندونيسيا، بل أيضًا مع دول مثل سنغافورة التى ترتبط معها باتفاقيات تعاون عسكرى وأمنى ممتدة منذ عقود، تسمح بوجود أمريكى لوجستى واستخباراتى فى محيط واحد من أهم الممرات البحرية فى العالم. كما أن انخراط قوى إقليمية أخرى فى ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، مثل آلية «الحوار الأمنى الرباعى» (الولايات المتحدة، الهند، اليابان، أستراليا)، يعكس توجهًا أوسع لاحتواء النفوذ الصينى المتنامى فى المحيطين الهندى والهادئ.
ووفقا للقراءات الجيوسياسية، فإن تعزيز الوجود الأمريكى فى المنطقة لا يعنى بالضرورة فرض حصار فورى على الممرات البحرية ولكنه يضفى عنصرا من السيطرة والردع قد يكون حاسما فى حال نشوب أزمة، من خلال القدرة على المراقبة والتأثير على حركة السفن دون الحاجة إلى إغلاق مباشر؛ ومن خلال شبكة من التحالفات والتعاون أصبحت واشنطن قادرة على مراقبة تدفقات الطاقة التى تغذى الاقتصاد الصينى وربما التأثير عليه بشكل غير مباشر، وهو ما يندرج ضمن رؤية استراتيجية أمريكية أوسع تستند إلى نظريات السيطرة البحرية كأداة للقوة العالمية وإعادة تشكيل موازين النفوذ فى آسيا.
وفى الوقت نفسه، فإن أى تعطيل لحركة الملاحة فى مضيق ملقا ينطوى على مخاطر جسيمة قانونيا وعسكريا، إذ يخضع المضيق لاتفاقيات دولية صارمة تجعل أى تدخل مباشر فيه محفوفا بتداعيات دولية واسعة، الأمر الذى يدفع واشنطن إلى تفضيل أدوات الضغط غير المباشر بدل المواجهة الصريحة. لذا يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية موجهة نحو بناء قدرة ضغط كامنة طويلة المدى أكثر من كونها خطة إغلاق مباشر، بحيث تتحول نقاط الاختناق البحرية إلى أدوات تأثير سياسى واقتصادى قابلة للتفعيل عند الضرورة.
وفى هذا السياق، تشير تقارير جيوسياسية إلى أن التحولات فى العلاقات الأمريكية الإندونيسية لا يمكن فصلها عن إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولى نحو تعددية قطبية متزايدة، حيث تتداخل قضايا الطاقة بالأمن العسكرى وبممرات التجارة العالمية. وبينما يعانى التبادل التجارى العالمى من ضغوط حادة عقب اضطرابات مضيق هرمز، فإن الاتفاق الدفاعى بين الولايات المتحدة وإندونيسيا يعكس إعادة تموضع استراتيجى فى المحيط الهندى، حيث تصبح الممرات البحرية نقاط اختبار حقيقية لموازين القوى.
وفى الظروف الجيوسياسية الراهنة، يمكن القول إن مضيق ملقا لم يعد مجرد ممر تجارى بل أصبح عقدة استراتيجية فى صراع النفوذ العالمى، وأداة غير مباشرة لإعادة توزيع القوة بين الولايات المتحدة والصين، فى عالم تتزايد فيه أهمية نقاط الاختناق البحرية كعناصر حاكمة للاقتصاد الدولى والأمن العالمى، ومع استمرار تصاعد التوترات من بحر الصين الجنوبى إلى تايوان، يظل هذا الممر أحد أكثر النقاط حساسية فى هندسة النظام الدولى الجديد.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



