بين السلام المسلح وحافة الانفجاربين السلام المسلح وحافة الانفجار
طبول الحرب بين واشنطن وطهران..هل تعود؟
يواجه الشرق الأوسط مستقبلًا مثقلًا بالدماء والخسائر الاقتصادية والاضطراب السياسى، حيث يقف الوضع بين الولايات المتحدة وإيران على حافة سيناريوهات مختلفة أفضلها سيئ، بينما تتجه جميع توقعات وسائل الإعلام الدولية نحو اندلاع مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، مع دخول إسرائيل على خط المواجهة بشكل مباشر.
تصعيد جديد
عاد التصعيد العسكرى المتبادل بسلسلة متقطعة من الاشتباكات بين واشنطن وطهران مساء الخميس الماضى،حيث اتهمت إيران الجيش الأمريكى بانتهاك وقف إطلاق النار، عبر استهداف ناقلة نفط إيرانية وسفن أخرى فى محيط مضيق هرمز، ما ترتب عليه رد إيرانى باستهداف سفن حربية أمريكية فى الخليج وبحر عمان.
ورغم الهجمات المتبادلة قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إن مفاوضات وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة، وقال إن الاستهداف الأمريكى لمدن إيرانية مختلفة،مجرد «صفعة خفيفة» لإيران.
وسبق هذا التصعيد إعلان ترامب أن بلاده ستعلق مؤقتًا عملية «مشروع الحرية» الخاصة بتوجيه السفن عبر مضيق هرمز مع الإبقاء فى الوقت ذاته على الحصار المفروض على إيران، وبرر ذلك بالقول إنه قد تم إحراز «تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق شامل ونهائى مع ممثلى إيران».
الحرب المفتوحة
حسب توقعات مراقبين دوليين فإن الحرب قادمة لا محالة، ما يعنى أن المنطقة ستشهد استنزافًا للجميع بلا استثناء، حتى الطرف الذى يبدو أقوى على الشاشات.
ستحول الحرب كل المكاسب السياسية والعسكرية إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد، فإيران ستدفع الثمن الأكبر من بنيتها التحتية النفطية، بينما ستتعرض الموانئ لضربات مدمرة، وستتآكل قدرات إيران العسكرية تدريجيًا أمام التفوق التكنولوجى الأمريكى والإسرائيلى، لكن الأخطر هو انهيار بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، التى ستعود عقودًا إلى الوراء، مع تفاقم البطالة وانهيار الخدمات وتفكك المجتمع، تحت ضغط الحرب الطويلة، لكنها لن تختفى بسهولة كما يظن البعض.
بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها فى مأزق استراتيجى رغم تفوقها العسكرى، وستتصدع هيبتها العالمية، وتستنزف ترسانتها العسكرية عالية التكلفة أمام قدرات أقل بكثير، ما يثير تساؤلات حول جدوى الحرب، كما ستواجه واشنطن ضغوطًا شعبية داخلية وخارجية، إذ يطالب حلفاؤها بالوقوف إلى جانب القانون الدولى، دون موقف حاسم جدى، بينما تعانى حكوماتهم من احتجاجات شعبية ضد الانخراط فى حرب ينظر إليها على أنها غير عادلة.
أما إسرائيل التى ستدخل المعركة مباشرة، سواء عبر دعم عسكرى أو عمليات استباقية، فإنها ستواجه تداعيات وجودية، فما بنته الصهيونية العالمية على مدار خمسين عامًا فى الداخل قد يتعرض لانهيار غير مسبوق، ومن ذلك الهجرة المضادة والشتات السياسى، والانهيار الاقتصادى والعسكرى.
وعلى المستوى الدولى ستواجه إسرائيل ضغطًا شعبيًا متزايدًا، ونفورًا عالميًا قد يصل إلى حد العنف الممنهج ضد مواطينها، ما يضعها فى عزلة سياسية وأخلاقية.
سيناريو اللاحرب و«لا اتفاق»
يرى المحللون المخضرمون، أن السيناريو الأكثر ترجيحا فى الفترة القادمة، هو استمرار وقف إطلاق النار دون الوصول إلى سلام حقيقى، أو اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، مع وضع الشرق الأوسط فى حالة سلام مسلح، حيث لا تعلن الحرب لكن لا يبنى الاستقرار هذا الوضع الهش، وهو ما يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات المعقدة.
حسب ذلك السيناريو، ستجد إيران نفسها فى حالة عدم يقين، ومضطرة للحفاظ على حالة تأهب قصوى لفترة طويلة، ما يرهق قواتها المسلحة، ويجبرها على اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية ونفسية صعبة، وعلى مستوى المجتمع الإيرانى سوف يعيش تحت ضغط الخوف من الانفجار المفاجئ، وهو ما يترك آثارًا نفسية عميقة على المواطنين.
وقد مرت إيران بهذه التجربة سابقًا خلال الأشهر الثمانية الفاصلة بين حرب الأيام الاثنى عشر فى يونيو 2025، وحرب الأربعين يومًا فى فبراير 2026، وهى لا ترغب فى تكرارها.
هذا السيناريو قد يكون مواتيًا للولايات المتحدة وإسرائيل، فواشنطن تسعى لضمان أغلبية جمهورية فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر القادم، فيما يطمح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لإعادة انتخابه فى أكتوبر، واستمرار الهدنة يمنحهم فرصة لترتيب أوراقهم السياسية والانتخابية، دون أن يلقى شبح الحرب بظلاله الثقيلة عليهم.
كما أن الولايات المتحدة تأمل فى استضافة كأس العالم لكرة القدم فى يونيو القادم، بعيدًا عن تهديدات الحرب الإيرانية.
الاستعداد العسكرى المستمر
الاستعداد العسكرى المستمر للجميع، رغم غياب الحرب المباشرة، سيدفع الولايات المتحدة لمضاعفة وجودها العسكرى فى المنطقة، لردع أى مفاجآت، بينما تبقى إسرائيل فى حالة استنفار دائم، ما يفاقم أزماتها الداخلية، ويزيد احتمالية الانفجار فى أى لحظة.
هذا الاستنفار المستمر يخلق بيئة سياسية متوترة، ويبقى المنطقة بأكملها فى حالة خوف دائم وانعدام ثقة.
النتيجة الاستراتيجية لهذه الحالة، واستمرار وقف إطلاق النار الهش، لا يعنى سوى استمرار التهديد بالحرب، وزيادة الاستعداد لشن المزيد من الهجمات، إنه سيناريو يمهد الطريق للحرب أكثر مما يفتح بابًا للسلام، ويعتبر مرغوبًا فيه بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه بالتأكيد غير مرغوب فيه لإيران، التى ترى فيه استنزافًا طويل الأمد يهدد استقرارها الداخلى.
الجمود الإقليمي
قد يستمر الجمود لسنوات، وهذا لا يعنى استقرارًا، بل يفتح الباب أمام نزيف بطيء ومستمر، حيث لا حرب تنهى الأزمة، ولا سلام يفتح باب التعافى، كما أن هذا السيناريو يتسم بتعقيدات متعددة الأبعاد على المستوى العسكرى والسياسى، وبقاء الوضع على ما هو عليه يعنى استمرار الهجمات المتفرقة، واحتجاز السفن والتراشق الإعلامى دون حسم أو تسوية.
وتستغل إسرائيل حالة الغموض لتوسيع نفوذها الأمنى والسياسى، وتوسيع خريطتها الجغرافية، بالضغط على الدول الأضعف التى وجدت نفسها داخل الحرب دون رغبة أو اضطرار، بينما تطرح دول إقليمية مثل مصر وتركيا وباكستان، مبادرات وساطة، لتظل المنطقة عالقة فى دائرة التوتر الدائم.
وعلى المستوى الاقتصادى، فإن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فى الخليج، يشل الاقتصاديات الإقليمية، خاصة تلك المعتمدة على صادرات النفط والغاز، كما ستصبح الاستثمارات الأجنبية أكثر حذرًا، وستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطراب خطير، ما يؤدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية.
أما البعد الإنسانى، فإن احتجاز شحنات الإمداد الغذائى والأدوية العاجلة واللقاحات، تفاقم الأزمة الصحية والغذائية، كما أن ترك ملايين المدنيين والأطفال فى مواجهة خطر المجاعة والمرض، وغياب الحلول الإنسانية الحقيقية، يضاعف من حالة القلق النفسى لدى الشعوب التى تعيش بين الخوف من الانفجار العسكرى والحرمان من أبسط مقومات الحياة.. والنتيجة، تآكل بطئ لقدرات الدول على التعافى، حتى التى لم تكن طرفًا فى الحرب.
عدم اليقين
رغم كثافة التقارير الدولية التى تصدرها مراكز الدراسات والأبحاث فى أوروبا والولايات المتحدة، وحتى آسيا، فى تحليل الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية ومحاولة استشراف نتائجها، ورسم ملامح المستقبل، يبقى اليقين بعيد المنال، إذ لا أحد يملك القدرة على التنبؤ بما سيحدث فعلًا، لكن ما يتفق عليه الخبراء هو أن الحرب منذ القدم وحتى اليوم، لا تنتج رابحين حقيقيين، بل سلسلة من الخاسرين، وكل نتيجة تحمل وجهًا مؤلمًا.
ويؤكد الخبراء ،أن الطريق الوحيد للخروج من دائرة الدم والدمار، هو المضى نحو السلام، حتى لو كان بطيئًا ومتعثرًا، فالتنافس البطيء فى إطار القانون الدولى، مهما بدا مرهقًا، يظل أقل كلفة من مواجهة مفتوحة تعيد المنطقة عقودًا إلى الوراء.



