أرفف بلا كتب فى الرباط..
لماذا تراجع حضور الناشرين المصريين فى المعارض الدولية؟
تصدّرت الأرفف الخالية من الكتب جناح دور النشر المصرية فى النسخة الـ31 من معرض الرباط الدولى للكتاب، فى مشهد يعكس استمرار أزمة تأخر وصول شحنات الكتب، وهى أزمة تتكرر للعام الثالث على التوالى، وتطرح سؤالًا واحدًا: لماذا يتراجع حضور الناشرين المصريين فى معرض الرباط الدولى للكتاب عامًا بعد آخر؟
تكشف «روزاليوسف» فى هذا التحقيق عن الأسباب التى أدت إلى استمرار أزمة تأخر وصول شحنات الكتب إلى معرض الرباط، وترصد العوامل التى تعوق مشاركة الناشرين المصريين فى فعالياته.
استمرار الأزمة وحجم الخسائر
حول أسباب استمرار أزمة تأخر وصول شحنات الكتب إلى معرض الرباط، يوضح الناشر إسلام عبد المعطى، مدير دار روافد للنشر، أن الأزمة تتكرر سنويًا دون حلول حاسمة، مشيرًا إلى أن استمرارها يعود إلى غياب الإجراءات الفعالة التى ينبغى أن يتخذها اتحاد الناشرين المصريين لحماية حقوق الناشرين، ومعالجة أوجه القصور فى وسائل الشحن.
ويؤكد أن استمرار الأزمة أدى إلى تفاقم خسائر الناشرين خلال السنوات الأربع الأخيرة، وأصبح يهدد انتظام مشاركة دور النشر المصرية فى الفعاليات والمعارض الدولية.
ويلفت إلى أن أزمة معرض الرباط ليست الأولى من نوعها، إذ تكررت فى عدد من المعارض الدولية، من بينها معرض أربيل الدولى للكتاب فى العراق عام 2019، وكذلك معرض الشارقة الدولى للكتاب عام 2025، والذى تأخرت شحنة إصداراته ثلاثة أيام.
وعن سبل معالجة الأزمة ومنع تكرارها، يرى أن البداية الحقيقية تتمثل فى الاعتراف بالمشكلة ومحاسبة المسئولين عنها، إلى جانب قيام اتحاد الناشرين المصريين بدوره فى حماية حقوق الناشرين، بدلًا من تبنى وجهة نظر شركات الشحن، وهو ما يثير – على حد تعبيره – تساؤلات حول شفافية الإجراءات ونزاهتها.
أما عن حجم الخسائر، فيؤكد أن أزمة العام الماضى أدت إلى عدم تسلم بعض الناشرين لكتبهم حتى الآن، وأسفرت عن خسائر طائلة تُقدّر بنحو عشرة آلاف دولار لأصغر ناشر.
عوامل تعوق مشاركة المصريين
فى السياق ذاته، يوضح أيمن حويرة، مدير دار كتوبيا للنشر والتوزيع، أن شحنة إصدارات الدار لم تصل حتى اليوم الخامس من انطلاق فعاليات المعرض.
ويشير إلى أن خط الشحن البحرى إلى المغرب أكثر تعقيدًا ويرتبط بعوامل لوجستية متعددة، ما يفاقم الأزمة ويؤخر وصول الشحنات بشكل متكرر، فضلًا عن محدودية خبرة بعض شركات الشحن فى إدارة مثل هذه الأزمات، لافتًا إلى أن شحن الإصدارات إلى تونس والجزائر يتم بانتظام دون عقبات.
ويضيف أن الأزمة باتت متكررة، إذ شهدها عام 2023 وتكررت مجددًا العام الماضى، ما أسهم فى زيادة خسائر الناشرين فى ظل ارتفاع تكاليف المشاركة فى المعارض الدولية.
ويفسر أن الضرر الأكبر يتحمله الناشر المصرى، فى ظل طبيعة زيارة القارئ المغربى للمعرض، والذى غالبًا ما يكتفى بزيارة واحدة يتجول خلالها بين الأجنحة ويشترى ما يحتاجه، ما يجعل تأخر الشحنات عاملًا حاسمًا فى حجم الخسائر، ويؤدى إلى فقدان جزء مهم من فرص البيع والإيرادات.
موقف الاتحاد
ورغم أن اتحاد الناشرين المصريين أعلن قبل انطلاق النسخة الـ31 من معرض الرباط الدولى للكتاب عن تجهيز شحنة إضافية من الكتب عبر الشحن الجوى، تمثل نحو 10% من إجمالى الطرود، على أن تتحمل شركة الشحن تكلفتها بالكامل، تحسبًا لأى تأخير فى الشحنة البحرية، فإن هذا الإجراء لم يمنع تفاقم الأزمة.
تدخل الجهات المغربية
ومع استمرار تأخر وصول شحنات الكتب حتى اليوم الخامس من المعرض، طالب محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، بضرورة تدخل الجهات المغربية المعنية لحل الأزمة، وتسريع إجراءات دخول الشحنات إلى ميناء الدار البيضاء، وتقديم الدعم للناشرين الذين وصلت شحناتهم فى الأسبوع الثانى من المعرض.
استجابة عاجلة
وفى استجابة عاجلة للأزمة، يكشف المهندس رزق عبد السميع، رئيس مجلس إدارة الشركة القومية للتوزيع ومؤسسة دار المعارف، أن الشركة نجحت بالتنسيق مع وزارة الطيران المدنى فى شحن أكثر من 18 طنًا من الكتب، تضم نحو 450 طردًا، ما أسهم فى إنقاذ مشاركة عدد من الناشرين فى المعرض.
ويشير إلى أن الأحداث التى تشهدها المنطقة أدت إلى تعطل بعض خطوط الملاحة الدولية، وتأخر وصول الشحنات، وتراجع حضور الناشرين المصريين، وذلك على غرار ما حدث فى العام الماضي.
ويلفت إلى أن الشركة القومية للتوزيع تولت شحن إصدارات 35 ناشرًا مصريًا، من بينها إصدارات الهيئة العامة للكتاب.
ورغم تعدد محاولات احتواء الأزمة وتكرار الوعود بالحل، يبدو أن المشهد نفسه يعيد إنتاج تفاصيله دون أى تغيير يُذكر، كأننا أمام دائرة مغلقة لا تنكسر. تتكرر الأزمة عامًا بعد آخر دون نتيجة مختلفة، وكأن تأخر شحن الكتب لم يعد خللًا عابرًا بل واقع مفروض على الناشرين المصريين فى كل مشاركة خارجية. خسائر تتراكم بصمت، ووعود بالحلول تتبدد مع كل دورة جديدة، بينما يظل الناشر وحده فى مواجهة منظومة تُعيد إنتاج الأزمة بدلًا من تفكيكها أو حتى الاعتراف بحجمها الحقيقي. وفى كل معرض جديد، لا يبدو السؤال متعلقًا بتأخر الشحنات فقط، بل بشيء أعمق وأكثر قسوة: كيف تحوّلت المشاركة الثقافية إلى عبء خاسر يُفرض على الناشرين عامًا بعد آخر، دون أن يسأل أحد: من يتحمل هذا الثمن؟.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



