الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يبقى رحيل الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة مارس 1934 – مايو 2026 هو علامة على رحيل جيل من الممثلين المفكرين أصحاب المشروع الوطني الفني.

 

وأبو زهرة هو ابن تجربة الفنان الملتزم بمشروع ثقافي إبداعي يتصل بالثقافة الوطنية، وأذكر بكل تقدير المحاولات المضنية المتلاحقة كي يرده الشاعر الكبير سمير عبد الباقي عن تصرفه كمؤلف وكمخرج أو كمؤسسة ثقافية من الضروري إعلان معرفتها في التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودفعه للتركيز في عمله المهني.

 

يبقى الانتماء لمشروع الدولة المصرية منذ مساره المهني 1961 في المسرح القومي انتماء المخلصين، إذ إن تلك المساحة من الحرية وذلك الهامش الحي للمسرح القومي آنذاك منح للممثلين الجادين شعوراً بمسؤولية التفكير من أجل المجتمع، ولذلك فعبد الرحمن أبو زهرة نجم وقاسم مشترك حاضر في هذا المشروع مع ألفريد فرج وكرم مطاوع وسعد أردش وسهير المرشدي، وعبد المنعم إبراهيم وسعد الدين وهبة وسميحة أيوب، وعدد كبير من نجوم المسرح الذين جعلوا ضمير الفن المصري، مع الفنون التعبيرية المصرية المتعددة.

 

ذهب عبد الرحمن أبو زهرة إلى السينما والدراما التليفزيونية وإلى ديزني وأفلامها، إلا أنه بقي مهتماً ببطولة مسرحية قميص السعادة للأطفال على مسرح البالون، وكان حريصاً على أن يبقى بطلاً في شريط الصوت لشخصيات مسرح القاهرة للعرائس.

 

إنه ذلك الإيمان بالمسرح والوعي به كدور اجتماعي وكقيمة حاضرة في المشروع الثقافي المصري.

 

تشكل وعيه في "حلاق بغداد" مع عبد المنعم إبراهيم وألفريد فرج الذي وصف بطل مسرحيته بأنه ممثل يجب أن يكون حفيداً للممثلين الجوالين المصريين القدماء، فمنحه حق الارتجال والخروج الإبداعي عن النص.

 

ولذلك فهو جيل كان يعرف أهمية القراءة والفهم والإبحار في العلوم الإنسانية والاشتراك في مهمة القوة الناعمة المصرية كحارسة وصانعة للوعي، وكان أحد هؤلاء المغادرين خارج البلاد مع صدام المثقفين مع تغير اتجاه مصر بعد حرب وانتصار أكتوبر 1973.

 

ولأن مصر تعرف الأبناء المخلصين فقد استعادتهم وتفهمتهم، ودفعت بهم لصدارة المشهد الفني والثقافي في ثمانينيات القرن العشرين الماضي.

 

ونستطيع أن نتفهم موقف الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي والكاتب ألفريد فرج، والمخرج كرم مطاوع في فريق الممانعة والرفض لسياسات السبعينيات الانفتاحية وللخيال السياسي الصادم والتغير الحاد في توجهات الاقتصاد والسياسة والثقافة في مصر، أما موقف نجم ممثل مطلوب للعمل لموهبته واحترافه كل يوم في مصر فهو تفهم يحتاج إلى تأمل لشخصية عبد الرحمن أبو زهرة وفهمه لدور الممثل الاجتماعي وضرورة أن يكون الممثل في القلب من رؤية المثقفين المصريين، حيث غادر معهم إلى العراق والكويت لاستكمال المشروع الثقافي المصري العربي كما كان يراه.

 

وقد تمت عملية استعادتهم لتتفهمهم دولة مصر في عهد الرئيس مبارك، وهي استعادة أعادت إنتاجهم نجوماً لامعة في القلب من مؤسسات الدولة المصرية إيماناً بالمواهب الكبرى والخبرات النادرة وأهميتهم كقوة ناعمة مصرية منتمية لهذا الشعب المصري العظيم مؤمنة بالدور والمعنى والقيمة للفنون التعبيرية المصرية.

 

ولذلك يبقى عبد الرحمن أبو زهرة حالة نادرة كممثل نجم أعلن مهنته للجميع مهنة رفيعة المستوى يجب على من يمارسها إدراك أنها في القلب من الثقافة الوطنية بعيداً عن فكرة الإجادة المهنية والرصيد الجماهيري فقط.

 

إنه إذن الممثل المفكر المنتمي المدرك للقيمة الرمزية لمهنة الممثل، ولدلالة جماهيريته وفهم معنى احترام الجمهور لإبداعه، إنه ذلك الجمهور الذي جعله نجماً.

كان أبو زهرة يعمل من أجله وله ويحترمه طوال ممارسة عمله المهني الطويل.

 

وقد ظل عبد الرحمن أبو زهرة عند شعوره بفلسفة الممثل المثقف الملتزم تجاه مجتمعه حتى شارك في رفض حكم الإخوان في مصر، ووصفها بأنها سنة دافعة للعنف اللفظي والفعلي ومحاولة لاختطاف الثقافة المصرية، وأعلن ذلك بوضوح.

 

ولا يمكن أن تفهم عبد الرحمن أبو زهرة كيساري أو كمعارض أو كمهتم بالعمل السياسي، فلم يكن هذا الرجل في تلك المواقع في يوم من الأيام لكنه كان مع مشروع جيله الستيني مشروع نهضة الثقافة المصرية، وكان مؤمناً بالحرية كضرورة للإبداع، ومؤمناً بأهمية أن يبقى الفنان في القلب بالإبداع والرأي من الثقافة الوطنية ومن الجمهور الكبير الذي منحه النجومية والاعتراف.

 

أما الأمر الأكثر إدهاشاً في عبد الرحمن أبو زهرة فهو كونه لم يكن أبداً نجماً للشباك ولا تصدر أدوار البطولة المطلقة في المسرح أو السينما أو الدراما التليفزيونية، وكان حضوره بمثابة علامة على الجودة الفنية.

 

كان أبو زهرة لا يهتم بمساحة الشخصية ولكنه يجعل منها بصمة إبداعية لا تغيب، وتبقى في الوجدان.

 

ولحضوره الخاص طاقة إبداعية تأتي من إيمان الفنان بأهمية مهنة التمثيل ومن كرامة شخصية ومهنية واعتزاز بالذات وعمل جاد شاق على دراسة وفهم كل شخصية درامية قام بها في المسرح والسينما والدراما التليفزيونية.

 

كاد أن يحمل أسلوباً خاصاً مميزاً في التعبير التمثيلي، لم يذهب به إلى نمط متكرر لكن ذهب إلى طريقة خاصة في التعبير بأدوات الممثل، تحمل من ملامحه الحادة وخفة ظله وجديته وحضوره الإنساني الكثير، إلا أنها تتنوع بتنوع الشخصيات الدرامية.

 

ولأن عبد الرحمن أبو زهرة كان مؤمناً بالعمل الجاد المتصل فقد قدم أعمالاً عديدة في المسرح والسينما والدراما التليفزيونية، ويبقى شهبندر التجار في "حلاق بغداد" في المسرح وإبراهيم سردينة في "لن أعيش في جلباب أبي"، وموظف البريد في "أرض الخوف" نماذج لإبداع يستحق التأمل والدراسة.

 

مئات من الأعمال الدرامية وحضور كبير يمثل نموذجاً للإخلاص المهني وفن إدارة الذات، وخصوصية ثقافية وطنية، ووعي نادر بقدرة الإبداع التراكمي على صنع التاريخ وعلى منح صاحبه النجومية الكبرى.

 

وداعاً عبد الرحمن أبو زهرة الرجل والفنان، فقد كبير، لكن يبقى تأمل سيرته ومسيرته ضرورة للأجيال الجديدة في عالم الفنون، وأوضح درس يتجسد في مسيرته أنه رجل احترم مهنته كممثل، وتصرف بكل تقدير لها، فمنحته كل شيء، الحضور والتأثير والرأي، وسجل حافل في ذاكرة الوطن.

 

تم نسخ الرابط