"فورين بوليسي" تكشف أسباب عجز الكونجرس عن وقف الحرب ضد إيران
ذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن كلفة الحرب التي يخوضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تتزايد، مع تصاعد معارضتها داخل الولايات المتحدة، وسط اتهامات قانونية ودستورية للإدارة الأمريكية بشن عمليات عسكرية من دون تفويض رسمي من الكونجرس.
ورغم ذلك، يبدو الكونجرس -وفقا للمجلة- عاجزا عن وقف الحرب أو تقييد صلاحيات الرئيس، في مشهد يعكس أزمة عميقة في النظام السياسي الأمريكي وتآكل التوازن التقليدي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويرى خبراء قانونيون، أن المشكلة لا تتعلق فقط بامتلاك الأصوات الكافية داخل مجلسي النواب والشيوخ، بل تتجاوز ذلك إلى بنية دستورية وسياسية معقدة تمنح الرئيس أدوات واسعة للمناورة، أبرزها حق النقض الرئاسي (الفيتو)، إضافة إلى محدودية قدرة الكونجرس على وقف التمويل العسكري بشكل فوري، فضلا عن تردد القضاء الأمريكي في التدخل في نزاعات تتعلق بالأمن القومي والحرب.
وفي هذا الصدد، يقول مايكل جلينون، أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة تافتس الأمريكية، إن استمرار حرب غير شعبية إلى هذا الحد من دون وجود آلية عملية لإيقافها يمثل "نموذجا مأساويا لاختلال النظام السياسي الأمريكي"، معتبرا أن الولايات المتحدة وصلت إلى وضع بات فيه الكونجرس قادرا على بدء الحروب، لكنه عاجز فعليا عن إنهائها.
جدل قانوني حول "الحرب"
وترى مجلة "فورين بوليسي"، أن الجدل الدستوري الحالي حول الحرب يرتكز إلى "قانون صلاحيات الحرب" الصادر عام 1973، والذي يلزم الرئيس بوقف أي عمليات عسكرية لم تحصل على تفويض من الكونجرس خلال مهلة أقصاها 60 يوما، وهي المهلة التي انتهت رسميا في الأول من مايو، لكن إدارة ترامب تؤكد أن المهلة توقفت مؤقتا بعد اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل وانتهاء "الأعمال العدائية"، وبالتالي فإن العد الزمني لم يعد ساريا.
غير أن جلينون وصف هذا التبرير بأنه "غير قابل للدفاع قانونيا أو واقعيا"، حيث إن نص القانون لا يتضمن أي آلية تسمح بما وصفه ب "بتجميد الساعة"، وأن محاولة الإدارة تفسيره بهذه الطريقة تقترب من "العبث القانوني" على حد وصفه.
كما يشير تقرير صادر عن مركز خدمة أبحاث الكونجرس في ديسمبر 2025، إلى أن مفهوم "الأعمال العدائية" لا يقتصر فقط على المعارك المباشرة، بل يشمل أيضا أي مواجهة يوجد فيها خطر واضح لنشوب نزاع مسلح، حتى وإن لم تبدأ الاشتباكات بشكل كامل.
وفي هذا السياق، يؤكد جون بيلينجر، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش، أن الرئيس يمكنه أن يقول إن الأمور انتهت، لكن الحقيقة هي أن هناك أعمالا عدائية قائمة تفعل مهلة الستين يوما.
البيت الأبيض يرفض القيود
وتؤكد المجلة الأمريكية، أنه في حين تحاول الإدارة الالتفاف على انتهاء المهلة القانونية، إلا أن ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو أعادا إحياء مواقف قديمة للسلطة التنفيذية تعتبر أن قانون صلاحيات الحرب نفسه غير دستوري، فقد وصف ترامب مهلة الستين يومًا بأنها "غير دستورية بالكامل"، بينما قال روبيو إن الإدارة تلتزم فقط ببعض بنود القانون "للحفاظ على علاقة جيدة مع الكونجرس"، في إشارة إلى رفض ضمني للخضوع الكامل لقيوده.
سلاح التمويل.. محدود التأثير
تقليديا، يتم النظر إلى "سلطة الإنفاق" التي يمتلكها الكونجرس باعتبارها أهم وسيلة للحد من نزعة الرؤساء إلى الحروب، إذ لا يمكن خوض أي حرب من دون تمويل عسكري، لكن الواقع الأمريكي تغير جذريا منذ القرن التاسع عشر، فالولايات المتحدة تمتلك اليوم أكبر ميزانية دفاعية في العالم، ما يمنح الرئيس قدرة واسعة على إدارة العمليات العسكرية لفترات طويلة دون الحاجة إلى موافقات تمويلية عاجلة من الكونجرس.
وقد تجاوز الإنفاق الدفاعي الأمريكي في موازنة عام 2026 حاجز التريليون دولار، إضافة إلى 153 مليار دولار إضافية أقرها الجمهوريون ضمن حزمة مالية منفصلة، ويتيح ذلك لوزارة الدفاع (البنتاجون)، إعادة توجيه جزء من الأموال لتغطية نفقات الحرب ضد إيران حتى في غياب موافقة تشريعية جديدة.
وبينت المجلة أنه رغم إمكانية لجوء الديمقراطيين إلى إدخال تعديلات على مشاريع قوانين الدفاع لمنع استخدام الأموال في العمليات الهجومية ضد إيران، إلا أن نجاح هذه الخطوة يبقى صعبا، لأن الرئيس يستطيع استخدام (الفيتو)، ما يتطلب أغلبية الثلثين داخل الكونجرس لتجاوزه.
ونبهت المجلة إلى أنه في حين نجح الكونجرس في سبعينات القرن الماضي، في ظل أجواء من الغضب الشعبي تجاه حرب فيتنام، في تمرير قانون صلاحيات الحرب رغم اعتراض الرئيس ريتشارد نيكسون، بعدما تمكن الكونجرس من إسقاط الفيتو الرئاسي، إلا أن المناخ السياسي الحالي يبدو مختلفا جذريا، في ظل الاستقطاب الحاد بين الحزبين وتراجع قدرة النواب على بناء توافقات عابرة للانقسامات الحزبية.
القضاء.. الملاذ الأخير الضعيف
وشددت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، على أن القضاء الأمريكي رغم صلاحياته المحدودة في إنهاء الحرب، إلا أنه يظل الملاذ الأخير، فتاريخيا، دأبت المحاكم الأمريكية، على منح السلطة التنفيذية هامشا واسعا في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، متجنبة الدخول في صدام مباشر مع البيت الأبيض.
وسبق للمحكمة العليا الأمريكية أن اعتبرت، في قضايا عدة، أن النزاعات بين الكونجرس والرئيس حول السياسة الخارجية هي "خلافات سياسية" ينبغي حلها داخل المؤسسات السياسية نفسها، لا عبر القضاء.
كما أبطلت المحكمة العليا عام 1983 أحد أهم أدوات قانون صلاحيات الحرب، وهو ما يعرف بـ"الفيتو التشريعي"، الذي كان يسمح للكونجرس بإنهاء العمليات العسكرية بأغلبية بسيطة، ونتيجة لذلك، بات إنهاء أي حرب يتطلب فعليا أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهو أمر شبه مستحيل سياسيا.
ويرى مايكل جلينون، أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة تافتس الأمريكية، أن هذه المعادلة خلقت نظاما يميل تلقائيا لصالح استمرار الحروب لا إنهائها، موضحا أن الكونجرس يستطيع إعلان الحرب أو منح تفويض عسكري بأغلبية بسيطة، لكنه يحتاج إلى أغلبية كبيرة لوقف العمليات العسكرية بعد بدئها.
وعليه، يرى جلينون أن القضية تتجاوز الصراع الحالي مع إيران، حيث تمثل معركة دستورية تاريخية تعود جذورها إلى "الماجنا كارتا" (أول وثيقة مكتوبة تؤسس لحكم القانون) عام 1215، حين بدأ تقييد سلطة الملوك لصالح المؤسسات المنتخبة.
لذا، فإن ما يجري اليوم يتعلق بجوهر صراع استمر 800 عام لنقل سلطة الحرب من يد الحاكم الفرد إلى ممثلي الشعب المنتخبين، وهذه ليست مجرد قضية سياسية، بل مسألة دستورية كبيرة ومعقدة.





