الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

5 مشاهد فى أسبوع.. كيف أصبحت القاهرة نافذة الحلول والتنمية بالقارة؟

 

قبل نحو 63 عامًا، وتحديدًا خلال أول اجتماع لقمة إفريقية، بعد تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، والذى كان محل انعقاده فى القاهرة، صاغ الزعيم الراحل، جمال عبدالناصر، اهتمام مصر بمحيطها الإفريقى، بالتأكيد على أننا «جميعًا فى نفس القارب، نواجه التحدى الحقيقى لمطالب الحرية والحياة.. ومصر لا تعتبر نفسها بمعزل عن التطورات فى الساحة الإفريقية». 
 


ربما هذه بعضٌ من كلمات عبّرت عن منهج الاندماج المصرى مع محيطها الإفريقى، فى واحدة من أكثر الحقب الزمنية (فترة عبدالناصر)، التى يُشار إليها دومًا بكونها «فترة ذهبية فى العلاقات المشتركة، ومستوى الفاعلية والتأثير المصرى فى محيطها القارى الذى امتد لأقاليمها الخمسة»، ولكنها فى نفس الوقت ليست معانيها ببعيدة عن وصف واقع الحضور المصرى الحالى مع إفريقيا، من حيث الفعالية والاندماج مع شواغل دول القارة أمنيًا وسياسيًا وتنمويًا.

 

لستُ هنا بصدد صياغة مقارنات بين واقع معاصر وعهود سابقة، كثيرًا ما ترددها نُخب للتدليل على ضرورة الانفتاح فى التعاون مع الدائرة الإفريقية، ولكنها محاولة لفهم وقراءة أبعاد حالة الزخم التى صاحبت جولة الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى اثنتين من دول حوض النيل الجنوبى، كينيا وأوغندا، الأسبوع الماضى، إضافة إلى فعاليات أخرى كانت جميعها برهانًا على مستوى التفاعل المصرى مع إفريقيا وقضاياها.
 


خمسة مشاهد فى أسبوع واحد، كانت شاهدة على الانخراط والتفاعل المصرى مع ملفات وقضايا إفريقية عدة، وبمستوى اهتمام رفيع بداية من المستوى الرئاسى، والحكومى، وصولًا لأطر القنوات الدبلوماسية الأخرى، لتؤكد فى نفس الوقت على أن القاهرة ما هى إلا صوت لشواغل القارة، ونافذة حلول لأزماتها وقضاياها، وبوابة للشراكات التنموية والاقتصادية والاستثمارية..وتطرح فى نفس الوقت تساؤلات حول دلالات التوقيت والمكان وتأثيرها على المصالح  المصرية بإفريقيا.


المشهد الأول: افتتاح جامعة سنجور

من مدينة برج العرب، فى محافظة الإسكندرية، وتحديدًا من مقر الحرم الجديد لجامعة «سنجور» الفرنسية، جاء مشهد الافتتاح الرئاسى لمقر الجامعة بمشاركة الرئيس السيسي ونظيره الفرنسى، ليسجل محطة مختلفة من شراكات التعاون الثلاثى بين القاهرة وباريس مع دول القارة الإفريقية، خصوصًا فى ملف الاستثمار فى تنمية الإنسان الإفريقى وإعداد وتأهيل الكوادر الإفريقية.
 


ونقطة التوقف هنا، أن القضية أبعد من مسألة افتتاح حرم جامعى يستهدف مضاعفة القدرة الاستيعابية للدارسين فى تلك الجامعة، وإنما نتحدث عن نموذج للتعاون والترابط الدولى، تشكل فيه مصر نافذة تعليمية مهمة لبناء الكادر الإفريقى، ذلك أن تلك الجامعة التى دُشنت قبل 35 عامًا من قبل دول منظمة الفرانكفونية الناطقة بالفرنسية، ظلت قِبلة للدارسين ومن الكوادر الإفريقية فى تخصصات مختلفة، وقدمت خريجين تقلدوا العديد من المناصب التنفيذية فى دولهم. 
 


المعنى الآخر، أنه لا يمكن فصل الدعم المصرى لهذه الجامعة، عن البرامج التى تقدمها الدولة المصرية لبناء القدرات وبناء الإنسان الإفريقى على مدار السنوات الأخيرة، والتى كان من أبرزها البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب الإفريقى للقيادة APLP، وهو برنامج دشنته مصر وقت رئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019، لتدريب ألف شاب من جميع الدول الإفريقية على القيادة، إلى جانب برامج التدريب والتأهيل التى تقدمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية، والتى نظمت منذ عام 2014 أكثر من 700 برنامج تدريبى، استفاد منها أكثر من 18 ألف متدرب من الدول الإفريقية.. وهى برامج تجعل المستفيدين منها سفراء لتجربة التحديث والتطوير فى مصر داخل بلدانهم.

 

المشهد الثانى:السيسي فى قمة نيروبى


 

وما حدث فى الإسكندرية، لا يمكن فصله عن المشهد الثانى، فى العاصمة الكينية نيروبى، والتى شهدت الانعقاد الأول للقمة الفرنسية- الإفريقية، والتى جاءت بعنوان، «إفريقيا للأمام»، وشارك فيها الرئيس السيسي، ذلك أنه إذا كانت باريس تعول على القاهرة فى تأهيل الكوادر الإفريقية من منصة جامعة «سنجور»، فإنها تستند فى استراتيجيتها الجديدة للانفتاح على قارة إفريقيا، إلى شراكتها الاستراتيجية مع مصر، بما تشمله من تعاون اقتصادى وتجارى فى مختلف القطاعات.
 


والواقع أنه لا يُمكن فصل الشراكة الفرنسية مع إفريقيا، عن باقى الشراكات الدولية مع القارة، فمع الإدراك المتنامى لدى المجتمع الدولى، لتأثير الصوت الإفريقى سياسيًا واقتصاديًا، أصبحنا أمام نماذج عديدة من الشراكات، منها منتديات الصين وروسيا واليابان مع إفريقيا، إلى جانب شراكة الاتحاد الأوروبى (كمنظمة) مع القارة، والتى امتدت إلى شراكات ثنائية مثل منتدى إيطاليا إفريقيا وصولًا للشراكة الفرنسية.
 


ومع كل هذه الشراكات، لم يكن الحضور المصرى فى دورية انعقادها على مدار السنوات الأخيرة دبلوماسيًا فقط، وإنما من فلسفة قائمة على أن تكون مصر هى بوابة كل الأطراف الدولية للقارة الإفريقية.
 


وهذا هو المعنى الذى أشار إليه الرئيس السيسي، فى كلمته بهذه القمة، بأن مصر من خلال برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادى نفذت من الإجراءات الاقتصادية مع تطوير البنية التحتية، بما يجعلها بوابة للقارة الإفريقية، وأشار فى نفس الوقت إلى بعد آخر فى محددات التفاعل المصرى مع الشواغل الإفريقية، وهو أنه «لا تنمية بدون سلام، ولا سلام بدون تنمية»، من منطلق أن التوترات الجيوسياسية المتنامية فى الشرق الأوسط، أكثر من يتحمل فاتورتها دول القارة.
 


نقطة التوقف الأخرى، كانت فى رسالة الرئيس التى طالب فيها بالعدالة للدول الإفريقية والنامية، فى ظل اضطراب مشهد الاقتصاد العالمى، والتى دعا فيها إلى حتمية معالجة مشكلة تمويل التنمية لتحقيق السلام والتنمية، من خلال استحداث آليات جديدة، منها مبادلة الديون بمشروعات تنموية، والتوسع فى إصدار السندات الخضراء، والغاية هنا، كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون فى الدول الإفريقية، التى بات يُنفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما يُنفق على الصحة والتعليم معا.


المشهد الثالث: قمة عنتيبى 


ومن نيروبى إلى عنتيبى، جاء المشهد الثالث للتفاعل المصرى مع مصالحها الاستراتيجية، بزيارة ثنائية للرئيس السيسي إلى أوغندا، والرابط بين المحطتين، دلالة المكان نفسه، التى تعكس تطور علاقات مصر مع دول حوض النيل الجنوبى، خصوصًا دولتى كينيا وأوغندا، وهما من الدول المؤثرة فى دوائر إقليمية ترتبط مصر فيها بمصالح وجودية، سواء فى دائرة حوض النيل، وصولًا لمنطقة القرن الإفريقى وشرق إفريقيا.
 


والترابط هنا أكدته محادثات القمة التى أجراها الرئيس السيسي مع نظيره الكينى ويليام روتو، وأيضًا مع نظيره الأوغندى يورى موسيفينى، بالنظر إلى الملفات التى ناقشتها القمتين، والتى كان على رأسها بالتأكيد ملف الأمن المائى، وضرورة التنسيق المشترك، والتأكيد على مبادئ التعاون والمنفعة المشتركة وعدم الإضرار بمصالح مصر المائية، وتجنب أى ممارسات تعزز من الفرقة بين دول الحوض.
 


ونقطة التوقف هنا، أن مصر تعول على رئاسة أوغندا للجنة الخاصة لمبادرة حوض النيل، الموقعة عام 1999، والمكلفة بالتواصل مع دول المبادرة التى لم تصدق على «الاتفاق الإطارى»، المعروف باسم (اتفاقية عنتيبى)، ومن بينها مصر، بهدف تعزيز التوافق والشمولية والتعاون الذى يعود بالمنفعة على الجميع، وهو ما يتكامل مع النهج المصرى الرافض لاتفاقية عنتيبى التى تدفع إثيوبيا لتطبيقها، والداعم لمسألة الشراكة مع دول الإقليم حماية لمصالح الجميع.
 


والواقع أن الأمن المائى، ليس القضية الحيوية الوحيدة فى هذه المحطة، وإنما مستوى التنسيق ما بين مصر ودولتى أوغندا وكينيا، فيما يتعلق بالتوترات فى المنطقة، وعلى رأسها الحرب السودانية، والأوضاع فى الصومال والقرن الإفريقى، وأهمية هذا الجانب أنه يأتى مع دولتين مؤثرتين فى ديناميات الصراعات التى تشهدها تلك المناطق، وبالتالى التوافق على مبادئ مثل الحفاظ على وحدة وسيادة ومؤسسات تلك الدول،والمنحى هنا أننا نتحدث عن أثر الدبلوماسية الرئاسية يتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

 

المشهد الرابع: مدبولى فى جيبوتى

 

المشهد الرابع جاء من جيبوتى بمنطقة القرن الإفريقى، بمشاركة رفيعة من الدولة المصرية، فى مراسم حفل تنصيب الرئيس الجيبوتى، إسماعيل عمر جيله، بحضور الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، وهى مشاركة تأتى حرصًا من مصر لتعزيز تعاونها الثنائى مع جيبوتى بمختلف المستويات، وبما يتناسب مع حجم العلاقات الاستراتيجية، حسب توصيف البيان الصادر من مجلس الوزراء.
 


وهذه ليست مشاركة بروتوكولية عابرة فى حدث دبلوماسى، وإنما حضور يعكس الأولوية التى تمنحها القاهرة للشراكة مع دول القرن الإفريقى ومن بينها جيبوتى فى سياستها الخارجية، بالنظر إلى المصالح الاستراتيجية التى ترتبط بها مصر فى تلك المنطقة، التى يتكاثر فيها المنافسون وصراع النفوذ.
 


والشراكة المصرية مع جيبوتى، ما هى إلى محطة من محطات الانفتاح على دول القرن الإفريقى خلال السنوات الأخيرة، والتى تسعى من خلالها القاهرة لتعزيز تقاربها مع دول هذه المنطقة خصوصًا الصومال وجيبوتى وإرتيريا، للتنسيق فى تأمين الملاحة بمضيق باب المندب والبحر الأحمر، ومواجهة التحديات الجيوسياسية والتنافس الدولى والإقليمى للبحث عن موطئ قدم فيها، لعل أبرزها التحرك الإسرائيلى الأخير، غير القانونى، فى «أرض الصومال».


المشهد الخامس: الحل السياسى فى السودان

 

أما ما يتعلق بالمشهد الخامس، فكان ما يخص تطورات الحرب السودانية الداخلية، التى كانت حاضرة فى أكثر من حدث دبلوماسى الأسبوع الماضى، بداية من ندوة مهمة للمجلس المصرى للشئون الخارجية، تناولت «فرص تسوية الأزمة السودانية فى ضوء المبادرة المصرية»، إلى جانب اجتماع طارئ للجامعة العربية على مستوى المندوبين، للنظر فى اتهامات الخرطوم لإثيوبيا بشن هجمات على أراضيها باستخدام «مسيرات».
 

 


نقطة التوقف فيما دار من حديث للنخب الدبلوماسية والمختصين فى الملف السودانى، داخل المجلس المصرى للشئون الخارجية أن مصر تمتلك رؤية شاملة للتسوية فى السودان، قائمة على مجموعة من المسارات التى تعالج إشكاليات متجذرة فى السودان، من بينها صراع السلطة والثروة، والانقسامات السياسية والاستقطابات الداخلية، وهذه الرؤية تشمل أربعة محددات أساسية، بداية من المسار الأمنى، والسياسى والإنسانى ومسار التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
 


والواقع أن المعالجة السياسية للأزمة السودانية، كما عرضت فى ورقة خاصة بندوة المجلس المصرى، يمكن أن تنطلق من قاعدة تتفق عليها النخب السودانية حول كيف يحكم السودان؟، ومنها يمكن صياغة خارطة طريق لمستقبل الحكم والإدارة فى السودان، وتحقيقًا لتلك القاعدة يجب مراعاة مجموعة من الضمانات المهمة، تشمل الآتى:
 

 

إن أى تسوية سياسية، يجب أن تبدأ بفك أى ارتباط بين قوى سياسية ومكون عسكرى كشرط لمشاركة تلك القوى السياسية فى الحوار السياسى الشامل.
 


إطلاق النسخة الثانية من حوار «القاهرة» للقوى السياسية والمدنية السودانية، على غرار الحوار الذى استضافته مصر فى يوليو 2024، وجمع لأول مرة فرقاء الكتل السياسية على مائدة حوار واحدة، ويمكن أن يصدر عن الحوار (إعلان مبادئ) يؤكد على مجموعة من الثوابت والخطوط الحمراء، أهمها الحفاظ على وحدة وسلامة أراضى السودان. 
 


تجميع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية والمنظمات، التى تداخلت بمبادرات للحل فى السودان، تحت مظلة مبادرة واحدة، بما يحقق الأثر الإيجابى فى تجميع أطراف الصراع على مائدة تفاوض واحدة، تنهى مأساة الحرب.
 


وإجمالًا، إن ما نتحدث عنه فى هذه المشاهد، لا يمكن اعتباره مشاركات دبلوماسية عابرة، ولكنها انعكاس لسياسة خارجية تُدرك أهمية الدائرة الإفريقية وتأثيرها السياسى والاقتصادى، فصاغت حضورها بمبادئ ولغة خطاب يتبنى مبادئ وحدة المصير، والشراكة فى التنمية ومواجهة التحديات، والتعاون لتحقيق مصالح مشتركة، وتتفاعل فى نفس الوقت مع مختلف القضايا والمصالح المصرية المصيرية. 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط