الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الطعن فى نزاهة وذمة وشرف التحكيم المصرى أخطر بكثير من مباراة كرة مهما كانت أهميتها أو من تحديد مسار ومصير بطولة مهما كانت قيمتها.. أخطر بكثير من حدود كرة القدم نفسها.
 


 إنه اتهام صريح بالفساد لقضاة الملاعب، أصبح ممتدًا ليطال غيرهم فى الجهات الرياضية المسئولة بل وغيرها.. تتبادل توجيهه أندية كثيرة سواء التى تريد المراكز والبطولات أو التى تصارع الخسائر والهبوط، وبالتأكيد فإن الأعلى صوتًا والأكثر صخبًا وتأثيرًا هما «الأهلي» و«الزمالك»، ليس فقط لنفوذهما التاريخى المعنوى ولا لقناعتيهما بوجوب استحقاق حصد كل الألقاب، ولكن أيضًا بحكم أن خلفهما أضخم ظهير جماهيرى، يتأثر ويصدق (أو يريد أن يصدق) فيتفاعل وينفعل ويثور ويحتقن بناءً على أى تحرك منهما، والنتيجة أن هذا الاتهام المزمن تحول إلى إدمان وورقة ضغط وإخلاء مسئولية، تُشهَر وتظهر فقط حين لا تأتى النتائج بما تشتهى إدارتا «الأحمر» و«الأبيض» وجهازاهما الفنيان وجماهيرهما ولجانهما الإلكترونية، فيكون تصدير الحجج وتبرير الفشل أهم من علاج أسبابه ومن تقبل النتائج ومواجهة المشاكل التى أدت إليها بشجاعة.
 


 ولا معنى هنا قطعًا للحديث عن الروح الرياضية المأسوف عليها ولا عن قواعد اللعبة التى تشمل احتمالات المكسب والخسارة ولا عن أن «المنافس» لا يجوز التعامل معه على أنه «عدو»، فهذه أمور غابت واقعيًا والتحكيم (فى ظل الشحن الهيستيري) هو المجرم الأول، والفساد تحول من اتهام إلى ما يكاد أن يكون حقيقة يقينية (!!) وحُكمًا نهائيًا باتًا دأبت الإدارات والأجهزة الفنية على إصداره فتبنته الجماهير (نخبةً وسوادًا أعظم) ليصبح عقيدة راسخة ومُخَدرِة قابلة للشحن ولإعادة الشحن وللامتداد فى العقلية والمشاعر الجمعية إلى مناحٍ أخرى.
 


وهكذا تسمم مناخ الكرة المصرية تمامًا (كما لو كان ينقصه مزيد من التسمم) وتوحش الاستقطاب، وتوسع الاتهام ليشمل مسئولين داخل الهيئات المسئولة عن الكرة وخارجها، بحيث أصبح التحكيم «الفاسد» ليس مجرد جريمة شخصية تطال المتهمين بها بل يتم النظر إليها جماهيريًا كمؤامرة كاملة وإساءة استخدام سلطة ولا تسأل عن أى منطق ولا عن كيف يكون ذلك ضد نادٍ وضد غريمه فى نفس الوقت حسب الأحوال والنتائج (!!).
 


وحتى نكون منصفين فإن مسألة التشكيك فى الحكام (وإن وصلت الآن إلى ذروة كارثية) فهى ليست جديدة، وقد شاهدناها على الأقل منذ السبعينيات لكنها تطورت من رفض قرارات الحكم أو عدم القبول بخطأه (وهو جزء من اللعبة) إلى الطعن فى نزاهته، وجميعنا نذكر بطولة الدورى التى ألغيت عقب مباراة الأهلى والزمالك نهاية عام 1971 نتيجة شغب جماهيرى لاحتساب الحكم ضربة جزاء، كما نذكر أسماء عديدة لحكام على مدار نصف قرن تقريبًا ظل اتهامهم فى نزاهتهم يلاحقهم حتى أصبح تراثًا شعبيًا (!!)
 


المؤكد أن هناك أخطاء تحدث وبعضها فادح وأحيانًا مصيرى، وقد يكون مستوى كفاءة بعض الحكام بحاجة إلى تدخل وإعادة نظر وتقييم جاد، وقد تكون هناك (كأى مجال) حالات فردية افتقدت النزاهة تتطلب قرارات حاسمة شفافة وإجراءات رادعة تضمن الثقة والتطهير.. ولكن أن يمتد ذلك ليمس سمعة التحكيم المصرى كله كما هو حادث الآن فذلك أمر لا يمكن مقابلته من الجهات المسئولة بالتجاهل أو انتظار مرور العاصفة أو الصمت.
 


الصمت لن يُفَسَر إلا كاعتراف ضمنى بصحة ذلك الاتهام.. الصمت هنا سيكون «سيد الأدلة» (؟!).. أما إذا كانت الجهات المسئولة تعلم وتثق أن تلك الاتهامات باطلة فى مجموعها، وتدرك مدى خطورة تحولها إلى رأى عام سائد ومستمر، فالواجب عليها أن تتحرك قانونيًا ضد أى إدارة أو أى عضو فى جهاز فنى أو أى شخصية ذات حيثية معروفة أو أى جهة عمومًا توجه اتهامًا صريحًا من هذا النوع دون دليل ثابت.
 


أما «الأهلى» و«الزمالك» فمع افتراض حسن النية الواجب، يمكننى القول أن إدارتيهما لا تدركان حجم المسئولية الاجتماعية التى يتحملها الناديان اللذان تنتمى إليهما الأغلبية الساحقة من الشعب المصرى، ولا تدركان مدى خطورة حالة الاستقطاب والتعصب التى أصبحت معتادة ومتزايدة يومًا بعد يوم بما يجعل عقيدة التشكيك تنسحب على مجالات عامة كثيرة.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط