الجمعة 05 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

إذا كان الحديث عن العلاقة بين (الإخوان) و(الغرب) فنحن نتحدث عن تاريخ من العمالة المباشرة. أحيانًا وغير المباشرة أحيانًا وكذلك عن تاريخ من (الاستخدام)..حيث دائما ما استخدم الغرب تلك الجماعة الوظيفية فى تحقيق أهداف مرحلية دارت كلها فى مدار تحقيق مصالحه الاستراتيجية فى الشرق الأوسط حينا، أو استخدام الجماعة كمخلب قط محلى ضد الدول الوطنية المعادية له حينا، أو ضد التيارات السياسية المعادية لمصالحه حينا آخر، ولا يمكن الحديث عن علاقة الإخوان بالغرب دون التوقف كثيرا عند سعيد رمضان (1926 - 1995) القيادى الإخوانى وزوج ابنة حسن البنا ورجل الغرب الأول فى صفوف الإخوان وصاحب استراتيجية تطويع الجماعة لخدمة أهداف الغرب السياسية بحثًا عن الدعم والتمويل وفرص التمكين.
 

 

. وقد بدأت محطته الأولى عقب هروبه من المحاكمة فى قضية محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954 للمملكة العربية السعودية، ولم تكن المملكة وقتها على علاقة طيبة بالدولة المصرية وكان من الطبيعى أن تستضيف عشرات من الإخوان الهاربين وأن تسعى لتوظيفهم لخدمة أهدافها الإقليمية والتى هى جزء من تحالفاتها الدولية الواسعة..حيث كان الإخوان يوهمون بعض الدول التى تستضيفهم بقدرتهم على تنظيم عملية اغتيال للرئيس المصرى والاستيلاء على الحكم عبر عمليات إرهابية متواصلة..وبحسب شهادة اللواء فؤاد علام فقد استطاع سعيد رمضان إقناع دولة عربية كبرى بتمويل إنشاء سلسلة من مقار الإخوان فى الدول الأوروبية حملت اسم (المراكز الإسلامية) ورفعت شعارًا نبيلا هو نشر الإسلام فى أوروبا وعقب رحلته للخليج وحيازته لجواز سفر دبلوماسى يتيح له حرية الحركة.. مر سعيد رمضان بمحطة ثانية فى باكستان التى كانت دولة حديثة التأسيس عقب استقلال الهند عن الاحتلال البريطانى. 
 


عملاء للمخابرات الأجنبية
 


وكانت باكستان التى تضم مسلمى شبه القارة الهندية ذات علاقة استراتيجية خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية التى رأت مساندتها فى مواجهة الهند الطامحة للاستقلال والتنمية المستقلة عن الغرب والتى أسست مع مصر ويوغوسلافيا حركة عدم الانحياز التى قادت حركة شعوب العالم الثالث منذ منتصف الخمسينيات، ولم يكن غريبا أن يحمل سعيد رمضان الجنسية الباكستانية بعد سنوات قليلة من اشتراكه فى محاولة قلب نظام الحكم فى مصر.. وبعد باكستان كانت محطته الأولى فى الغرب هى سويسرا التى أسس فيها مقرا للإخوان حمل اسم (المركز الإسلامى فى جنيف) وقد صنفته المخابرات السويسرية على أنه عميل مباشر للمخابرات البريطانية من جهة والأمريكية من جهة أخرى بحسب المؤرخ البريطانى ستيفن دوريل.. لكنها لم تتخذ ضده أى إجراء لأن أنشطته كانت موجهة ضد مصر لا ضد سويسرا، وبحسب مؤلف كتاب (مغامرة داخل العالم السرى المخابرات البريطانية) فقد عمل سعيد رمضان بشكل مباشر مع ضابطين بريطانيين هما «نيل ماكين» و«جوليان امرى» اللذين كانا يشرفان على تنظيم تحركات واسعة ضد جمال عبد الناصر كان الإخوان وسعيد رمضان جزءا رئيسيا منها. وقد أدى هذا إلى إسقاط الجنسية المصرية عن سعيد رمضان بتهمة التجسس.. كما أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يذكره بالاسم فى بعض خطبه فى معرض التندر على فشل جهوده وضياع التمويلات التى رصدتها بعض الدول لسعيد رمضان.. الذى كان أول إخوانى يتولى التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 1953 حيث شارك فى مؤتمر برينستون عام 1953 والذى كان أول مؤتمر تنظمه الإدارة الأمريكية لأنصار الإسلام السياسى من كافة الدول العربية على حد تعبير الكاتب (هيرمان إيلتس)، بعد هذا التاريخ بعام واحد وفى 1954 كان سعيد رمضان يشارك إخوانيا آخر هو حافظ الصيفى فى الالتقاء بالمستشار الشرقى للسفارة البريطانية فى القاهرة لإخباره بأن الإخوان يفضلون العلاقة المصرية البريطانية عن العلاقة المصرية -الأمريكية التى كان البعض يظن أنها فى طريقها للتطور بعد ثورة يوليو 1952.
 


تنظيم إرهابى عالمى
 


 فى كتابه (مسجد ميونخ) والصادر فى 2010 يرصد الكاتب الكندى إيان جونسن جانبا كبيرا من علاقة الاستخدام بين الإخوان المسلمين والغرب مركزا بذكاء على مسجد ميونخ الذى صار هو نفسه مقر التنظيم العالمى للإخوان المسلمين منذ تأسيسه وحتى فترة قريبة ماضية.. فقد أسس النازى مسجد ميونخ كدليل على استخدامه للإسلام السياسى فى حربه العالمية سواء عبر استخدام مسلمى الاتحاد السوفيتى ضد الدولة السوفيتية أو عبر استخدام فصائل الإخوان المسلمين فى الشرق الأوسط وتقديم التمويل المادى لهم، وبسقوط النازى لم تسقط علاقة الاستخدام بين الغرب والإخوان إذ سارعوا بالالتحاق بخدمة الجانب المنتصر عبر بعض الدول العربية المتحالفة مع أمريكا فى البداية ثم بشكل مباشر فيما بعد.. فمع نهاية الستينيات كان سعيد رمضان قد نجح فى إقامة شبكة من المراكز الإسلامية فى عواصم أوروبا يسيطر عليها الإخوان بالإضافة لإمبراطورية اقتصادية ساعده فى تكوينها يوسف ندا الذى استطاع الهرب فى 1965 ليلحق بسعيد رمضان فى سويسرا ويتفرغ لإدارة أموال الإخوان.. مع السبعينيات كان الإفراج عن قيادات التنظيم الخاص فى السجون جزءا من صفقة إقليمية شاملة ظن بها الرئيس السادات أنه يستطيع استمالة الولايات المتحدة إلى جانبه وأنه يستطيع اتقاء شر الإخوان وإغراءهم بالابتعاد عن العنف لكنه أدرك خطأه الاستراتيجى قبل شهور من اغتياله وأرسل عدة رسائل بثبوت تورط الإخوان فى أحداث الإرهاب والفتنة الطائفية ولم يكن اغتيال الرئيس السادات نفسه على يد مجموعة خارجة من رحم الجماعة سوى حلقة من حلقات استخدام الغرب للإرهابيين الإخوان وتوظيفهم لتحقيق أهدافه بشكل مباشر أو غير مباشر وهو ما حدث بشكل واضح فى الحرب الأهلية الأفغانية (1978-1980) والتى أطلقت عليها المخابرات الأمريكية اسم الغزو السوفيتى لأفغانستان واستخدمت فيها الإخوان المسلمين فى المقام الأول من خلال الإخوانى الفلسطينى عبد الله عزام وتلميذه بن لادن ضد الاتحاد السوفيتى حتى نجحت فى إسقاطه بالفعل.. ولم تكن تلك سوى حلقة من حلقات استخدام وعمالة الإخوان المسلمين للغرب وهو ما زال مستمرًا حتى الآن.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط