الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أن يرزقك القدر طفلًا ذكيًا عنيدًا فهي منحة ومحنة في آن معًا. 
يعتبرها بعض الناس محنة لأنهم يخفقون في إيجاد طريقة للتعامل مع ذلك الكائن الصغير المتمرد، وقد ينتهي الأمر إلى ابن عاق وربما مجرم.

 

لكنها كانت بالنسبة لوالدي "الحاج سعداوي"منحة، إذ قادته فطرته السوية لآلية ناجعة في التعامل معي.. فبدلًا من الفرض استعمل الحوار، وعوضًا عن الأوامر استخدم لغة الطلب، ولم يعتبرني يومًا شخصًا قاصرًا.

لم يدرس أبي طرق التربية الإيجابية ولكنه طبقها بحذافيرها، والمعادلة التي صاغها كانت بسيطة للغاية : فقط امنح طفلك حبًا واحتراما حقيقيين قبل أي شيء آخر.

منذ اللحظة الأولى التي تفتح فيها وعيي على هذه الدنيا وجدت أبًا حنونًا محبًا داعمًا متفهمًا، ذكيًا وزكيًا، فلم يكن فقط أب وإنما كان صديقًا مخلصًا، وناصحًا أمينًا، ومعلمًا كريمًا في عطائه.

 

لم أزل أذكر كيف جاءني وأنا ابن الخامسة من عمري  يستشيرني في إلحاقي بمدرسة قرية بعيدة عن تلك التي التحق بها كل أبناء قريتي الصغيرة وكان ذلك حرصًا منه على عدم ضياع سنة من عمري انتظارًا لإتمام السن القانونية كما اشترطت المدرسة القريبة.

لم أعرف طوال رحلتي معه معنى الجبر، ولم أسمع منه يومًا لغة آمرة، فقد كان أمينًا عليّ خلال سنوات ضعفي الأولى وأشهد أنه أدى الأمانة على أفضل نحو ممكن.

حين وصلت الثانوية العامة كان لي هدف واحد وهو الحصول على أعلى الدرجات كي "أرفع رأس والدي" وحتى لا يفرض عليّ مكتب التنسيق رغبة بعينها.

بالفعل حصلت على مجموع يؤهلني للالتحاق بالكلية التي أسجلها كرغبة أولى في استمارة الرغبات.

كانت أسعد لحظة في عمري حرفيًا حين عدت من المدرسة لأخبره بالنتيجة فاحتضنني وتقافزنا معًا في الهواء كجسد واحد لطفل يكاد قلبه يقف من شدة السعادة.

لم تزل تفاصيل المشهد الذي تحلق فيه كل أفراد العائلة حولنا محفورة في وجداني، وبينما نحن نتقافز إذ به يهمس في أذني بكل حب وفخر وامتنان قائلًا "رفعت راسي ربنا يرفع راسك".

 

أضحك الآن حين يمر شريط الذكريات وتأتي اللقطة التي رددت فيها بكل حدة على المدرس الذي ناداني باسم "سعداوي" فامتعضت بشدة وقلت له "لو سمحت يا أستاذ.. سعداوي مش بيلعب معاك".. شعرت وقتها أنه وطأ أرضًا مقدسة لا يجوز الاقتراب منها بحال.

أضحك لأني الآن أشعر بالسعادة والفخر حين يناديني الزملاء "سعداوي".. وسعدت أكثر عندما قيل لي أكثر من مرة من مقربين أني أشبهه كثيرًا، وبلغت سعادتي ذروتها حين وُصِفت بـ "سعداوي الصغير".

كان - رحمه الله - يعامل كل واحد من أبنائه الخمسة بطريقة مختلفة عن تلك التي يعامل بها أخاه أو أخته، طريقة تناسب كل شخصية وكان الحب والحنان هما القاسم المشترك بين طرق التعامل جميعًا.

لم يكن والدي يملك شخصية صعيدية تقليدية كتلك التي أظهرتها المسلسلات والأعمال الدرامية وإن كان هناك تشابه بينه وبين أي من تلك الشخصيات المعروفة فسيكون أقربها منه شخصية "رفيع بيه" التي جسدها الراحل ممدوح عبد العليم.

اللافت أن ذلك "الصعيدي الحنون" هو الابن الأكبر لجدي "الحاج عوض"، كبير العائلة والبلد، صاحب الكاريزما القوية والطلة المهيبة والحضور الطاغي والكلمات المحسوبة والنظرة الثاقبة المرعبة.  

تربى والدي في "بيت عيلة" له قواعد صارمة وضعها جدي رحمه الله، لكنه حين استقل بأسرته وضع لنا قواعد أخرى يغلب فيها الحب على الشدة، فأسس أسرة ريفية صعيدية بأفكار تقدمية البنت فيها زي الولد.  
 

ورث والدي عن جدي "الكبارة" وفهمها من زاوية المسئولية قبل الامتياز، والحب قبل الرهبة، والجوهر قبل المظهر، والعطاء دون انتظار.

توفي جدي تاركا لابنه الأكبر علاوة على مسؤولية أشقائه الكبار مسؤولية أخرى لزوجة غير أمه وخمسة من الأشقاء أكبرهم في الصف الثاني الإعدادي وأصغرهم كان رضيعًا.. تعهدهم بالرعاية إلى جانب أبنائه الخمسة وكبرنا معًا في كنفه.

حرص أبي على حق البنات قبل البنين فأصر على تعليمهن حتى لو تطلب ذلك سفر الشقيقة الكبرى من المنيا للقاهرة والصغرى لكفر الشيخ.. ولم يسبقه في هذا المنحى أحد من العائلة أو الجيران، ولكنه فعل.

أطعمنا أبي مع الخبز قناعة، وسقانا مع الماء رضًا وامتنانًا، ومرر إلينا جينات الوفرة وحب الخير.. فخرجنا جميعًا "شبعانين على طبليته".. شبعنا حبًا وتقديرًا وحنانًا.

لمعت عيناه وهو يطالع أول خبر سطرته يدي في جريدة الكلية "صوت الجامعة" وكنت قد أضفت "ال" التعريف لاسمه ليصبح "السعداوي" ولكن دون أن ينطق بكلمة قررت أن اسمي سيبقى كما هو "حسام سعداوي" دون أي تعديل.

أردت بذلك التعبير عن الامتنان له عن كل ما قدمه لي، وقلت لنفسي "ماذا كان مطلوبا منه أكثر بعد أن اختار لك اسما مميزًا؟"

الحقيقة أني حتى هنا كنت أرد سابق جميله حين فكر في إعلان مجموع أقل من مجموعي في السنة الأولى من الشهادة الثانوية خوفا من الحسد، ولكنه تراجع حتى لا يحرمني من فرحتي بمجموعي.

كان يسهر حتى الواحدة صباحًا في الشتاء ليرى اسمي يمر على الشاشة لثوانٍ معدودة في "تتر" برنامج "بهدوء" الذي كان يقدمه الأستاذ عماد الدين أديب.

شاركت أبي رحلته سيدة قوية "بنت أكابر".. تربت في بيت عمدة فشربت الكبرياء وهضمت قوانين السياسة والتعامل بالأصول منذ طفولتها وأرضعتنا إياها لبنا سائغا، وغزلت ترابط أسرتنا غزلًا.

حرص أبي على تمرير جينات الكبارة لشقيقي الأكبر "محمد"، وورث الأخير منه القلب الطيب وحب الخير،  وشاركته أنا بعضًا من مسؤولية شقيقي الأصغر "أحمد" ليصبح صحفيًا مميزًا وأبًا رائعًا.

قبل وفاته بأيام وبينما كانت عائلتنا الصغيرة مجتمعة في حضرته، كرر عليه إخوتي السؤال الذي طالما تهرب من الإجابة عليه بشكل واضح: هل تحب حسام أكثر منا؟

كانت المرة الأولى التي يعترف فيها صراحة بذلك ويقول إن بيننا لغة حوار وتفاهم مشتركة أعلى مما يجدها في أي علاقة أخرى.

أخيرًا كشف أبي السر الذي طالما احتفظ به كلانا منعًا لإثارة شيء ما في قلوب باقي إخوتي.

كانت كل معاملات أبي معي تقول لي أنه يحبني ويقدرني ويثق في كثيرًا، ولم أكن بحاجة لاعتراف كلامي بهذا فقد عبر لي بألف طريقة مختلفة في ألف موقف.

مثلما كان مستشاري ومعلمي في الصغر حرصت على أن أكون مستشاره وشريكه ومرآته الصادقة عندما اشتد عودي، لكن القدر لم يكن رحيما بتلك العلاقة المتينة.

 

مثلما عاش أبي خفيفًا صاحب أفضال على الجميع من حوله، رحل سريعًا ولم يترك لأحد فرصة ليرد بعضًا من ديونه، وبقدر ما كان حضوره خفيفًا كان رحيله قاسيًا.

رحل أبي لنشعر جميعًا بغياب الدعم والسند، ولكني شعرت أيضًا بما هو أقسى: شعرت أني فقدت بعضًا من روحي بلا أدنى مبالغة.

غادر شريك رحلتي على مدار ٣٤ عاما هي عمري وقتها.. فارقني صديقي الأقرب تاركًا جرحًا غائرا في جدار روحي لم يزل عصيًا على الالتئام، ومخلفًا فراغًا لن يعوضه أحد ولا يملؤه شيء.

الأقسى من إحساس الفقد هو ذلك الشعور المقيت الذي يتملكني حين يخبرني عقلي أني لن أره مرة أخرى هاهنا.

ثماني سنوات كاملة استغرقها الأمر حتى أستطيع الكتابة عنه، فكلما هممت بذلك من قبل غلبتني دموعي وتبعثرت الحروف وتطايرت الكلمات من ذهني وعجزت عن لملمة مشاعري.

حين أعيد قراءة كلماتي التي أكتبها عنك يا أبي يدهشني حضوري في المشهد، وكأن عقلي يرفض اعتبارنا كيانين منفصلين، لكني أعلم أن هذه الصحبة ستسعدك أنت أيضًا، مثلما كنا دائما نسعد بجوار بعضنا بعضًا.

وختامًا؛ لا أقول لك سلامًا يا "حاج"، ولكن إلى لقاء.

 

تم نسخ الرابط