رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

القمة الأمريكية الصينية اختبار لإعادة ضبط التوازن العالمى

«ترامب» فى بكين زيارة تعيد تشكيل العلاقة بين أكبر قوتين فى العالم

بوابة روز اليوسف

لم تكن لحظة نزول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من طائرته فى مطار بكين مجرد مشهد بروتوكولى معتاد فى العلاقات الدولية؛ بل بدت وكأنها افتتاحية لمَرحلة جديدة فى واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتأثيرًا فى العالم،فزيارة ترامب الحالية إلى الصين، هى الأولى لرئيس أمريكى إلى بكين منذ سنوات طويلة، وتأتى فى توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تتقاطع الحروب التجارية مع الصراعات الجيوسياسية، وتتصاعد المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين إلى مستويات غير مسبوقة.  

 

بينما يواجه ترامب فى الداخل الأمريكى ضغوطا انتخابية متزايدة تدفعه إلى البحث عن إنجاز خارجى يمكن تسويقه للناخب الأمريكى، باعتباره انتصارًا سياسيًا واقتصاديًا.

الصحافة العالمية تعاملت مع الزيارة باعتبارها أكثر من مجرد لقاء ثنائى بين رئيسين، فصحيفة «الجارديان» البريطانية وصفت القمة بأنها «اختبار لإعادة ضبط التوازن العالمى»، بينما رأت «ساوث تشاينا مورنينج بوست» أن ترامب يسعى إلى «استقرار مؤقت» مع الصين، لا إلى إنهاء التنافس معها، أمّا الصحافة الأمريكية فركزت على البعد الانتخابى، معتبرة أن ترامب يحاول الظهور أمام الرأى العام الأمريكى باعتباره الرجل القادر على انتزاع تنازلات من بكين، بعد سنوات من التصعيد الجمركى والتوتر الاقتصادى.

الزيارة الحالية تحمل أبعادًا رمزية شديدة الأهمية، فمنذ سنوات لم يقم رئيس أمريكى بأى زيارة رسمية بهذا الحجم إلى الصين، وهو ما يعكس حجم التوتر الذى سيطر على العلاقات الثنائية خلال الأعوام الماضية.

وبالنظر خلال عهد إدارة بايدن، ورغم وجود قنوات اتصال دبلوماسية؛ فإن العلاقات «الأمريكية- الصينية» بقيت محكومة بمنطق «المنافسة الاستراتيجية»؛ خصوصًا فى ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وسلاسل الإمداد وتايوان. لكن ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بشخصيته الصدامية المعروفة، يبدو أنه يريد الجمع بين الضغط والتفاهم فى آن واحد.

ملفات معقدة

قال رامى إبراهيم، الباحث فى العلاقات الدولية: إن زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين، تأتى فى وقت بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ بل أيضًا بسبب الحرب التجارية والاقتصادية بين واشنطن وبكين، وعملية التحول التى يشهدها النظام الدولى من النظام الأحادى القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، ومن ضمن هذه الأقطاب الصاعدة الصين وروسيا وريثة الاتحاد السوفيتى.

وأضاف الباحث فى العلاقات الدولية لـ«روزاليوسف»: إن عملية الصراع التى يشهدها العالم بسبب التحولات فى النظام الدولى تحتدم يومًا بعد يوم، وهناك تخوفات كبيرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية من الصعود الاقتصادى الصينى وتوغله اقتصاديًا فى العديد من المناطق والأقاليم حول العالم.

 ورغم أن الصين تأتى فى المرتبة الثانية بقيمة تتجاوز 19 تريليون دولار كحجم للناتج المحلى الإجمالى، بعد أمريكا التى يبلغ الناتج المحلى الإجمالى لها نحو 30 تريليون دولار أمريكى؛ فإنه من الناحية التجارية تحقق الصين فائضًا فى الميزان التجارى، بينما تحقق الولايات المتحدة الأمريكية عجزًا فى ميزانها التجارى.

 التعاون الاقتصادى

أوضح رامى إبراهيم، أن الأجندة الأمريكية حافلة بالملفات والقضايا العالقة بين البلدين وحالة الصراع والتنافس بينهما؛ حيث حملت العديد من الملفات، على رأسها ملفات التعاون الاقتصادى؛ إذ ذهب الرئيس الأمريكى ويرافقه وفد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين فى مختلف المجالات، وذلك فى إطار محاولة احتواء النفوذ الاقتصادى الصينى والدخول معها فى شراكات تجارية واقتصادية، ستستفيد منها الولايات المتحدة الأمريكية فى تقليل حجم العجز فى الميزان التجارى مع الصين.

وتوقع رامى إبراهيم، أن التقارير المتداولة عن إنشاء «مجلس تجارة» أمريكى صينى قد يُسهم فى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية؛ حيث من المتوقع أن يتضمن إعادة هيكلة العلاقة بين البلدين فى تحديد أنواع السلع وحصص كل دولة، وأيضًا تشكيل مبادرات تعاون استثمارى بين الشركات الأمريكية والصينية، مع وضع «خطوط حمراء» للذكاء الاصطناعى بشأن السلوكيات الخطيرة.

صفقات أمريكية 

قال الباحث فى العلاقات الدولية: إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ذهب ومعه صفقات يريد توقيعها مع الصين فى مجالات مختلفة، بما فيها المنتجات الزراعية والطاقة والتكنولوجيا وغيرها، بما فى ذلك الطائرات، وتأتى هذه التحركات لتعزيز التعاون ورغبة الصين فى تخفيف القيود والعقوبات الأمريكية المفروضة على العديد من شركاتها، وبخاصة القيود المفروضة على الرقائق الإلكترونية والمعادن الحرجة التى تدخل فى الصناعات الدفاعية والصاروخية وغيرها.

 الملف الإيرانى

وحول ملف الأزمة الإيرانية، رأى الباحث فى العلاقات الدولية، أن له أولوية فى أجندة الرئيس الأمريكى، خصوصًا أن تقارير أمريكية تُشير إلى أن الشركات الصينية تلتف على العقوبات المفروضة على إيران، وتستخدم شبكات مالية فى هونغ كونغ لتحويل عائدات النفط الإيرانى وشراء التكنولوجيا والمعدات التى يستفيد منها الحرس الثورى الإيرانى، ما يسمح لطهران بمواصلة تمويل أنشطتها العسكرية ووكلائها فى المنطقة.

 الاقتصاد العالمى

الملف الاقتصادى يأتى على رأس أولويات الزيارة، فالحرب التجارية التى بدأها ترامب خلال ولايته الأولى لم تنتهِ فعليًا؛ بل تحولت إلى حالة مزمنة داخل الاقتصاد العالمى، الرسوم الجمركية المتبادلة بين البلدين أثرت على الأسواق العالمية، وأعادت تشكيل سلاسل التوريد الدولية، كما دفعت الشركات الأمريكية إلى إعادة التفكير فى اعتمادها الكبير على الصناعة الصينية.

ورغم أن ترامب استخدم سابقًا خطابًا حادًا ضد بكين، متهمًا الصين بسرقة الوظائف الأمريكية والتلاعب بالعملة؛ فإن الواقع الاقتصادى اليوم يبدو أكثر تعقيدًا.

فالإدارة الأمريكية تُدرك أن فك الارتباط الكامل مع الاقتصاد الصينى شبه مستحيل؛ خصوصًا مع اعتماد قطاعات أمريكية ضخمة على السوق الصينية، سواء فى التصنيع أو التصدير أو التكنولوجيا، ولهذا السبب تبدو الزيارة محاولة لإدارة الصراع وليس إنهائه.

 اتفاقات ضخمة

الصحف الاقتصادية الغربية ركزت على احتمال توقيع اتفاقات ضخمة خلال الزيارة، من بينها صفقات مرتبطة بالطيران والتكنولوجيا والطاقة، بعض التقارير تحدثت عن إمكانية الإعلان عن تفاهمات تتعلق بالرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعى، وهى الملفات التى أصبحت تمثل جوهر الصراع بين القوتين.

فالولايات المتحدة تنظر إلى الهيمنة الصينية المتزايدة فى التكنولوجيا باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمكانتها العالمية.

ومنذ سنوات، فرضت واشنطن قيودًا على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، كما مارست ضغوطًا على شركات عالمية لمنع نقل التكنولوجيا الحساسة إلى بكين، وفى المقابل ضخت الصين استثمارات هائلة لتحقيق الاكتفاء الذاتى التكنولوجى وتقليل اعتمادها على الغرب.

 مواجهة تكنولوجية 

هذه المواجهة التكنولوجية تجعل زيارة ترامب مختلفة عن أى زيارة سابقة، فالصراع لم يعد فقط حول الميزان التجارى أو الرسوم الجمركية؛ بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمستقبل النفوذ العالمى.

 الصحافة الصينية

تحدثت الصحف فى الصين، عن رغبة بكين فى انتزاع ضمانات أمريكية بعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» فى مضيق تايوان؛ خصوصًا مع تصاعد التعاون العسكرى بين واشنطن وتايبيه خلال السنوات الماضية.

ولكن ترامب يجد نفسه فى موقف معَقّد؛ فمن جهة؛ لا يستطيع الظهور بمظهر المتساهل أمام الصين؛ لأن ذلك قد يُستخدم ضده داخليًا من قبل خصومه السياسيين. ومن جهة أخرى؛ يُدرك أن أى تصعيد كبير فى ملف تايوان يقود إلى مواجهة عسكرية كارثية بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين فى العالم.

وتشير تحليلات غربية إلى أن ترامب يحاول استخدام ورقة تايوان كورقة تفاوضية؛ بحيث يقدم تهدئة نسبية فى الملف مقابل مكاسب اقتصادية وتجارية من الصين. 

هذا الأسلوب يتماشى مع شخصية ترامب السياسية، التى تعتمد على «الصفقات» أكثر من اعتمادها على التحالفات التقليدية أو الرؤى الأيديولوجية.

 الحرب الإيرانية

لكن تايوان ليست الملف الجيوسياسى الوحيد المطروح على الطاولة، فالحرب فى الشرق الأوسط؛ خصوصًا التصعيد المرتبط بإيران، أصبحت جزءًا أساسيًا من الحوار «الأمريكى- الصينى».

 واشنطن تريد من بكين ممارسة ضغوط على طهران للحفاظ على الاستقرار الإقليمى، وضمان استمرار تدفق الطاقة عبر الممرات البحرية الدولية.

وفى المقابل؛ تحاول الصين استغلال هذه اللحظة لتقديم نفسها باعتبارها قوة دولية مسئولة قادرة على لعب دور الوسيط وصانع التوازنات. 

 الانتخابات الأمريكية 

تظهر الضغوط الانتخابية باعتبارها أحد أهم مفاتيح فهم الزيارة، فترامب يستعد لمعركة سياسية صعبة فى الداخل الأمريكى؛ حيث يواجه انتقادات تتعلق بالاقتصاد والسياسة الخارجية.

ولذلك؛ يحتاج إلى تقديم نفسه باعتباره الرئيس الذى يستطيع إعادة الولايات المتحدة إلى موقع القوة والتفوق.

الناخب الأمريكى؛ خصوصًا فى الولايات الصناعية، لا يزال يتأثر بشدة بخطاب الوظائف والتجارة والصناعة الوطنية. وترامب يعرف أن الصين تمثل رمزًا مُهمًا فى هذا الخطاب، فمنذ سنوات، يستخدم ترامب صورة الصين باعتبارها المنافس الذى «استفاد من ضعف الإدارات الأمريكية السابقة».

 

نقلا عن مجلة روز اليوسف

تم نسخ الرابط