الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تساؤلات حول تصدع الميليشيا

انشقاقات «الدعم السريع» هل تعجل بوقف الحرب؟

بوابة روز اليوسف

بعد أكثر من 3 أعوام على الحرب السودانية، تبدو خريطة الصراع مرشحة لتحولات عميقة،  لا تتعلق بالمواجهات العسكرية المباشرة بين الجيش السودانى والدعم السريع فحسب، بل يمتد الصراع إلى داخل بنية الميليشيات نفسها، فى ظل تزايد الانشقاقات وسط قادتها الميدانيين، واحتدام التوترات القبلية والتنظيمية التى ظلت كامنة منذ سنوات.  

 

وتأتى هذه الانشقاقات فى وقت تشهد فيه مناطق مثل «دارفور»، و«كردفان» معارك استنزاف معقدة، بينما يسعى الجيش السودانى إلى فرض الأمن داخل البلاد.

 «الهويرة».. أحدث حلقات الانشقاق

فى أحدث تطور ضمن سلسلة الانشقاقات، برز اسم القائد الميدانى «بشارة الهويرة»، الذى غادر صفوف (الدعم السريع) فى شمال «كردفان»، قبل أن تتكشف تفاصيل انشقاقه بصورة أوسع خلال الساعات الماضية.

واعتبر محللون سياسيون أن انشقاق «الهويرة» يحمل أهمية ميدانية خاصة، نظرًا إلى موقعه فى منطقة «بارا» القريبة من مدينة «الأبيض»، المنطقة الرئيسة للجيش السودانى بولاية شمال «كردفان»، حيث تكتسب منطقة «بارا» أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبارها نقطة تربط غرب «السودان» بشرقه ووسطه، إلى جانب كونها ممرًا حيويًا لحركة الإمداد، والوقود، والمقاتلين بين جبهات القتال المختلفة.

وأفادت تقارير سودانية بأن «الهويرة» انضم إلى الجيش السودانى برفقة قوة تضم ما بين 11 إلى 15 عربة قتالية بكامل عتادها، فى خطوة وصفت بأنها ضربة جديدة للدعم السريع.

 «أبكر مايري».. انشقاق جديد فى «كردفان»

جاء انشقاق «الهويرة»، بعد ساعات قليلة من إعلان مصادر ميدانية سودانية انشقاق القائد «أبكر مايري»، قائد (المجموعة 15) بقطاع «كردفان»، وانضمامه إلى الجيش السودانى بكامل قواته وعتاده العسكري.

وبحسب المعلومات المتداولة، وصل «مايري» إلى مناطق سيطرة الجيش معلنًا القتال تحت راية الدولة والقوات المسلحة السودانية، فى خطوة اعتبرها محللون سياسيون مؤشرًا إضافيًا على اتساع دائرة التململ داخل بعض القطاعات الميدانية التابعة للدعم السريع، خاصة فى «كردفان».

ويكتسب انشقاق «أبكر مايري» أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه داخل قطاع «كردفان»، الذى يمثل أحد أهم محاور القتال الحيوية فى الحرب الحالية، كما يأتى فى توقيت تشهد فيه المنطقة ضغوطًا عسكرية متزايدة على قوات (الدعم السريع).

 كيف بدأت سلسلة الانشقاقات؟

شهد الدعم السريع خلال الأشهر الماضية موجة متلاحقة من الانشقاقات، بدأت بصورة لافتة منذ أواخر عام 2024 مع خروج «أبو عاقلة كيكل»، قائد (قوات درع السودان)، الذى كان من أوائل القادة البارزين الذين غادروا صفوف الميليشيا، وانضموا إلى الجيش السوداني.

ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الانشقاقات لتشمل قيادات ميدانية أخرى ذات ثقل عسكرى وقبلى، الأمر الذى عزز الحديث عن وجود أزمة داخلية تتجاوز الخلافات الفردية أو التحركات المحدودة.

وفى إبريل الماضى، أعلن اللواء النور أحمد آدم المعروف باسم «النور القُبة»، انشقاقه عن الدعم السريع، موجهًا انتقادات مباشرة لقيادة القوات، ومتهمًا إياها بغياب العدالة فى توزيع القيادة والموارد، إلى جانب تفاقم التهميش داخل صفوفها.

وأثار انشقاقه اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية، ليس فقط بسبب موقعه العسكرى، وإنما -أيضًا- لانتمائه إلى عشيرة «المحاميد»، أحد أبرز بطون قبيلة الرزيقات العربية فى «دارفور»، وهى القبيلة التى تمثل العمود الاجتماعى والقبلى الأبرز للدعم السريع.

وبعد أسابيع قليلة، جاء الإعلان الأبرز بانشقاق القائد الميدانى على رزق الله، المعروف بمسمى «السافنا»، الذى كان ضمن أهم القادة العسكريين داخل الدعم السريع وأكثرهم نفوذًا فى جبهات «دارفور، وكردفان».

وجاء انشقاقه بعد فترة من الجدل والتكهنات حول مصيره، عقب تداول معلومات عن مغادرته جبهات القتال متوجهًا إلى «أوغندا»، ومنها إلى «الهند» لتلقى العلاج. 

ورغم ظهوره فى تسجيل مصور سابق نافيًا أنباء انشقاقه، فإنه عاد لاحقًا ليعلن خروجه رسميًا من (الدعم السريع) عبر تسجيل مصور.

 

 

«مستريحة».. نقطة التحول الكبرى

ترتبط غالبية الانشقاقات الأخيرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتوترات القبلية المتصاعدة داخل الدعم السريع، خاصة بعد الهجوم الذى شنه على منطقة «مستريحة» فى شمال «دارفور» خلال فبراير الماضي.

وتعد «مستريحة» المعقل التاريخى لعشيرة «المحاميد»، كما تمثل مركز النفوذ التقليدى للزعيم القبلى موسى هلال، القائد السابق للقوات التى شكلت –لاحقًا- النواة الأولى للدعم السريع.

وأثار الهجوم على المنطقة غضبًا واسعًا وسط قيادات «المحاميد» داخل الدعم السريع، خاصة بعد ما رافقه من عمليات قتل، ونهب، وتدمير، إلى جانب مقتل أحد أبناء «موسى هلال»، ما دفع الأخير إلى مغادرة المنطقة باتجاه مناطق سيطرة الجيش السوداني.

وأشارت تقارير سودانية إلى أن الهجوم على «مستريحة» مثل نقطة تحول مفصلية داخل بنية الدعم السريع، بعدما اعتبرته مجموعات قبلية نافذة استهدافًا مباشرًا لبيت الزعامة التقليدية للمحاميد، ومحاولة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل القبيلة.

 أزمة داخلية وضغوط خارجية

قال السفير الدكتور صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية لمجلة «روزاليوسف»، إن الانقسامات الأخيرة التى يشهدها الدعم السريع تعود إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتشابكة.

وأوضح أن الأسباب الداخلية ترتبط بطبيعة تكوين الدعم السريع نفسه، باعتباره يعتمد على تشكيلات وميليشيات تضم أعدادًا من المرتزقة الذين تحركهم الدوافع المادية أكثر من الارتباط بفكرة أو مشروع سياسى واضح، وهو ما أدى -مع الوقت- إلى ظهور انشقاقات وتصدعات داخلية؛ مضيفًا أن القوات المسلحة السودانية والنظام القائم يكتسبان -فى المقابل- شعبية متزايدة داخل السودان، الأمر الذى ينعكس على توازنات الصراع.

ثم أكد حليمة أن التطورات الإقليمية والدولية تلعب –أيضًا- دورًا مؤثرًا فى المشهد السوداني؛ لافتًا إلى التوترات الأخيرة فى منطقة «الشرق الأوسط»، خاصة ما يتعلق بأزمة «إيران» ومنطقة «الخليج»، التى ألقت بظلالها على الأوضاع فى «السودان»، من وجهة نظره.

 

وشدد –فى هذا السياق- على وجود تغيرًا فى رؤية بعض القوى الخارجية تجاه القوات المسلحة السودانية بصورة إيجابية؛ موضحًا أن بعض الدول كانت تنظر فى السابق إلى طرفى الصراع باعتبارهما على قدم المساواة، إلا أن هذه النظرة بدأت تتراجع تدريجيًا لصالح القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة العسكرية الوطنية الرسمية فى البلاد.

كما رجح أن بدء موجة الانشقاقات داخل الدعم السريع قد يفتح الباب أمام انشقاقات أخرى خلال الفترة المقبلة؛ فى ظل تراجع قوته، ووزنه، وتأثيره على الأرض، لافتًا –فى الوقت ذاته- إلى أن عملية استقطاب وتجنيد عناصر جديدة أصبحت أكثر صعوبة وكلفة من الناحية المالية؛ مضيفًا أنها لن تحقق التأثير نفسه الذى كانت تحققه فى السابق، خاصة وسط الضغوط الدولية المتزايدة التى يواجهها الدعم السريع، فى ظل اتهامات دولية، تتعلق بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وأعمال إبادة جماعية، فضلًا عن التسبب فى موجات نزوح ولجوء واسعة، وتدمير للبنية التحتية.

 تداعيات وخيمة على الدعم السريع

أكد الدكتور رمضان قرنى الخبير فى الشئون الإفريقية لمجلة «روزاليوسف»، أن انشقاقات القيادات الميدانية بالدعم السريع، خاصة بعد إعلان القادة البارزين «السافنا»، و«بشارة الهويرة»، و«النور القبة»، عقب انضمام القيادى البارز «أبوعاقة كيكل» للجيش عام 2024، تشير إلى جملة من المؤشرات الاستراتيجية، من بينها: أن هذه الانشقاقات ستلقى بظلالها على تماسك الدعم السريع من الناحية البنيوية من جانب، وإضعاف الروح المعنوية -وهو الأهم- من جانب آخر.

كما أضاف أن انشقاق قيادات الدعم السريع يؤشر إلى دلالة سياسية وقانونية مهمة؛ تتعلق بأن الباب مفتوح لعودة القيادات العسكرية التى تتخلى عن الدعم السريع؛ موضحًا أنه رغم وجود دعوات للمحاسبة على الجرائم المرتكبة، إلا أن التطورات العسكرية والميدانية، يبدو أنها كانت لها الكلمة العليا على الأبعاد القانونية.

أما من الناحية السياسية، فقال قرني؛ إن الحديث عن مستقبل الدعم السريع ككيان سابق لأوانه فى ضوء هذه الانشقاقات؛ مؤكدًا أن التأثير الأبرز لهذه الانشقاقات، يتمثل فى إضعاف تماسك الدعم السريع، والأهم –من وجهة نظره- هو تصاعد الشكوك بشأن ولاءات بعض القيادات، واحتمالات تكرار سيناريو الانشقاق مستقبلًا، فى ضوء الاعتبارات القبلية، وهى متغيرات –اعتبرها- تصب لصالح الجيش السودانى من الناحية العسكرية والسياسية.

فى النهاية، يمكن القول إنه مع تصاعد الانشقاقات داخل الدعم السريع، تتزايد الشكوك حول مستقبل تماسكه فى ظل الضغوط العسكرية والقبلية والإقليمية المتزايدة؛ فما تشهده الميليشيا اليوم يعكس طبيعة التكوين الذى قام منذ البداية على تحالفات هشة ومصالح متغيرة، ما جعلها أكثر عرضة للتفكك مع طول أمد الحرب، ليبقى المشهد السودانى مفتوحًا على مزيد من التحولات خلال الفترة المقبلة، فى تأكيد واضح على أن ما بُنى على باطل فهو باطل. 

نقلا عن مجلة روز اليوسف

تم نسخ الرابط