الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

شراكات مع القاهرة ونيروبى ترسم خريطة وجود باريس بالقارة

لماذا غيرت فرنسا من استراتيجيتها تجاه إفريقيا؟

بوابة روز اليوسف

لأول مرة تعقد القمة «الفرنسية-الإفريقية»؛ فى دولة غير ناطقة بالفرنسية؛ لتصبح نيروبى عاصمة كينيا مسرحًا لمرحلة جديدة من العلاقات بين باريس والقارة السمراء؛ هذا التحول لا يعتبر فقط تحولا جغرافيا؛ بل تحول استراتيجى يعكس إفريقيا الجديدة التى تسعى إلى تجاوز   إرث الاستعمار؛ نحو شراكة حقيقية تقوم على التنمية والاستثمار المتوازن.  

 

 

    إفريقيا التى تتطلع إلى أن تكون شريكًا فاعلًا؛ لا مجرد متلقٍ للمساعدات؛ وإفريقيا التى تكتب العلاقة مع فرنسا وأوروبا بلغة المصالح المشتركة؛ وترفض أن تبقى فناء خلفيا لأى اقتصاد آخر.  

 وفود رفيعة المستوى

شهدت نيروبى حضورا واسعا ورفيع المستوى فى قمة «أفريقيا إلى الأمام 2026» حيث توافد رؤساء دول وحكومات وقادة سياسيون واقتصاديون بارزون؛ ما منح القمة ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق.

 وشارك فى القمة كبار المستثمرين ورجال الأعمال أهمهم أليكو دانغوت أغنى رجل فى إفريقيا؛ الذى حضر لبحث فرص الاستثمار الصناعى والتجارى،  كما ضمت القمة ممثلين عن شركات فرنسية وأفريقية كبرى فى قطاعات مهمة ومختلفة؛ ما جعل القمة تبدو وكأنها منصة تجمع بين القرار السياسى ورأس المال الاقتصادي؛ فى محاولة لإعادة صياغة العلاقة الإفريقية الفرنسية على أسس جديدة أكثر توازنًا. 

 محاور القمة 

تركزت مناقشات القمة على كيفية جذب الاستثمارات إلى قطاعات حيوية؛ مثل التصنيع  والطاقة  والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجيستية؛ مع التشديد على ضمان بقاء القيمة الاقتصادية داخل القارة.

وتناولت القمة قضايا إصلاح النظام المالى الدولي؛ لتخفيف أعباء الديون وسبل مواكبة التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى فى التعليم والصناعة؛ إضافة إلى تعزيز الطاقة الخضراء والاقتصاد الأزرق والزراعة المستدامة؛ ولم تغفل القمة البعد الإنسانى عبر إدراج قضايا الأمن الغذائى والصحة ضمن أولوياتها؛ مؤكدة التحول من خطاب المساعدات التقليدى إلى خطاب الشراكة والتنمية المتوازنة.

وانعقدت القمة على مدى يومين ضمن مسارين متكاملين؛ حمل كل منهما طابعًا مختلفًا؛ لكنه متداخل فى أهدافه اليوم الأول بعنوان الإلهام والتواصل.

 

 دبلوماسية القمة

المشاركة المصرية رفيعة المستوى فى القمة طرحت مجموعة من المبادرات والرؤى لمواجهة التحديات الإفريقية.. وفى هذا الإطار أكد الدكتور رمضان قرنى الخبير فى الشئون الإفريقية؛ أن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القمة الإفريقية الأخيرة؛ لم تكن مجرد حضور بروتوكولي؛ بل تجسيد لنهج راسخ فى السياسة المصرية يقوم على إعلاء دبلوماسية القمة؛ وضمان حضور القيادة المصرية فى المحافل الإقليمية والدولية؛ هذا الحضور يعكس حقيقة أن إفريقيا باتت تتصدر دوائر السياسة الخارجية المصرية.

وأشار إلى إن خطاب الرئيس أمام القمة؛ لم يكن تعبيرًا عن الموقف المصرى فقط؛ وإنما جاء بلسان إفريقيا والدول النامية مجتمعة خاصة عند تناوله التأثيرات الخطيرة للتطورات؛ والحروب فى الشرق الأوسط على دول الجنوب العالمى فى مجالى الطاقة والغذاء.

الطرح المصرى شمل أيضًا  التحديات المرتبطة بإصلاح هيكل النظام المالى العالمي؛ وما يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على القارة خصوصًا فيما يتعلق بالتغيرات المناخية؛ وأزمة الديون السيادية التى تمثل عبئًا كبيرًا على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم؛ وهما الركيزتان الأساسيتان لأى عملية تنموية فى إفريقيا.

 وأضاف قرنى: إن القاهرة أطلقت جرس إنذار مهما؛ مفاده أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون سلام؛ ولا سلام يمكن أن يستمر دون تنمية؛ فالأمن والسلم فى القارة هما المفتاح الحقيقى للتنمية المستدامة.

وجسدت مصر هذه الرؤية عبر أدوات متعددة من مكافحة الإرهاب إلى الدعوة لإعادة الإعمار والتنمية؛ فى مرحلة ما بعد النزاعات؛ فضلًا عن استضافة مركز الاتحاد الإفريقى لإعادة الإعمار والتنمية.

 وأكد قرني؛ أن الرؤية المصرية ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسية الأمن والتنمية ومعالجة أزمة الديون؛ برؤية تنموية من خلال مبادرات مثل مبادلة الديون بمشروعات تنموية تحقق عائدًا مشتركًا للدول الإفريقية والشركاء الدوليين؛ وهو طرح لاقى صدى واسعًا فى مناقشات القمة وبين الدعوات الإفريقية المختلفة.

 إفريقيا لاعب رئيسى 

اختتم قرنى تصريحه بالتأكيد على أن هذه القمة وضعت إفريقيا على قائمة اللاعبين الرئيسيين فى إدارة العلاقات الدولية؛ حيث وقع الاتحاد الإفريقى بالفعل على شراكات استراتيجية مع 12 قوة دولية كبرى؛ من بينها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والصين والهند وروسيا وفرنسا وبريطانيا؛ هذا التعدد فى الشراكات يعكس أن القارة باتت عنصراً أساسياً فى التوازنات الدولية؛ وأن القوى الكبرى تتسابق لتعميق حضورها فى إفريقيا؛ بالإضافة إلى أن القمة الفرنسية الإفريقية؛ جاءت قبل قمتين مهمتين قمة مجموعة السبع التى تستضيفها فرنسا؛ حيث إفريقيا أحد المدعوين الرئيسيين؛ والقمة الهندية الإفريقية؛ التى تركز على التعاون فى مجالات البنية التحتية والطاقة والذكاء الاصطناعي؛ ما اعتبر مرحلة جديدة من العمل الدولى المرتبط بأهمية إفريقيا فى العلاقات الراهنة. 

 

 ماكرون الوجه الجديد لفرنسا 

قدم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون؛ صورة مختلفة لفرنسا عن أسلافه؛ إذ شدد على أن العلاقة مع القارة الأفريقية يجب أن تقوم على شراكة متكافئة لا على منطق الهيمنة أو الاستغلال؛ مؤكداً أن فرنسا ليست هناك فقط لتستثمر بل تحتاج أيضاً إلى قادة الأعمال الأفارقة ليأتوا ويستثمروا فى فرنسا؛ فى محاولة لتوسيع شراكات باريس وإبرام صفقات جديدة؛ وسط تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا وتراجع نفوذها فى مستعمراتها السابقة فى أفريقيا خصوصاً فى دول الغرب الأفريقي؛ ما عكس تحولاً جذرياً فى نظرة باريس لعلاقاتها مع القارة؛ حيث أقر ماكرون بأن أفريقيا لديها أجندتها الخاصة؛ وأنه لا ينبغى النظر إليها كمجرد مصدر للمواد الخام فقط إنما كقارة لها احتياجاتها وأهدافها. 

يرى المحللون؛ أن ماكرون يعيد صياغة الحضور الفرنسى فى القارة الإفريقية؛ عبر إعادة التموضع الاستراتيجي؛ حيث لم تعد فرنسا تعتمد بشكل أساسى على النفوذ العسكري؛ الذى كان يمثل ركيزة سياستها التقليدية بل بدأت تتحول تدريجيًا نحو أدوات أكثر نعومة ومرونة.

 صوت العدالة الدولية

أضافت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش؛ بعداً سياسياً بالغ الأهمية إلى القمة؛ حين شدد على أن النظام العالمى الراهن؛ صيغ تاريخياً من دون مشاركة الأفارقة ولا يزال يعمل إلى حد كبير من دونهم.

 وأكد أن الوقت قد حان لتحقيق العدالة عبر منح القارة الإفريقية عضوية دائمة فى مجلس الأمن؛ إلى جانب إرساء عدالة مالية ومناخية تعالج التحديات التى تواجهها الدول الإفريقية.

 وفى خطابه؛ انتقد جوتيريش بشدة استغلال موارد إفريقيا لعقود طويلة لصالح الآخرين؛ داعياً إلى تعزيز التصنيع المحلى ومعالجة الموارد داخل القارة بدلاً من تصديرها خاماً؛ ما عكس إدراكاً متزايداً بأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا امتلكت إفريقيا القدرة على التحكم فى مواردها وتوظيفها لصالح شعوبها أولًا؛ ورغم انتقاده للنظام العالمي؛ أشاد جوتيريش بالدور القيادى الذى تلعبه إفريقيا فى الدفع نحو إصلاح التمويل العالمي؛ وسياسات المناخ والحوكمة الدولية.

 وأوضح أن القارة لم تعد على هامش النظام الدولي؛ بل تسعى لتكون شريكاً فاعلاً فى صياغة مستقبله؛ من خلال مبادرات مثل مبادلة الديون بالمناخ؛ والدفع باتجاه عدالة فى توزيع الأعباء والمسئوليات.

 وتعد تصريحات الأمين العام بصفته رأس أكبر منظمة دولية دعماً سياسياً ومعنوياً كبيراً لطموحات إفريقيا؛ سواء فيما يتعلق بإصلاح هيكل النظام المالى العالمي؛ أو العدالة المناخية أو على المستوى السياسي؛ عبر المطالبة بمقعد دائم للقارة فى مجلس الأمن؛ ما يفتح الباب أمام حشد دبلوماسى إفريقى قوى بالتعاون مع الشركاء الدوليين؛ بما يمكن أن يعود بالفائدة على القارة ويعزز موقعها فى التوازنات العالمية.  

 حزمة استثمارية ضخمة 

أعلن خلال القمة عن أكبر حزمة استثمارية منفردة تتعهد بها فرنسا للقارة الإفريقية بقيمة 23 مليار يورو، ما يعادل 27 مليار دولار أمريكي؛ لتصبح المحور المالى الأبرز للقمة هذه الحزمة غير المسبوقة؛ توزعت بين 14 مليار يورو من كيانات فرنسية عامة وخاصة؛ و9 مليارات يورو من مستثمرين أفارقة؛ مع توجيه الأموال نحو قطاعات استراتيجية مثل التحول فى مجال الطاقة والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعى والاقتصاد البحرى والزراعة.

 الآثار المنهوبة 

ركزت القمة على إعادة الأعمال الفنية المنهوبة؛ والتى لم تعد خياراً بل مسار لا رجعة فيه؛ خاصة بعد أن صادق البرلمان الفرنسى الأسبوع الماضى على قانون تاريخى يتيح للحكومة إعادة القطع الأثرية الأفريقية؛ والتى استحوذت عليها فرنسا بين عامى 1815 و1972 عبر مرسوم إدارى مباشر بدلاً من الحاجة إلى قانون خاص لكل قطعة كما كان معمولاً به سابقاً؛ وهو ما يزيل عقبة قانونية عطلت الاسترداد لعقود طويلة؛ ويلزم القانون باستشارة لجان علمية وبرلمانية قبل أى قرار؛ كما يضمن أن القطع المملوكة لكيانات عامة غير الدولة لا تعاد إلا بموافقة تلك الكيانات؛ ليشكل بذلك إطاراً شاملاً يعكس رغبة فرنسا فى الاعتراف بماضيها الاستعمارى وفتح صفحة جديدة مع إفريقيا.  

نقلا عن مجلة روز اليوسف

 

تم نسخ الرابط