الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

دورة غائبة وأسئلة بلا إجابات

رحلة البحث عن مهرجان الإسماعيلية

بوابة روز اليوسف

عندما مر موعد الدورة السابعة والعشرين من (مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة) دون أن تقام، تزايدت حدة التساؤلات حول مصير أحد أهم مهرجانات السينما النوعية فى العالم العربى، وفى ظل حالة الغموض التى أحاطت بالموضوع، كان من الطبيعى أن يشعر السينمائيون بالقلق على مهرجان يمثل منصة رئيسية لعرض الأفلام التسجيلية والقصيرة فى مصر، ولطالما كان له دور مهم فى تشكيل وعى أجيال من صناع الأفلام والجمهور على حد سواء، حيث فتح لهم مبكرًا نافذة على التجارب السينمائية العالمية.

 

لم يكن القلق متعلقًا فقط بدورة لم تتم فى موعدها، بقدر ما ارتبط بالخوف من تآكل تدريجى فى استقرار مهرجان ظن جمهوره أنه بات محصنًا بتاريخ طويل من النجاحات، ومن هنا اتجهت الأنظار نحو رئيس المركز القومى للسينما الدكتور «أحمد صالح» بحثًا عن تفسير لهذا الغياب، الذى خرج عن صمته فى تصريحات صحفية، أكد خلالها أن الدورة الأخيرة من المهرجان -والتى عقدت قبل توليه مسئولية المركز- شهدت مخالفات جسيمة، وصلت بحسب تصريحاته إلى حد التحقيق فيها داخل النيابة الإدارية، وهو ما أدى إلى تعطيل الإجراءات الخاصة بالدورة الجديدة.

ورغم ما حملته هذه التصريحات من رسائل طمأنة بشأن عدم إلغاء المهرجان، إلا أنها فتحت الباب أمام أسئلة أكثر عمقًا تكشف حجم الأزمة، فما الذى جرى فى الدورة التى تولت مسئوليتها المخرجة «هالة جلال» والتى أصطلح على تسميتها داخل الوسط السينمائى بـ«الدورة الأزمة»؟ وما  طبيعة الوقائع التى وصلت إلى أروقة النيابة الإدارية ولا تزال مطروحة أمام جهات التحقيق؟ والأهم من هذا كله، هل هناك إرادة حقيقية لإعادة بناء المهرجان على أسس واضحة واستعادة ثقة الوسط السينمائى فيه بعد هذا القدر من التخبط؟

 

 مستحقات معلقة

من داخل المركز القومى للسينما، تحدث عدد من العاملين بالمركز لـ«روز اليوسف» عن حالة ارتباك واسعة صاحبت الدورة السادسة والعشرين من مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة، مؤكدين أن الأزمة لم تتوقف عند حدود التنظيم، بل امتدت إلى ملفات مالية وإدارية معقدة لا تزال آثارها مستمرة حتى الآن.

ووفقًا لهذه المصادر، فإن مستحقات الدورة لم يتم تسويتها حتى اللحظة، كمصاريف النقل، ومكافآت ما يقرب من مئة موظف من العاملين فى المركز، والذين ينتظر كثير منهم هذه المكافآت من عام إلى آخر باعتبارها موردًا مهمًا لهم، بالإضافة إلى جوائز الفائزين الأجانب فى المهرجان التى لم تُسلَّم لهم حتى الآن، لأن رئيسة المهرجان لم تعط المسئولين عن تسليم الجوائز وسيلة تواصل بالفائزين!

أما مستحقات الفندق الذى استضاف ضيوف المهرجان، فقد تم تسديدها يوم الأربعاء قبل الماضى، بعد مرور عام وثلاثة أشهر على انتهاء الدورة واستحقاق التسديد، وقد حدث ذلك بعد مطالبات عدة من الفندق بضرورة تسديد مستحقات تسكين الضيوف للدورة الماضية، مما أدى إلى تدخل مباشر من وزارة الثقافة، حيث وصل إلى المركز إخطار من الوزارة يفيد بضرورة تسديد مستحقات الفندق على أن يتم الرجوع على المتسببين بالأضرار المالية بعد انتهاء تحقيقات النيابة الإدارية بموافقة السلطة المختصة.

 أوراق بلا توقيع

وتشير المصادر إلى أن الأزمة لا تتعلق بعجز مالى بقدر ما ترتبط بتعطل استكمال بعض المستندات والإجراءات الإدارية، بسبب رفض المخرجة «هالة جلال» رئيسة المهرجان السابقة التوقيع على عدد من الكشوف والأوراق الخاصة بالإقامة والسفر والمستحقات المالية للعاملين بالمهرجان.

وبحسب الرواية المتداولة داخل المركز، فإن الخلافات تصاعدت حول مسئؤلية اعتماد بعض الكشوف، لا سيما الخاصة بتسكين الصحفيين والنقاد المشاركين فى التغطية الإعلامية للمهرجان، فقد وافقت رئيسة المهرجان على القائمة النهائية للصحفيين والنقاد، بعد تعديلها وإضافة بعد الأسماء المجهولة من قبل القائمين على المركز الإعلامى للمهرجان، حيث لم يسبق لهم تغطية أنشطة المركز من قبل، لكنها عقب انتهاء الدورة، رفضت التوقيع على الكشف النهائى الذى يضم أسماء المدعوين، وطالبت الموظفة المسئؤلة عن المركز الصحفى للمهرجان بالتوقيع بدلا منها، وهو ما رفضته الموظفة باعتبار أن الأمر ليس من اختصاصها مما تسبب فى تجميد الموقف وانعكس بشكل مباشر على إنهاء التعاقدات وتسوية المستحقات المالية المتأخرة للفندق حتى تدخلت وزارة الثقافة وأنهت الأزمة بشكل استثنائى عن طريق الإخطار الذى يلزم المركز بالسداد ومحاسبة المسئول فيما بعد!

 

 جدل الرعاة

لم تقتصر الأزمة على هذه الأمور، فقد أثارت بعض التفاصيل المرتبطة بالرعاة والداعمين حالة من الجدل داخل المركز، خاصة فى ظل حديث عن غياب تعاقدات مكتوبة وواضحة لبعض هؤلاء الرعاة، ولا سيما الذين يمثلون جهات غير حكومية، وبالنظر إلى جميع المطبوعات والبوستر الرسمى للدورة سنجد حوالى 45 شعار ًا للجهات الراعية للمهرجان، من المفترض أن جميعهم قدموا دعما لوجستيا أو ماديًا للمهرجان، بعضها جهات حكومية أو جهات تعاقدت مع المركز مثل (العلاقات الثقافية الخارجية، وزارة الشباب، التعليم العالى، معهد جوتة) أما بقية الجهات، فقد تم وضع أسماؤهم ومشاركتهم فى المهرجان دون علم المركز بتفاصيل هذه المشاركة فلا يعلم المسئولون شكل الرعاية التى قدموها سواء لوجستية أو مادية، لأن الأمر تم بشكل مباشر بين رئيسة المهرجان وبين هذه الجهات دون أن يكون المركز طرفًا فى ذلك، وهو ما دفع المسئولين فى المركز إلى وضع الأمر كله بين يدى النيابة الإدارية.

وفى خضم هذه التعقيدات، باتت الأزمة وفق روايات العاملين أكبر من مجرد تأجيل دورة جديدة، وفى ظل إصرار رئيسة المهرجان السابقة على عدم إتمام الإجراءات المطلوبة للصرف، واستمرار جهات التحقيق فى فحص عدد من الوقائع المرتبطة بالدورة الأخيرة، فقد أعيدت الميزانية المخصصة للمهرجان من قبل وزارة المالية إلى الوزارة مع انتهاء السنة المالية فى شهر يوليو الماضى، ونظرا لوجود مستحقات تتعلق بالدورة الماضية لا بد من سدادها فقد تم الإنفاق من الميزانية الجديدة لحل أزمات الدورة الأخيرة!

 حق الرد

وإعمالا بالمهنية كان لابد من التواصل مع المخرجة «هالة جلال» لسؤالها عما جرى فى الدورة الماضية، وعن سبب رفضها التوقيع وإنهاء المتعلقات المالية والإدارية للدورة التى تولت مسئوليتها، خاصة بعد إعلانها عبر تعليق لها على «الفيسبوك» إنها الوحيدة التى لم تتقاض مستحقاتها المالية من المهرجان والتى (تقدر بنحو مئة ألف جنيه نظير رئاستها للدورة)، وهو ما أثار استياء عدد من العاملين بالمهرجان، الذين يؤكدون أنهم أيضا لم يحصلوا على مستحقاتهم حتى الآن، إلا أنها وللأسف لم تستجب لمحاولات «روز اليوسف» للتواصل معها، ولم ترغب فى الإدلاء بأى تصريحات، ومع ذلك فيظل حق الرد مكفول لها متى رغبت ذلك.

 ما بعد الأزمة

من جانبه رفض الدكتور «أحمد صالح» رئيس المركز القومى للسينما التعليق على أى تفاصيل تتعلق بالوقائع المنظورة أمام جهات التحقيق، مؤكدًا أن ما يشغله حاليًا هو العمل على خروج الدورة الجديدة من مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة بالشكل اللائق بتاريخ المهرجان.

وقال «صالح»: لا أحد يقف ضد إقامة المهرجان، سواء فى المركز أوزارة الثقافة، لكننا نركز حاليًا على تحديد موعد واضح للدورة الجديدة، وتجهيز كل الأمور المتعلقة بها حتى تخرج بصورة تليق باسم مهرجان العريق، مشيرًا إلى أن الإعلان عن التفاصيل الكاملة سيتم قريبًا.

وأضاف: إن الأزمات المرتبطة بالدورة السابقة تعود إلى فترة سابقة لتوليه رئاسة المركز، موضحًا أن جهات التحقيق تمتلك جميع المستندات الخاصة بالأزمة، وأن المركز ليس جهة محاسبة، بينما تتولى الجهات الرقابية فحص الوقائع واتخاذ ما يلزم بشأنها.

وحول الجدل المثار بشأن تأجيل الدورة الجديدة، أكد «صالح» أن تغيير موعد إقامة المهرجان ليس أزمة فى حد ذاته، لافتًا إلى أن المهرجان شهد خلال السنوات الأخيرة تغييرات متكررة فى مواعيده بين فبراير ومارس وأبريل، بل أقيم فى فصول مختلفة تبعًا للظروف التنظيمية والإدارية.

وأكد رئيس المركز صحة المعلومة المتعلقة بالميزانية الحالية التى جرى توجيهها لحل مشكلات الدورة الماضية وتسوية بعض الالتزامات المتأخرة، على أن يتم الإنفاق على الدورة الجديدة من الميزانية المنتظر اعتمادها فى يوليو المقبل.

 

وأوضح «صالح» أن المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة كاملة لما حدث، بهدف تفادى تكرار الأزمات، حيث تسعى إدارة المركز إلى حل المشكلات ومحاسبة المسئولين بعد انتهاء الجهات الرقابية من عملها، واستبعاد أى عنصر يثبت تورطه فى أخطاء أضرت بالمهرجان لضمان عدم تكرار الأزمات مرة أخرى.

وفيما يتعلق باختيار رئيس جديد للمهرجان، أشار إلى أن الأمر لا يزال قيد الدراسة، مؤكدًا ضرورة توفير مناخ يضمن عدم تخوف أى شخص من تولى المسئولية، كما لفت إلى أن الفكرة التى طرحها بخصوص تولى رئيس المركز نفسه رئاسة المهرجان كانت مطبقة فى فترات سابقة، ومن المفترض أن يتم دراسة إيجابيات هذا النظام وسلبياته قبل اتخاذ قرار نهائى بشأنه.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن هناك استعدادات جارية لتنظيم دورة جديدة يتم خلالها تلافى أخطاء الماضى، معربًا عن ثقته فى تكاتف السينمائيين للحفاظ على المهرجان واستعادته لمكانته، قائلًا إن الهدف هو الوصول إلى الأسلوب الأمثل لاستقرار مهرجان الإسماعيلية وعودته بصورة أفضل.

 

نقلا عن مجلة روز اليوسف

 

تم نسخ الرابط