الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ماذا ستجنى مصر من مشروعات الاستصلاح الزراعى فى الصحراء؟

 


من بين ما استوقفنى فى افتتاح مشروع بحجم «الدلتا الجديدة» الزراعى، الأسبوع الماضى قضيتان؛ الأولى كانت متعلقة بحديث الرئيس عبدالفتاح السيسي، عن مسألة «بخس الجهد الحقيقى» فى إنجاز هذا المشروع وعدم تقديمه بالصورة التى توضح حجم ما بُذل من جهد حكومى متكامل، حتى يتم استصلاح أكثر من مليونىّ فدان فى الصحراء، بإجراءات وأدوات «عكس الطبيعة» الجغرافية!.
 


أمّا القضية الثانية؛ فكانت متعلقة أيضًا بحديث الرئيس السيسي، عن «صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتى من جميع المحاصيل الزراعية بمصر أو فى أغلب الدول، بحكم ارتباطها بعناصر متعددة مثل الأرض والمياه والمُناخ والبيئة»، وهو تقدير موقف يستدعى التوقف أمامه، بالنظر إلى مَطالب كثيرًا ما تردّدها النخب، على ضرورية منح الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الزراعية؛ أولوية فى سياسات العمل الحكومى.

 


والواقع أن أى حديث موضوعى عن مسألة ما حدث فى مشروع الدلتا الجديدة «الإعجازى»، والاكتفاء الذاتى من المحاصيل الزراعية، يستدعى النظر إلى صورة الإنتاج الزراعى كاملة على مدار العقد الماضى وما قبله؛ للتعرف على كيف كان إنتاج الرقعة الزراعية ومساحتها؟، وكيف أصبحت مع التوسع فى استصلاح مساحات صحراوية تقارب ثلث (الأراضى الزراعية)، وما الذى تجنيه البلاد من مشروعات استصلاح الصحراء «المكلفة»، وهل ستحقق طموح الاكتفاء الذاتى؟
 


هذه أسئلة مشروعة، تفرضها ضرورة الفهم الكامل لأبعاد ما يحدث فى مشروع «الدلتا الجديدة»، ومن قبله مشروعات زراعية ضخمة، مثل ما حدث فى سيناء، ومفيض توشكى، والأهم عوائدها على عموم الناس، والواقع أنه بالنظر للأرقام الأولية المتعلقة بتنفيذ «الدلتا الجديدة»، من حيث التكلفة والإنتاج الزراعى وموارد المياه المخصّصة له؛ سنجد أننا أمام مشروع يتجاوز أثره مشروع «سد عالى»، كالذى شيدته مصر قبل 66 عامًا وظل حصنًا مائيًا ومَصدرًا تنمويًا وزراعيًا للمصريين طوال هذه السنوات.

 

 


ميراث تحديات قطاع الزراعة


نقطة الانطلاق يجب أن تبدأ بتفنيد مشهد الإنتاج الزراعى فى مصر طوال العقود الماضية، الذى كانت تنتجه الأرض الصالحة للزراعة، وإلى أى مدى كانت كافية لتلبية احتياجات عدد السكان (المتزايد) غذائيًا؟، وهنا وجب التوقف مع حديث الأرقام الخاص بقطاع الزراعة فى مصر طوال العقود الماضية، وأهمها ما يلى:
 


 وفقًا للإحصائيات الرسمية؛ لا تزيد مساحة الأراضى الصالحة للزراعة على نحو 6 % من إجمالى مساحة البلاد، التى تبلغ مليون كيلو متر مربع تقريبًا، بمساحة كانت تزيد على 8 ملايين فدان قبل عام 2014.
 


 رغم تطور مساحة الرقعة الزراعية من خمسينيات وستينيات القرن الماضى، من 6 ملايين فدان تقريبًا إلى أكثر من ثمانية ملايين فدان؛ فإنه لا يجب أن نغفل أن تعداد السكان زاد بما يقرب من مائة مليون نسمة، من منتصف القرن الماضى، حتى الآن، ففى ستينيات القرن الماضى، كان عدد السكان أكثر من 20 مليون نسمة، وحاليًا وصل التعداد الداخلى لما يقرب من 110 ملايين نسمة، بجانب نحو عشرة ملايين من الأجانب المقيمين فى المدن المصرية.
 


 رغم تحدّى الزيادة السكانية المستمر؛ ظلت الدولة قبل عام 2011 لا تستصلح أراضى زراعية جديدة فى عهود سابقة؛ بل فى الوقت نفسه تأثرت الرقعة الزراعية؛ بسبب حالات التعدى على الأرض الصالحة للزراعة، حتى فقدنا نحو 1.7 مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية خلال السبعين عامًا الأخيرة، وهى إحصائية أشار إليها الدكتور بهاء الغنام المدير التنفيذى لجهاز مستقبل مصر، خلال كلمته فى افتتاح مشروع الدلتا الجديدة.
 


بل إن نسب التعدى على الأراضى الزراعية، التى جرت وقت الانفلات الأمنى، عقب الفعل الثورى فى 2011، وصلت معدلات قياسية، بعد أن سجلت أكثر من مليون و990 ألف حالة تعدٍّ، على مساحات تقارب 91 ألف فدان، وفق إحصائيات رسمية من وزارة الزراعة.
 


 كانت من نتيجة هذه المعادلة العكسية؛ تزايُد الفجوة فى قدرة الدولة على توفير الغذاء، وتأمين احتياجاتها من سلع استراتيجية مثل الحبوب؛ للحد الذى وصلت فيه الأرقام قبل عام 2014، إلى وصول حجم الفجوة الغذائية إلى 67.5 %، وفى القمح 60 % باستيراد نحو 12 مليون طن قمح سنويًا مقابل إنتاج لا يزيد على 8 ملايين طن، إلى جانب عجز فى إنتاج الزيوت يقارب 98 %، إلى جانب منتجات أخرى مثل السكر واللحوم وغيرهما.
 


هذه الأرقام ليست فقط لاستعراض واقع ميراث قطاع الزراعة، ولكن يفرضها التقييم الموضوعى لوضع الإنتاج الزراعى، وآثار مشاريع الاستصلاح الزراعى التى عكفت الدولة على إقامتها خلال العقد الأخير..


التوسع فى استصلاح الصحراء


نقطة التوقف الثانية؛ تتعلق بآليات تعاطى الدولة المصرية ما بَعد ثورة 30 يونيو 2013، مع تحدى الإنتاج الزراعى، ذلك أن واحدًا من مَطالب النخب التى كانت ترددها، هو ضرورة استثمار موارد وقدرات الدولة فى تعزيز إنتاجها الزراعى، أملاً فى تحقيق الاكتفاء الذاتى، من منطلق أن «مَن يملك غذاءه يملك قراره».
 


وواقع الأمر؛ أنّ أى حديث عن توسع زراعى، لا يجب أن يغفل عناصر أساسية أخرى لتحقيقه، أولها توافر المياه والبيئة والمناخ والأرض الصالحة للزراعة، وأى حديث عن التوسع فى زراعة الصحراء، كان لا بُدّ من توفير موارد مائية له، فى وقت تعانى فيه مصر من عجز مائى يصل إلى 55 %؛ حيث إن الدولة تعتمد على مورد مائى واحد هو نهر النيل بنسبة 98 %، بواقع 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتقع حاليًا تحت خط الفقر المائى العالمى، بواقع 500 متر مكعب للفرد سنويًا، وفقًا للبيانات الرسمية لوزارة الرّى.
 


من هذا المنطلق؛ بدأت الدولة تعمل على استصلاح مساحات زراعية جديدة؛ خصوصًا فى المناطق الصحراوية، بمرحلة أولى تعتمد فيها على مياه النيل والمياه الجوفية، ثم مرحلة ثانية أصعب، تعتمد فيها على معالجة مياه الصرف الزراعى، وكان من نتيجة هذه الأعمال، إقامة تجمعات زراعية ضخمة، فى مفيض توشكى وفى المنيا وفى سيناء، وصولاً لمشروع «الدلتا الجديدة».. ومعها بدأ التحسن فى مؤشرات قطاع الزراعة، وفقًا لإحصائيات رسمية، كالتالى:
 


 ارتفعت نسبة المساحة المنزرعة إلى 12.4 % لتصل لأكثر من 10 ملايين فدان فى 2024، بعد أن كانت 8 ملايين فى 2014.
 

 


 بلغت مساحة استصلاح الأراضى الجديدة نحو 4.5 مليون فدان، ما يعنى (ثلث) المساحة الزراعية التى كانت موجودة، بمشروعات ضخمة، منها مشروع «المليون ونصف المليون فدان»، الذى تم إطلاقه فى 2015، فى 13 منطقة بثمانى محافظات، ومشروع «توشكى» بهدف استصلاح نحو مليون فدان فى الصحراء الغربية، ومشروع زراعة 500 ألف فدان فى سيناء، بعد إقامة أكبر محطة معالجة مياه فى العالم، وهى محطة «بحر البقر»؛ لتوفير 5.6 مليون متر مكعب مياه يوميًا، بعد إعادة تدوير وتشغيل مياه الصرف الزراعى والصناعى والصرف الصحى.
هذا بجانب مشروعات زراعية أخرى تابعة لجهاز «مستقبل مصر» للتنمية الزراعية فى عدد من المحافظات، ومشروع 100 ألف صوبة زراعية، وصولاً للمشروع الأضخم «الدلتا الجديدة»، الذى يستهدف استصلاح 2.2 مليون فدان.
 

 

 

 


 كان من نتيجة هذه المشاريع؛ ارتفاع نسبة الصادرات الزراعية نحو 74.4 %، بعد أن سجلت رقمًا قياسيا نحو 9.5 مليون طن العام الماضى، بعائد يصل إلى 11.5 مليار دولار، بعد أن كانت 4.3 مليون طن فى 2014.
 

 

 سَجّل قطاع الزراعة معدل نمو وصل إلى 3.8 % عام 2024، وفتحت مصر 8 أسواق تصديرية جديدة لمحاصيل زراعية، لتصل إلى أكثر من 170 سوقًا عالمية؛ لتساهم الزراعة بنحو 24 % من إجمالى صادرات الدولة.
 

 

 زادت نسبة الاستثمارات العامة المنفذة بقطاع الزراعة بنحو 8 أضعاف؛ حيث بلغت 31.8 مليار جنيه عام 2023، مقابل 4.1 مليار جنيه عام 2014.
 


وواقع الأمر أن مشروعات الاستصلاح الزراعى وثمارها؛ ليست رفاهية فى بلد يزيد سنويًا بنحو مليونىّ نسمة، ذلك أن هدفها الأساسى تحقيق الأمْن الغذائى، ومن دونها ستتضاعف فاتورة الغذاء فى وقت سريع.


الدلتا الجديدة.. إنجاز ضد الطبيعة


 

من منطلق ما سبق؛ نستطيع أن نتوقف أمام حقيقة ما يجرى فى مشروع «الدلتا الجديدة» الإعجازى، ذلك أنه لا يمكن قصر النظر لما تم ولا يزال لظهور هذا المشروع فى حديث أرقام فقط، وإن كانت مهمة، ولكن حقيقة الإنجاز فيه أنه جرى تنفيذه عكس قواعد الطبيعة الجغرافية وقوانين الجاذبية، بأعمال هندسية استطاعت أن تقيم من رحم الصحراء أكبر تجمُّع زراعى تنموى جديد.
 


جوهر مشروع «الدلتا الجديدة» يقوم على توفير المياه لأراضٍ صحراوية واسعة غرب الدلتا القديمة وتعتمد المنظومة على تجميع مياه الصرف الزراعى من محافظات الدلتا بعد معالجتها معالجة ثلاثية ثم نقلها عبر مسارين رئيسيين هما المسار الشمالى والمسار الشرقى بطول 150 كيلومترًا لكل مسار وبسبب طبيعة الأرض كان نقل المياه يتم عكس الميل الجغرافى الطبيعى ما استلزم إنشاء 19 محطة رفع رئيسية لتوفير المياه اللازمة لزراعة 2.2 مليون فدان.
 


والمعنى هنا؛ أن نظم الرّى القائمة فى مصر، منذ عهد محمد على، قائمة على شق الترع والمصارف وفق مسار جغرافى طبيعى، لانحدار المياه من الأعلى للأسفل، إلاّ أن فى مشروع الدلتا الجديدة؛ يتم نقل المياه من الأسفل للأعلى، لمسافات كبيرة من الإسكندرية إلى مناطق الدلتا، وهو تحدٍّ هندسى غير مسبوق جرى تنفيذه فى المشروع.
واقع الأمر؛ أنّ البنية التحتية التى نفذتها الدولة المصرية، تعادل إقامة مدن جديدة بشكل كامل، ليس فقط بسبب تكلفة إقامة المشروع التى قاربت على 800 مليار جنيه، وإنما بالنظر إلى ما جرى تنفيذه من أعمال لتهيئة الصحراء للزراعة، بداية من توفير ما يقرب من 17.5 مليون متر مكعب مياه يوميًا، وتنفيذ أكثر من 9100 كيلومتر من خطوط المواسير، وتشغيل 8100 جهاز رى محورى، وإنشاء 18 محطة محولات كهربائية، وإقامة شبكات كهرباء بطول 19 ألف كيلومتر، إلى جانب تنفيذ طرق جديدة بأطوال تصل إلى 12 ألف كيلومتر. والواقع أن هذه ليست أرقام مشروع زراعى فقط؛ وإنما أرقام مدن تنموية جديدة كاملة يعاد تأسيسها فى قلب الصحراء، أرقام تشير إلى أننا أمام أكثر من «سد عالى» يقام فى الصحراء.
 


نقطة التوقف الأخرى؛ أنّ مشروع الدلتا الجديدة، ليس مجرد أرض زراعية جديدة، جرى فيها استصلاح آلاف الأفدنة؛ بل هو فى الواقع تحوُّل جغرافى ولوجستى وزراعى واقتصادى، فى خريطة العمران والزراعة بمصر، فالمشروع تصل مساحته الزراعية لنحو 2.2 مليون فدان، ما يعنى نصف الرقعة الزراعية التى تستهدف الدولة المصرية إضافتها خلال السنوات العشر الأخيرة، فالمشروع لا يقوم على الزراعة فقط؛ ولكن يستهدف لتحويل المنطقة إلى مجتمع عمرانى متكامل، يضم مجالات التصنيع الزراعى وسلاسل القيمة المضافة.
 


والمعنى هنا؛ أنه بالنظر إلى اقتصاديات مشروع الدلتا الجديدة؛ سنجد أننا لا نتحدث عن حصيلة لمحاصيل زراعية فقط، ولكن هناك أيضًا مصانع جديدة للسكر والأعلاف والمجففات والعصائر والخضروات المجمدة، بما يعنى التحول من تصدير المواد الخام، إلى تصدير القيمة المضافة، والشاهد على ذلك؛ أن هناك نحو 150 شركة تعمل فى الإنتاج الزراعى بالمشروع، وهناك نحو مليونىّ فرصة عمل مستدامة يوفرها المشروع.
 


البعد الآخر؛ يتعلق بتطوير الإنتاجية وفق أحدث نظم الزراعة، باستخدام الرّى المحورى والتقاوى المعتمدة، وهى وسائل ترفع مثلاً إنتاجية فدان القمح إلى نحو 3 أطنان، وهى نسبة قادرة وحدها على تغيير معادلة الأمْن الغذائى المصرى، وتقليل فجوة استيراد القمح التى تصل إلى نحو 12 مليون طن سنويًا، هذا إلى جانب تحقيق التكامل بين الأراضى الزراعية القديمة والجديدة، بحيث يتم إنتاج المحاصيل التقليدية مثل القمح والذرة من الأراضى الطينية فى الوادى والدلتا لارتفاع إنتاجيتها، ثم التركيز فى الأراضى الجديدة على المحاصيل التى تحظى بجودة فى الأراضى الصحراوية، على غرار محصول البنجر وهو ما يحقق الاستفادة القصوى من الأراضى والدورات الزراعية.


الاكتفاء الذاتى هل ممكن؟ 

السؤال الذى يفرض نفسه هنا؛ هو إلى أى مدى يمكن أن تحقق مثل هذه المشروعات الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الزراعية؛ خصوصًا المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والأعلاف؟، وهى نقطة توقَفَ أمامها الرئيس السيسي فى حديثه خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة، حينما أشار إلى «صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتى من جميع المحاصيل فى مصر أو فى أغلب دول العالم»، ذلك أن الإنتاج الزراعى كما أشرنا، يعتمد على عناصر أساسية بداية من توافر المياه والمناخ والبيئة الصالحة.
 


وهنا؛ يمكن أن نتوقف مع نموذج زراعة القمح فى مصر؛ حيث يصل حجم الاستهلاك السنوى لنحو 22 مليون طن تقريبًا، ويزيد الاستيراد على 12 مليون طن، فى حين تنتج مصر داخليًا العشرة ملايين الباقية، بزراعة نحو 3.2 مليون فدان؛ وفقًا للإحصائيات الرسمية، والمعنى هنا؛ أنه إذا أردنا- فرضًا- تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح فإننا فى حاجة لزراعة نحو 7 ملايين فدان من الرقعة الزراعية، وهذه فرضية ليست واقعية لأن معناها استيراد باقى المحاصيل الزراعية؛ خصوصًا الرئيسية فى الغذاء، ولا سيما المستخدمة فى إنتاج الأعلاف.
 


وإذا افترضنا- مثلاً- أنّ البديل بالعمل على استصلاح مزيد من الأراضى الزراعية؛ سنجد أن التحدى فى كيفية توفير موارد مائية للزراعة فى ظل العجز المائى الذى تواجهه البلاد، كما أن تكلفة استصلاح الفدان تتراوح ما بين 350 إلى 400 ألف جنيه؛ وفقًا للتقدير الذى قاله الرئيس السيسي فى افتتاح مشروع الدلتا الجديدة، وبالتالى فإن فاتورة الاكتفاء الذاتى صعبة ولكنها ليست مستحيلة، بمعنى أن عملية التنمية الزراعية عملية مستمرة ولا تنتهى من أجل تعظيم الإنتاج الزراعى، فى ظل تحدّى الزيادة السكانية المستمرة، وهنا يمكن التعويل على المشروعات الأخرى الجارى تنفيذها فى المنيا وبنى سويف وأسوان وشرق العوينات وسيناء، بالتركيز على محاصيل ذات عوائد اقتصادية عالية تحقق التوازن الزراعى بين الإنتاج والمستورد.

 

 

 

الأمان فى توفير الغذاء


 نقطة التوقف الأخيرة؛ تتعلق بتوقيت افتتاح مشروع الدلتا الجديدة، والذى جاء فى زمن «موقوت»، رغم حديثنا عن الفاتورة العالية لعملية الاستصلاح الزراعى فى ظل تحدى المياه والمناخ والبيئة، ذلك أن مثل هذه المشروعات ليست رفاهية ولكنها ضرورة مُلحة، فى معادلة الأمْن الغذائى داخليًا، وفى ظل الآثار المستمرة للتوترات والاضطرابات والنزاعات الدولية والإقليمية على سلاسل إمداد الغذاء.
 


والمعنى هنا سياسى بامتياز، ذلك أن مخاطر تأثر سلاسل إمداد الحبوب والغذاء، من أوراق الضغط التى لا يمكن تجاهلها فى الأزمات الدولية الراهنة، والشاهد هنا مثلاً، فى الحرب «الروسية- الأوكرانية»، التى أثرت على توافر الحبوب؛ خصوصًا القمح، لدول كثيرة فى إفريقيا، مع العِلْم أن روسيا وأوكرانيا من أكبر مورّدى القمح لمصر، والأمر نفسه مع الحرب الإيرانية التى أثرت على حركة المعابر الدولية، وبالتالى فإن الدولة التى تعول على استيراد غذائها؛ يمكن أن تدفع ثمنًا فادحًا حال تعرُّض الإنتاج العالمى لأى مخاطر.
 


والخلاصة؛ أنّ الأثر الذى تحققه مشروعات زراعية مثل الدلتا الجديدة وتوشكا والمليون ونصف المليون فدان والصوب الزراعية، ليس فقط فى تقليل الاستيراد وتوفير العملة الصعبة بزيادة الإنتاج المحلى؛ ولكن فى تأمين الدولة لغذائها بعيدًا عن أى ضغوط سياسية أو اقتصادية، أو بمعنى أدق لفرض سيادتها الكاملة على غذائها، وحتى تتحقق المعادلة، «مَن يملك غذاءه يملك قراره».
 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط