وأخيرًا.. «محمد رمضان» يخرج من منطقته الآمنة:
«أسـد» ملحمة بصرية تربكها أسئلة التاريخ
لسنوات طويلة ارتبط اسم «محمد رمضان» بنوعية محددة من الأدوار تتعلق بالبطل الشعبى الذى يفرض حضوره بالقوة والتمرد، وهى التوليفة التى صنعت جماهيريته الواسعة منذ بداياته. ولعل التحدى الأكبر لفيلم (أسد) الذى ينافس حاليًا على كعكة إيرادات موسم عيد الأضحى، هو ذلك التحول الواضح فى شخصية «رمضان» والذى يكشف عدم رغبته فى البقاء داخل المنطقة الآمنة التى ظل متربعًا على قمتها لسنوات.
هذه المحاولة لم تظهر فقط على مستوى طبيعة الدور، وإنما أيضا على مستوى الجمهور المستهدف، فالفيلم يستهدف قطاعات طالما تعاملت بتحفظ مع أفلام «رمضان» السابقة بسبب ما كانت تراه احتفاءً بالعنف أو تكريسًا لصورة البطل الخارج عن القانون، وربما تكون هذه هى المرة الأولى التى يبدو فيها «رمضان» مهتمًا بإعادة التوازن بين شعبيته التجارية ورغبته فى الحصول على اعتراف فنى مختلف، حتى لو كان ذلك عبر مخاطرة قد تُبعد جزءًا من جمهوره التقليدى لصالح جمهور جديد.
فى (أسد) يؤدى «رمضان» دور عبد تُسلب منه إنسانيته، وتنتزع منه حريته، ويتم التفريق بينه وبين المرأة التى يحبها، ويتعرض لانكسارات متتالية تمس كرامته ورجولته قبل أن تمس حياته نفسها، هنا لم يكن المطلوب من «رمضان» أن يقدم مجرد بطل غاضب يستعد للانتقام، بل إنسانًا مكسورًا من الداخل، يحمل على وجهه آثار القهر والعجز والانطفاء، والحقيقة أن «رمضان» نجح بدرجة لافتة فى تقديم هذه الحالة.
ورغم أن سيناريو الفيلم يعتمد على إعادة تخيل حقبة تاريخية وصياغتها دراميًا عبر معالجة شارك فيها الثلاثى «محمد دياب وخالد دياب وشيرين دياب» فإن هذه النقطة تبقى من أكثر المناطق الجدلية داخل العمل، فصناع الفيلم لم يتعاملوا مع التاريخ باعتباره مادة توثيقية، بل كخلفية تسمح بالخيال وإعادة البناء، وهى فكرة معتادة فى السينما العالمية، لكنها تظل شديدة الحساسية داخل السينما المصرية، حيث يتعامل قطاع واسع من الجمهور مع الفيلم التاريخى باعتباره مصدرًا مباشرًا للمعلومة، لا رؤية فنية قابلة للتأويل.
وهنا تظهر الأزمة فى فيلم (أسد) ،فالمشاهد إما أن يرفض العمل باعتباره مزيفًا لأنه خالف ما يعرفه عن التاريخ، أو يتعامل مع ما يراه على الشاشة باعتباره الحقيقة الكاملة معتقدًا أن هناك ثورة عبيد قامت فى مصر.
لم تكن أزمة الفيلم مع التاريخ هى المشكلة الوحيدة فى السيناريو، فهناك أيضا بعض الخطوط الدرامية التى بدت أقل إقناعًا، وعلى رأسها العلاقة بين البطل و»ليلى» التى لعبت دورها «رزان جمال» ،حيث حاول الفيلم تقديم العلاقة باعتبارها ممتدة منذ الطفولة، لكن طريقة تحولها المفاجئ إلى حب وزواج بدت سريعة وغير ممهد لها دراميًا بالشكل الكافى، خاصة فى عالم قاس تحكمه الفوارق الطبقية، كما أن السيناريو لم يمنح مساحة كافية لتفسير كيف تم الزواج بينهما، أو كيف استطاع الاثنان الاستمرار داخل هذه البيئة دون أن ينكشف أمرهما، وهو ما جعل هذه المنطقة تحديدا تبدو أقرب إلى الاستسهال الدرامي.
على مستوى التمثيل، قدّم الفيلم مجموعة من الأداءات القوية، يأتى فى مقدمتها «على قاسم» الذى بدا متفوقا على نفسه فى شخصية «يكن» غريم «أسد» مقدمًا أداءً قاسيًا ومشحونًا بالتفاصيل النفسية والانفعالات الداخلية.
كذلك كان حضور الفنانين السودانيين من أبرز نقاط قوة العمل، سواء «إسلام مبارك أو إيمان يوسف أو مصطفى شحاتة» ،حيث بدت شخصياتهم منتمية تماما لعالم الفيلم.
فى المقابل، جاءت بعض الشخصيات الأخرى أقل تأثيرا، مثل «كامل الباشا» فى دور تاجر الرقيق الحلبى و»ماجد الكدوانى وأحمد داش» اللذان لعبا دور الخديوى وولده، وهو ما يعود بدرجة كبيرة إلى محدودية المساحات المكتوبة لهذه الشخصيات داخل السيناريو.
أما «محمد دياب» فيؤكد مجددا أنه واحد من أهم المخرجين المصريين والعرب الذين يمتلكون رؤية بصرية ودرامية خاصة، وقادرون على تقديم مشروع يحمل هوية واضحة دون فقدان القدرة على مخاطبة الجمهور.
وفيلم (أسد) من أصعب نوعيات الأفلام على مستوى التنفيذ، لأنه يحتاج إلى خلق عالم كامل بصرًا ونفسيًا وتاريخيًا، وساعد على ذلك وجود مدير التصوير «أحمد بشارى»، الذى قدم واحدة من أهم نقاط القوة داخل الفيلم، حيث بدت المشاهد وكأنها لوحات مرسومة بعناية، إلى جانب العمل الواضح على الملابس والديكور عبر تصميمات «ريم العدل» وديكورات «أحمد فايز».
ورغم كل هذه القوة البصرية، يبقى هناك تحفظ واضح يتعلق بالمبالغة فى مشاهد العنف، التى قُدمت أحيانا بدرجة قاسية قد يصعب على بعض المشاهدين تحملها نفسيًا، وربما كان ذلك جزءا من فلسفة الفيلم فى نقل قسوة العالم الذى تدور فيه الأحداث، لكن بعض اللحظات بدت متجاوزة لما تحتاجه الدراما نفسها.
وفى النهاية، يبقى (أسد) واحدًا من أضخم التجارب السينمائية المصرية فى السنوات الأخيرة، وفيلم يستحق التقدير حتى مع كل الملاحظات والانتقادات التى يمكن توجيهها إليه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



