الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يكن المواطن المصرى البسيط يحلم بأكثر من تلك الورقة المسماة (نموذج 8) لكى ينهى أزمته مع جريمة مخالفة البناء، (التى ارتكبها بالتأكيد لأسباب خارجة عن إرادته) حتى يشعر بالأمان داخل منزله الذى أنفق فيه عمره، وشقى من أجله سنوات طويلة. لكنها جاءت لتصيبه بالقلق والترقب والخوف من المجهول الذى ينتظره. فوعد التصالح الذى بشرته به الدولة، ذهب مع الريح حين وضعت مصيره على عاتق موظف، ليفسره كما يشاء وحسب ما يريد، فهذا يوافق وذاك يرفض، ليستمر الخوف يطارده، رغم أنه سدد ما عليه، حينها يكتشف حقيقة المأساة التى ابتلى بها عقب السداد، وأن الحصول على هذا النموذج حلال العقد والمشاكل أقرب إلى مطاردة السراب، لأنه فى الحقيقة لا يشفع لهم للحصول عليه، فكافة المرافق، التى دفع مقابلها ما تحت أو فوق (البلاطة وشقى العمر) لن تصل إلى بيوتهم. لأن النموذج فى نظر بعض الجهات الحكومية مجرد حبر على ورق. فهناك طلبات وملفات جديدة تظهر بين الحين والآخر، وأخرى معلقة، وأوراق عند الموظف فلان وأخرى عند (ترتان)، وفى كل دائرة جديدة يدخلها المواطن عن طيب خاطر، أملا فى تصحيح أوضاعه، رغم امتلاكه لإيصالات تثبت سداد ما عليه، ألا أنه يكتشف فى نهاية الرحلة أن ملفه غير مكتمل، حسب تفسير وفهم ولغة من يتعامل معه، ليضطر إلى خوض التجربة مرة أخرى، أملا فى التصالح المنشود. ليشعر بنوع من الاستقرار، الذى يقترب منه وفى لحظة أخرى يجده بعيد المنال.
 

 

فحياته توقفت على هذا النموذج الذى دفع من أجله قوت يومه، ومازال يبدى حسن النية ويرغب فى التصالح، لكنه لا يجده رغم الأموال التى سددها. لتتمكن منه حالة من عدم الشعور بالأمان وفقدان الثقة، حينها تتجلى المأساة فى أبهى صورها، فالنموذج الذى كان يفترض فيه أن يضع حدا لمشاكل وأزمات المواطن، تحول بقدرة قادر ليصبح مثل اللعبة فى يد السماسرة والمتاجرين بمعاناة الناس، ليضعوا حل للمشاكل والورق والمستندات غير المكتملة، وهنا يقع المواطن البسيط رهين لتلك الفئة تفعل به وتحركه كما تشاء. المهم استنزاف ما تبقى له من أموال. لتتحول وعود التصالح والقانون من وسيلة لحماية الناس إلى مصدر توتر وقلق يجابهونه يوميا. فبيته وأمنه وأمان أسرته لم يعد متوافرًا، وما عليه سوى انتظار مجهول غير واضح المعالم، ونتيجة لذلك يفاجئ شهريا بعداد كهرباء كودى لا يرحم، فواتيره تقصم ظهره، لاعتمادها على سعر موحد يصل إلى نحو 2.74 جنيه لكل كيلووات، دون الاستفادة من نظام الشرائح المدعومة التقليدى، لأنه مخالف وبالتالى يحق للدولة أن تفعل به ما تشاء. ولحين توفيق أوضاعه حتى يتمكن من الحصول على عداد عادى، عليه الحصول على الفانوس السحرى (اقصد النموذج 8) الذى يمثل الموافقة النهائية على التصالح.
 


لكن المأساة أن آلاف المواطنين اكتشفوا أن الحصول على (نموذج 8) لا يعنى بالضرورة انتهاء الأزمة. فهناك شكاوى من رفض بعض شركات الكهرباء الاكتفاء بالنموذج وحده، مما يجعلها تطالب بمستندات إضافية أو (نموذج 10)، ولحين توفيق الوضع على المواطنين استمرار المحاسبة بالسعر المرتفع للعداد الكودى.
 


لم تتوقف أزمة النموذج إياه عند حدود الكهرباء فقط، بل امتدت مثل النار إلى باقى المرافق والخدمات الأساسية، ففى ملف المياه، يواجه كثير من المواطنين صعوبات فى تركيب العدادات الدائمة لتحويل الوضع من مؤقت إلى قانونى، بسبب اختلاف التفسيرات بين الجهات حول المستندات المطلوبة بعد التصالح. والنتيجة أن بعض الأسر تظل لسنوات تدفع بنظام الممارسة أو العدادات المؤقتة بأسعار أعلى وخدمات أقل استقرارًا. ناهيك عن ملف الغاز الذى بات مؤجلا لدى هؤلاء فشركات الغاز تشترط فى أحيان كثيرة اكتمال الموقف القانونى النهائى للعقار، ما يجعل المواطنين عالقين بين موافقات الأحياء وإجراءات الشركات، بينما تستمر معاناتهم مع أسطوانات البوتاجاز وارتفاع تكلفتها.
 


ونفس الحال يحدث فى مجال خدمات الاتصالات والإنترنت، فهى أيضا غير متاحة، خصوصًا فى المناطق الجديدة أو العقارات التى لم تستكمل أوراق التصالح النهائية.
 


وهكذا أصبح الحصول على مرافق وخدمات الدولة، التى تعد من أبسط حقوق الحياة، بمثابة حلم ينتظر المواطن البسيط تحقيقه، لكنه تحول بفعل (نموذج 8) المشئوم إلى أداة ضغط تثقل كاهله وتزيد من ضغوطه وهمومه المتعددة، وتحرمه من مقومات الحياة الكريمة، تحت حجج أن الملف غير مكتمل، وتفسير جهات حكومية تعتمد على فهم وهوى موظف كان يفترض تأهيله قبل تقديم الخدمة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط