يبقى السؤال المتجدد الآن يطرح نفسه بكل براءة لماذا كل هذا الإصرار على المسرح رغم كل الإمكانات اللامحدودة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقدرة الكاميرا وحيويتها في البث المباشر، وتسجيلها لأدق التفاصيل، وقدرتها على التسجيل العابر لمحدودية الزمان والمكان في المسرح؟
تأتي الإجابة: لأن المسرح هو التعبير الواضح عن حاجة الإنسان لفضاء حقيقي يتنفس فيه حواراً وتعدداً ثقافياً إنسانياً، يشعر فيه بدفء الحضور والتواصل الإنساني.
ولا يوجد وسيط يقدر على إنتاج السعادة والألفة ويستطيع تلبية الحاجة الإنسانية للتجمع البشري الحي الواقعي مثل المسرح.
ويصبح سؤال الضرورة الآن لماذا نكافح من أجل بقاء المسرح المصري حياً، ويكافح معنا الفنانون، بينما يجنون أضعافاً أكبر بكثير من المال والتأثير والجماهيرية عبر الفنون التعبيرية الأخرى ذات الصلة بفنون الكاميرا، وتطورها المذهل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقدرات الذكاء الاصطناعي اللانهائية وسهولة ويسر استخدام الكاميرا وتكاثر فنون التوليف وإعادة الصياغة والتركيب عبر أجهزة الهاتف الذكي، وشاشات الكمبيوتر؟
الإجابة: لأننا نحن في مصر أول من ابتكر فن المسرح في مصر القديمة ثم عرفه العالم كله، لأن المسرح مكون رئيس في تاريخ الشخصية المصرية.
ولأن المسرح كان هو أداة الفلاسفة والحكام والكتاب والحكماء والكهنة وقادة الرأي لتجميع وحدة النسيج المصري في سبيكة واحدة.
ذلك أن المسرح هو التعبير عن التعددية السياسية والدينية والفكرية، وعبر مقتربات التناول يستطيع المسرح أن يجمع كل ألوان الطيف الاجتماعي دون أن يصبغها لوناً واحداً، دون أن يحاول إلغاء التنوع والفروق الجوهرية بين مكونات الجماعة المصرية المتعددة.
إن اللون الواحد ضد الوحدة الحقيقية للشعب المصري العظيم وأي محاولات قسرية لإلغاء التنوع والاختلاف بين أطياف الجماعة المصرية هي محاولة تؤدي إلى نتيجة عكسية وهي تفكك النسيج الوطني ووحدته التاريخية.
وهذا هو الدور التاريخي الذي قام به المسرح المصري المنتمي جمالياً ومعرفاً لمصر وامتد هذا الدور إلى كل الفنون التعبيرية المصرية، بينما ذهبت كل فنون الدعاية المصطنعة إلى عالم النسيان.
لأن الحفاظ على الهوية المصرية ووحدة النسيج المشترك للشخصية المصرية يتأسس على البحث عن المشتركات الأساسية بين جميع أطياف الجماعة المصرية، وهنا يأتي التشابه من المقدرة على الحفاظ على الاختلاف.
ولذلك يبقى المسرح المصري هو البوتقة الحية المعبرة عن الاختلاف سعياً للمشتركات الكبرى التي شكلت الهوية المصرية وتجانس الشعب المصري العظيم.
المسرح مساحة للبوح والحكي وفضاء قادر على تطهير الذات العامة من المشاعر السلبية، هو المساحة الضرورية لتأكيد فكرة الجماعة المصرية، ذلك أن المسرح بخصوصيته مساحة للحرية وللتعبير ولرؤية الآخر، والاجتماع معه، وللوصول للمشترك الإنساني المعبر عن التراث والتاريخ وعبقرية الزمان والمكان عبقرية مصر في الجغرافيا المتنوعة وفي كونها تاريخ أول حضارة إنسانية.
وقد كان المسرح علامتها الأساسية، وكان ولا يزال وسيبقى هو سحر الاختلاف القادر على صناعة وحدة النسيج المصري الوطني.
ولهذا ولأسباب أخرى نكافح من أجل المسرح المصري حياً قادراً فقط لا غير، من أجل حيوية الثقافة المصرية سر وحدة وانسجام الجماعة المصرية.



