دافعت عن قضايا المناخ والسلم والأمن فى القارة
مصر «صوت إفريقيا » فى المحافل الدولية
«سنوات عجاف» شهدتها العلاقات «المصرية _الإفريقية»، حيث تراجع فيها الدور التاريخى للقاهرة فى قارتها السمراء، لكن عقب تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، انتهت هذه الحقبة، إذ وضعت مصر عمقها الإفريقى فى صدارة أولوياتها، وأعادت إحياء الشراكات التنموية والأمنية مع دول القارة، وفتحت صفحة جديدة من التعاون المشترك، لتتحول بعدها مصر لـ«صوت القارة» فى المحافل الدولية.
علاوة على أن الحديث عن التكامل الاقتصادى لم يعد مجرد حبر على ورق، بل تحول لمشروعات عملاقة تربط القارة ببعضها، فمن المطالبة بالعدالة المناخية ومواجهة الإرهاب، إلى تقديم المساعدات الإنسانية والاستثمار فى التعليم وإعداد القادة، رسخت مصر عودتها إلى قارتها كـوسيط سياسى، ومساهم أمنى وعسكرى، وداعم إنسانى، وشريك استراتيجى، علاوة على تأكيدها أن التزامها تجاه أبناء قارتها قد تجاوز «الشعارات» إلى مرحلة يكون فيها السلام والتنمية الشاملة هدفها الأسمى.
صوت القارة فى المحافل الدولية
كانت ولا تزال مصر صوت القارة الإفريقية فى المحافل الدولية، ليس عبر شعارات رنانة، بل من خلال أجندة متكاملة عكست إدراكًا عميقًا للتحديات البنيوية التى تواجه القارة، حيث طرحت القاهرة ملف الديون وضرورة إلغائها أو إعادة هيكلتها، بعدما تحولت إلى عائق أمام أى مسار تنموى حقيقى، محذرة من أن استمرارها يهدد استقرار الأنظمة السياسية والاجتماعية فى القارة.
وفى قضية التمويل الدولى، دعت مصر إلى تسهيل وصول إفريقيا إلى أدوات تمويل ميسرة غير قائمة على الديون مثل المنح أو التمويل الأخضر، مؤكدة أن الاقتصادات النامية بحاجة إلى موارد جديدة لا تزيد من أعبائها المالية.
أما ملف التغيرات المناخية، فقد شددت «القاهرة» على أن إفريقيا تدفع ثمن سياسات لم تشارك فى صناعتها وطالبت الدول الصناعية الكبرى بتحمل مسئوليتها التاريخية، عبر تمويل مشروعات التكيف مع آثار المناخ ودعم التحول نحو الطاقة المتجددة، خاصة أن القارة رغم مساهمتها الضئيلة فى الانبعاثات أقل من 4 % عالميًا تتحمل أكبر الأعباء من موجات الجفاف والفيضانات وانعدام الأمن الغذائى والمائى، إذ يعانى القرن الإفريقى من موجات جفاف متكررة، بينما تواجه نيجيريا وموزمبيق فيضانات مدمرة.
فيما يقدر البنك الدولى أن أكثر من 250 مليون إفريقى مهدد بانعدام الأمن الغذائى والمائى خلال العقد المقبل، وهو ما دفع مصر إلى المطالبة بتمويل عادل غير قائم على الديون وتمثيل أقوى فى المفاوضات الدولية، إذ تحتاج القارة بحسب بنك التنمية الإفريقى إلى 277 مليار دولار سنويًا حتى عام 2030، لتنفيذ التزاماتها المناخية، بينما لا تتلقى سوى 3 % من التمويل المناخى العالمى وأكثر من 70 % منه يأتى فى شكل قروض تزيد من مديونية الدول، وقد عزز هذا الموقف حكم محكمة العدل الدولية فى يوليو الماضى الذى أكد مسئولية الدول الصناعية الكبرى عن التغيرات المناخية، فاتحًا الباب أمام إفريقيا للمطالبة بتعويضات عادلة، خاصة أن القارة تمتلك أكبر المخزونات الطبيعية من الطاقة الشمسية والرياح والثروات المائية، فضلًا عن إمكانية خلق 4 ملايين وظيفة خضراء بحلول 2030 إذا توفر التمويل الكافي.
مكافحة الإرهاب
تبنت مصر نهجًا شاملًا فى مكافحة الإرهاب فى إفريقيا، جمع بين المشاركة العسكرية والدبلوماسية ودعم بناء القدرات والمقاربة التنموية، التى تربط بين الأمن والاستقرار، الأمر الذى جعلها طرفًا محوريًا فى مواجهة الجماعات الإرهابية فى القرن الإفريقى والساحل والصحراء، وكذلك فى صياغة أجندة دولية تدعم القارة ككل.
وبدا ذلك واضحًا من خلال إعلان مشاركتها فى بعثة الاتحاد الإفريقى الجديدة، لدعم الاستقرار فى الصومال، بناءً على طلب الحكومة الصومالية لتقديم خبرات عسكرية ولوجستية فى مواجهة حركة الشباب الإرهابية، إضافة إلى دعم «القاهرة» جهود الاتحاد الإفريقى فى مواجهة الجماعات الإرهابية المنتشرة فى مالى والنيجر وبوركينا فاسو، عبر التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
حفظ السلام والأمن
تعد مصر من أبرز الدول الإفريقية المنخرطة فى محادثات السلام، حيث تجمع بين العمل الدبلوماسى داخل الاتحاد الإفريقى والمشاركة الفعالة فى بعثات حفظ السلام واستضافة منصات الحوار بين الأفارقة، ما يجعلها لاعبًا محوريًا فى صياغة مستقبل الأمن والسلم بالقارة، حيث تضع القيادة المصرية السلام والأمن الإفريقى فى قلب سياستها الخارجية، وتؤكد أن التنمية لا تتحقق إلا بالاستقرار، وذلك من خلال استضافة مؤتمرات وملتقيات للحوار بين القوى السياسية والمدنية، مثل ملتقى القوى السودانية لتشجيع الحلول الداخلية للأزمات، علاوة على المشاركة بفاعلية فى القمم الإفريقية مثل قمة الاتحاد الأفريقى وقمة «الكوميسا» وقمة التعاون «الإفريقى - الأوروبي» لتأكيد حضورها كمنصة للحوار الدولى والإقليمي.
وحول مشاركتها الفعالة فى بعثات حفظ السلام، تشارك مصر فى 8 بعثات حفظ سلام من أصل 9 بعثات إفريقية، فى دارفور وجنوب السودان ومالى والكونجو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى، ومنذ ستينيات القرن الماضى أرسلت مصر قوات إلى الكونجو والصومال وأنجولا، لتصبح من أوائل الدول العربية والأفريقية المساهمة فى حفظ السلام، وحاليًا يخدم نحو 3000 مصرى تحت راية الأمم المتحدة فى بعثات مختلفة، ما يجعل مصر سابع أكبر مساهم عالمى فى قوات حفظ السلام فى العالم والأولى عربيًا وإفريقيا، بجانب تكريس جهودها لبعثات الاستقرار، إذ وظفت مصر رئاستها للجنة الموازنة بالاتحاد الإفريقى لحشد 20 مليون دولار لدعم بعثة الاستقرار فى الصومال، واستضافت فعاليات كبرى مثل اجتماع وكالة الاتحاد الأفريقى للتنمية «النيباد» والمؤتمر الوزارى «الروسى - الإفريقي»، ما يعكس مكانتها كمنصة للحوار بين إفريقيا وشركائها الدوليين.
المساعدات الإنسانية
رغم الأزمات الاقتصادية العالمية المرتبطة بالحروب الإقليمية والدولية وتداعيات جائحة كورونا على العالم، واصلت مصر التزامها الأخلاقى تجاه القارة الإفريقية عبر إرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى دول منكوبة مثل مدغشقر، حيث أرسلت «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، شحنة مساعدات إنسانية تضمنت مستلزمات طبية متنوعة وأدوية أساسية ومواد غذائية لدعم المتضررين من إعصار «جيزاني»، الذى خلف خسائر واسعة، وقد تسلمت وزارة الخارجية والمكتب الوطنى لإدارة المخاطر والكوارث هذه المساعدات وسط إشادة دولية بالدور المصرى السريع والفاعل فى الاستجابة للأزمات الإفريقية.
كما استقبلت مصر ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من النزاعات ووفرت لهم خدمات إنسانية أساسية، تشمل الرعاية الصحية والتعليمية والخدمات العامة، إضافة إلى دعم لوجستى يضمن لهم «حياة كريمة» فى ظل ظروف النزوح القسرى، بالإضافة لإدخال مساعدات إلى السودان وسط صراع دامٍ.
القرن الإفريقى وحوض النيل
تولى مصر اهتمامًا خاصًا لدول منطقة القرن الإفريقى وحوض النيل، عبر الجمع بين أدوات الدبلوماسية والتنمية والأمن، وذلك سعيًا منها لحماية أمنها المائى والبحرى، علاوة على دعم الدول الإفريقية فى مواجهة النزاعات.
ففى السنوات الأخيرة، عززت مصر وجودها فى البحر الأحمر و«باب المندب»، عبر التعاون مع إريتريا وجيبوتى والصومال، لحماية الملاحة الدولية وقناة السويس من التهديدات الإرهابية والقرصنة، كما تعاملت مع أزمة «سد النهضة» باعتبارها قضية أمن قومى، فصعدتها دبلوماسيًا فى المحافل الدولية دون اللجوء لحلول القوة، التى من الممكن أن تُدخل منطقة القرن الإفريقى وشمال إفريقيا فى حرب مفتوحة، تلقى بآثارها المدمرة على الجميع. كما شاركت مصر فى جهود الوساطة بين أطراف النزاعات فى السودان، عبر الرباعية الدولية وطرح استراتيجيات تهدئة تقوم على حوار وطنى «سودانى- سودانى»، ونفس الأمر فى الصومال، مؤكدة أن الحلول السياسية هى السبيل الوحيد لضمان استقرار القرن الإفريقي.
ووقعت مصر اتفاقيات ثنائية وإقليمية مع دول الحوض لضمان الاستخدام المنصف للمياه، مع الالتزام بحصتها التاريخية 55.5 مليار م³، حيث أعلت مصر من مبدأ «المكسب للجميع»، فالسياسة المصرية تقوم على أن نهر النيل يوحد ولا يفرق، وأن التعاون المشترك هو السبيل لتحقيق التنمية المستدامة لشعوب الحوض.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



