شركات واستثمارات بمختلف أقاليم القارة
القوة الناعمة المصرية تعيد رسم خريطة التنمية بإفريقيا
فى ظل تحول الدولة المصرية إلى فاعل رئيسى داخل القارة الإفريقية، برزت شركات المقاولات والإنشاءات كأحد أبرز أدوات القوة الناعمة والتنموية، بعدما نجحت فى تثبيت حضورها فى عشرات الدول، وتنفيذ مشروعات كبرى أعادت رسم خريطة البنية التحتية فى إفريقيا، من السدود العملاقة إلى شبكات الطرق والطاقة والموانئ.
منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسئولية عام 2014، شهدت السياسة المصرية تجاه القارة الإفريقية تحولًا نوعيًا واضحًا، تمثل فى تعظيم جهود التعاون مع الدول الإفريقية فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية. ولم يقتصر هذا التحرك على الإطار التقليدى للعلاقات الثنائية، بل امتد ليشمل استضافة مصر لعدد من المؤتمرات والمنتديات الإقليمية والدولية المعنية بالاستثمار والاقتصاد والأمن فى القارة السمراء، إلى جانب تكثيف الزيارات الرئاسية والتحركات الدبلوماسية تجاه العمق الإفريقي، بما أعاد ترسيخ الحضور المصرى داخل القارة بعد سنوات من التراجع النسبى.
وفى سياق موازٍ، جاءت رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي لتشكل نقطة انطلاق جديدة فى مسار التكامل القارى، حيث أطلقت القاهرة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، عقب بدء سريان اتفاقيتها، فى خطوة اعتُبرت من أهم أولويات القيادة السياسية المصرية خلال تلك المرحلة. وقد أسهم هذا المشروع فى الدفع نحو بناء تكتل اقتصادى ضخم يضم نحو 1.3 مليار نسمة وبحجم اقتصاد يقترب من 3.4 تريليون دولار، ليصبح بذلك أكبر منطقة تجارة حرة فى العالم منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية. وقد تبلور ذلك من خلال تصديق 33 دولة على الاتفاق المؤسس، وتقديم 18 دولة لجداول امتيازاتها التعريفية، إلى جانب انخراط عدد آخر من الدول فى تقديم عروضها الخاصة بتجارة الخدمات، وهو ما يعكس حجم الزخم الاقتصادى داخل القارة، ورغبة متزايدة فى الاندماج الاقتصادى الإفريقي.
وتواصل شركات المقاولات والإنشاءات المصرية تعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية بصورة متسارعة، حيث امتدت أنشطتها من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، لتتحول إلى أحد أهم أدوات الدولة المصرية فى تنفيذ مشروعات البنية التحتية خارج الحدود. ولم يعد دور هذه الشركات مقتصرًا على التنفيذ الفنى فقط، بل أصبح دورًا تنمويًا متكاملًا يشارك فى بناء شبكات الطرق والكبارى والسكك الحديدية والسدود ومشروعات الطاقة والإسكان والتعليم، بما يرسخ نموذجًا جديدًا للتعاون التنموى بين مصر والدول الإفريقية.
وتأتى هذه التحركات فى إطار استراتيجية مصرية أوسع تهدف إلى تعزيز الشراكة مع دول القارة السمراء، بما يسهم فى دعم التنمية المستدامة ورفع كفاءة البنية التحتية فى العديد من الدول الإفريقية. وتتنوع إسهامات الشركات المصرية ما بين إنشاء الجامعات والمراكز التعليمية، وتطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية، وبناء السدود ومحطات الطاقة، إلى جانب تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق العامة، وهو ما يعكس تنوع الخبرات المصرية وقدرتها على المنافسة فى بيئات عمل شديدة التعقيد.
وتبرز شركة المقاولون العرب باعتبارها واحدة من أعرق الشركات المصرية العاملة فى القارة الإفريقية، حيث تمتد أعمالها إلى أكثر من 24 دولة أفريقية. وقد نجحت الشركة فى تنفيذ عدد كبير من المشروعات الكبرى، من أبرزها مشاركتها فى إنشاء سد “جوليوس نيريرى” فى تنزانيا، إلى جانب دخولها فى تحالف استراتيجى مع شركة السويدى إليكتريك لتنفيذ سد ومحطة كهرومائية بقيمة 2.9 مليار دولار وبقدرة 2115 ميجاوات. كما توسعت أعمالها لتشمل إنشاء طرق وكبارى وجامعات ومستشفيات فى دول مثل ليبيا والجابون وأوغندا وبوروندى، إضافة إلى توقيع مذكرات تفاهم لإنشاء أول خط ترام فى العاصمة بوجومبورا.
وفى السياق ذاته، برزت شركة أوراسكوم للإنشاءات كأحد اللاعبين الرئيسيين فى السوق الإفريقية، حيث نفذت مشروعات متنوعة فى مجالات الطاقة والبنية التحتية، شملت إنشاء محطات كهرباء ومشروعات صناعية فى عدد من الدول الإفريقية، من بينها الجزائر. كما امتد نشاطها إلى القطاع الصحى من خلال المشاركة فى إنشاء مركز مجدى يعقوب لأمراض القلب فى رواندا، وهو ما يعكس تنوع محفظة أعمالها بين المشروعات الاقتصادية والخدمية ذات البعد الإنسانى.
أما شركة السويدى إليكتريك، فقد رسخت مكانتها كإحدى أهم الشركات المتخصصة فى حلول الطاقة المتكاملة، حيث نفذت مشروعات كبرى فى مجالات توليد ونقل وتوزيع الكهرباء فى عدة دول إفريقية. ومن أبرز مشروعاتها المشاركة فى سد روفيجى بتنزانيا ضمن التحالف المصرى، إلى جانب إنشاء محطات طاقة فى أنجولا ومحطات فرعية فى الكونغو الديمقراطية، فضلًا عن مشروعات الكابلات الكهربائية فى غانا ونيجيريا، ومشروعات الطاقة الشمسية فى جنوب السودان، بما يعكس توسعًا كبيرًا فى قطاع الطاقة بالقارة.
وتشهد القارة الإفريقية كذلك حضورًا متزايدًا لشركات مصرية أخرى، من بينها شركة حسن علام القابضة التى توسعت بقوة فى مشروعات البنية التحتية منذ عام 2021، عبر تنفيذ عدد من المشروعات فى دول إفريقية مختلفة. كما تبرز شركة سامكريت فى مجال الطرق والكبارى والبنية التحتية الإقليمية، فى إطار توسع يعكس قدرة الشركات المصرية على المنافسة فى الأسواق الإفريقية الصاعدة.
وقد لعب الدعم الحكومى المصرى دورًا محوريًا فى تعزيز هذا التواجد، من خلال توفير مظلة سياسية واقتصادية للشركات العاملة فى الخارج، وهو ما انعكس فى نجاح هذه الشركات فى الفوز بعدد من المناقصات الكبرى أمام شركات عالمية، سواء بشكل منفرد أو من خلال تحالفات استراتيجية، أبرزها تحالف المقاولون العرب والسويدى إليكتريك. كما استفادت هذه الشركات من الخبرات المتراكمة فى تنفيذ المشروعات القومية الكبرى داخل مصر، وهو ما منحها ميزة تنافسية واضحة فى الأسواق الإفريقية.
وتعد شركة المقاولون العرب نموذجًا متكاملًا للشركة المصرية متعددة الأنشطة فى القارة الإفريقية، حيث تمتد أعمالها إلى نحو 29 دولة فى أفريقيا وآسيا وأوروبا. ومن أبرز مشروعاتها فى غينيا الاستوائية تنفيذ شبكة طرق داخلية ومشروعات تطوير حضرى لعدد من القرى، إلى جانب تنفيذ مشروعات كبرى فى مجال البنية التحتية والمبانى الحكومية. كما شاركت فى كوت ديفوار فى تطوير المطارات وإنشاء الكبارى الحيوية، وفى نيجيريا فى تنفيذ مشروعات طرق ومجمعات حكومية ومرافق خدمية متكاملة.
أما فى تنزانيا، فيأتى مشروع سد روفيجى ومحطة توليد الكهرباء كأحد أكبر المشروعات الاستراتيجية فى القارة، بينما تمتد أعمالها فى بوروندى عبر مشروعات ترام ومشروعات طاقة كهرومائية. وفى أوغندا، نفذت الشركة استاد أكى بوا والمجمع الرياضى الأوليمبى، إلى جانب مشروعات تعليمية وصحية كبرى. كما تعمل فى تشاد على إنشاء فرع لجامعة الإسكندرية، وفى جنوب السودان على إنشاء فرع جامعى آخر بمدينة تونج، بما يعكس توجهًا متزايدًا نحو الاستثمار فى التعليم.
وفى الكونغو الديمقراطية، تنفذ الشركات المصرية مشروعات متعددة تشمل إنشاء مقرات حكومية وطرق داخلية ومشروعات مياه وصرف صحى، إضافة إلى مشروعات اتصالات ضخمة تنفذها شركة “بنية” المصرية. كما تمتد الأعمال إلى كوت ديفوار عبر إنشاء 6 محطات لمعالجة مياه الصرف الصحى فى عدد من المدن، بما يعزز البنية البيئية والخدمية.
أما شركة سامكريت، فتشارك فى مشروعات طرق كبرى فى أوغندا ومدغشقر والكونغو الديمقراطية، بقيمة تتجاوز المليار دولار، تشمل طرقًا تربط المراكز الاقتصادية والموانئ. كما فازت شركة المقاولون العرب بمشروعات طبية كبرى فى أوغندا، أبرزها معهد القلب فى كمبالا، بما يعكس توسع الشركات المصرية فى قطاع الصحة إلى جانب البنية التحتية.
وفى قطاع الطاقة، تواصل شركات مثل حسن علام والسويدى إليكتريك وبجسكو والشركة العربية للطاقة المتجددة التابعة للهيئة العربية للتصنيع تنفيذ مشروعات واسعة فى مجال محطات الطاقة الشمسية ونقل وتوزيع الكهرباء فى دول إفريقية متعددة، من بينها إريتريا وأوغندا والكونغو الديمقراطية وجيبوتى، بما يعزز من حضور مصر فى ملف الطاقة النظيفة داخل القارة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



