الحرب والجوع يلتهمان الأطفال والنازحين
السودان يحترق
وسط مشاهد الدمار والنزوح والجوع، تتفاقم المأساة الإنسانية فى السودان بصورة تنذر بكارثة غير مسبوقة، بعدما تحولت الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 أعوام إلى تهديد مباشر لحياة ملايين المدنيين، خاصة الأطفال والنساء. ولم تعد المعاناة تقتصر على فقدان الأمن والاستقرار، بل امتدت إلى نقص الغذاء والدواء، وتدهور الخدمات الأساسية، فى ظل صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
الجوع يهدد ملايين السودانيين
فى أحدث تقرير، حذّرت 3 منظمات أممية كبرى، هي: منظمة الأغذية والزراعة «فاو»، وبرنامج الأغذية العالمى، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، من أن أزمة الجوع فى السودان تتجه نحو مأساة كبرى، إذا لم يتحرك المجتمع الدولى بشكل عاجل.
وأكد تقرير التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى أن نحو 19.5 مليون شخص، أى اثنين من كل خمسة سودانيين، يعانون مستويات حرجة من الجوع خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026، موضحًا أن أكثر من 6 ملايين شخص يعيشون فى مرحلة الطوارئ الغذائية، بينما يواجه نحو 14 مليونًا مرحلة الأزمة، فى حين يعانى 135 ألف شخص ظروفًا كارثية تقترب من المجاعة.
وتُعد فئة الأطفال الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، إذ تشير التقديرات إلى أن 825 ألف طفل دون سن الخامسة سيعانون سوء تغذية حادًا وخطيرًا خلال عام 2026، بزيادة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة. وأوضحت منظمة «يونيسف» أن استمرار العنف، وتدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار الخدمات الصحية، تمثل عوامل أساسية وراء تفاقم الأزمة.
ونقلت المنظمة عن مديرتها التنفيذية، كاثرين راسل، قولها إن بعض الأطفال يصلون إلى المراكز الصحية فى حالة ضعف شديد تمنعهم حتى من البكاء.
شهادات من قلب الأزمة
فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، قالت الدكتورة نازك أبو زيد، رئيس مكتب أطباء السودان من أجل حقوق الإنسان، إن الحرب فى السودان تسببت فى أكبر أزمة إنسانية وصحية كارثية وغير مسبوقة داخل البلاد، حيث يوجد ملايين النازحين داخليًا وخارجيًا، إذ بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 11 مليون شخص، إلى جانب 4 ملايين نازح فى دول الجوار، خاصة مصر.
وأضافت أن أكثر من 20 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد، بينما يهدد خطر المجاعة نحو 14 منطقة فى السودان، ما يعنى أن أكثر من نصف سكان البلاد يعانون انعدام الأمن الغذائي. وأشارت إلى أنه وفق التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى، فإن هناك 5 ملايين شخص فى المرحلة الرابعة من الجوع «مرحلة الطوارئ»، إلى جانب قرابة مليونى شخص فى المرحلة الخامسة «مرحلة الكارثة».
وفيما يتعلق بالقطاع الصحى، أوضحت «أبو زيد» أن الحرب دمرت معظم المرافق الصحية، حيث خرج أكثر من 80 % من المستشفيات والمؤسسات والمرافق الطبية عن الخدمة، كما تعرضت مخازن الأدوية وشركات ومصانع الأدوية للنهب والتدمير الكامل، ما أدى إلى شبه انعدام للأدوية داخل السودان، وارتفاع أسعارها بصورة كبيرة.
وأضافت أن تدمير البنية التحتية، بما فى ذلك محطات الكهرباء وتحلية المياه، تسبب فى تدهور خدمات البيئة وندرة المياه الصالحة للشرب، الأمر الذى أدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، مثل الملاريا والكوليرا وحمى الضنك، إلى جانب تفشى الأمراض الناتجة عن سوء التغذية الحاد.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ أكدت أن القدرة الاستيعابية للرعاية الصحية انهارت بسبب النقص الحاد فى الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية الأساسية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الصحية لأصحاب الأمراض المزمنة، ووصولها فى كثير من الحالات إلى الوفاة، خاصة بين مرضى الفشل الكلوى والسرطان وأمراض القلب والشرايين.
وبالنسبة لوضع الأطفال داخل السودان، أوضحت «أبو زيد» أنهم يواجهون مخاطر كبيرة منذ لحظة الولادة، حتى أصبح السودان يسجل واحدًا من أعلى معدلات وفيات الأطفال فى العالم، نتيجة معاناة الأمهات من سوء التغذية وغياب المتابعة الصحية أثناء الحمل، بسبب انهيار الخدمات الصحية ونقص الأدوية والفحوصات، ما يؤدى إلى الولادات المبكرة وإنجاب أطفال يعانون منذ أنفاسهم الأولى من الأنيميا، فضلًا عن النقص الحاد فى الحضانات المخصصة للأطفال الخدّج؛ مؤكدة أن هذه العوامل أدت إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والمواليد.
وأضافت أن ثلثى الأطفال فى المناطق المتأثرة بالحرب والقتال يعانون درجات متفاوتة من سوء التغذية، إلى جانب الإصابة بأمراض ناجمة عن نقص التطعيمات، الأمر الذى تسبب فى عودة أمراض كانت قد اختفت من السودان، مثل شلل الأطفال والسل والحصبة، الأخيرة التى تحولت إلى وباء حصد أعدادًا كبيرة من الأطفال فى مختلف الولايات، بما فيها الولايات التى لم تتأثر بالحرب بشكل مباشر.
وأشارت كذلك إلى أن 70 % من الأطفال يعانون الانقطاع عن الدراسة، حيث يوجد نحو 13 مليون طفل خارج نطاق التعليم.
وشددت «أبو زيد» على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولى بدوره فى الضغط من أجل إنهاء الحرب، والسماح بدخول الإمدادات الإنسانية العاجلة؛ مؤكدة أن الحرب تمثل السبب الرئيسى فى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية واستهدافها ونهبها، داعية إلى زيادة مساهمة العالم فى دعم السودان إنسانيًا.
أصوات من مخيمات النازحين بالسودان
أكد آدم رجال، المتحدث الرسمى باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، أن أوضاع المخيمات والنازحين فى السودان تشهد تدهورًا شديدًا، نتيجة تراجع الوضع الإنسانى والنقص الكبير فى المساعدات الإنسانية، مشددًا على أن الوضع يتطلب تحركات عاجلة وإرسال مساعدات لإنقاذ حياة ملايين النازحين داخل المخيمات.
وأوضح «رجال» أن أبرز التحديات التى تعيق وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية تتمثل فى القيود البيروقراطية، واستمرار تطورات الحرب، إلى جانب حرب المسيّرات التى تستهدف المساعدات والإمدادات، ما أدى إلى تفاقم الأزمة وصعوبة وصول الدعم إلى المحتاجين، فى ظل الظروف الإنسانية القاسية التى يعيشها النازحون.
وأضاف: إن المجاعة أصبحت منتشرة فى الأراضى السودانية، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية ونقص المساعدات، إلى جانب الارتفاع الكبير فى أسعار السلع المحلية نتيجة انهيار الاقتصاد السودانى، وهو ما انعكس سلبًا على حياة السكان داخل المخيمات.
وتوقع أن يصبح الوضع أكثر سوءًا خلال الفترة المقبلة، محذرًا من التوجه نحو كارثة إنسانية بالغة الصعوبة.
وفيما يخص الجانب الصحى، أكد «رجال» وجود تفشٍ واسع للأمراض فى مناطق عدة، وتحديدًا دارفور، إلى جانب تفاقم سوء التغذية نتيجة استمرار الحرب، فضلًا عن ندرة التطعيمات للأطفال والأمهات؛ مضيفًا أن العديد من الأسر بالكاد تحصل على وجبة صغيرة واحدة يوميًا.
وفى هذا السياق، أوضح أن الأطفال والأمهات يدفعون الثمن الأكبر لأزمة سوء التغذية والجوع، مشيرًا إلى وفاة عدد منهم نتيجة هذه الأوضاع الإنسانية الكارثية.
فى النهاية، يبدو من هذا المشهد الإنسانى القاتم أن الأزمة السودانية مرشحة لمزيد من التفاقم، فى وقت لا يزال فيه الأطفال والنساء الفئة الأكثر دفعًا لثمن مأساة باتت تهدد مستقبل السودان بأكمله.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



