الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الحج بين التقنية والروحانية

الإدارة الذكية للحج أنظمة مراقبة ومراكز تحكم لتأمين ملايين الحجاج

بوابة روز اليوسف

مع اقتراب يوم عرفة، حيث يقف ملايين المسلمين الثلاثاء المقبل على صعيد عرفات الطاهر، تتجه أنظار العالم الإسلامى إلى المملكة العربية السعودية، التى تستعد سنويًا لإدارة واحدة من أعقد وأكبر العمليات التنظيمية والخدمية واللوجستية على مستوى العالم. الحج لم يعد مجرد موسم دينى تقليدى، بل أصبح نموذجًا عالميًا متكاملًا لإدارة الحشود والمدن الذكية والخدمات الرقمية والبنية التحتية العملاقة، فى تجربة تتكرر خلال أيام معدودة ثم تختفى بانتهاء المناسك. لتعود المشاعر المقدسة إلى هدوئها المعتاد حتى العام التالى.

 

فى الوقت الذى يقف فيه الحجاج على صعيد عرفات ملبين ومبتهلين، تتجه قلوب ملايين المسلمين بالدعاء والرجاء، قبل أن تستقبل الأمة الإسلامية فجر العيد بأجواء مليئة بالروحانية والفرح وصلة الأرحام وإحياء الشعائر المباركة. ومع غروب شمس يوم عرفة، تبدأ جموع الحجاج نفرتها إلى مشعر مزدلفة، حيث يبيتون ليلتهم اقتداءً بسنة النبى صلى الله عليه وسلم، استعدادًا للتوجه فجر يوم النحر إلى مشعر منى لرمى جمرة العقبة الكبرى وأداء بقية مناسك الحج، وسط منظومة تنظيمية وخدمية متكاملة تعمل بتنسيق دقيق لضمان انسيابية الحركة وسلامة الحجاج.
 


بعد إتمام المناسك الأساسية، يتوافد مئات الآلاف من الحجاج إلى المسجد الحرام لأداء طواف الإفاضة، فيما تتواصل أجواء عيد الأضحى بالصلاة والتكبير والدعاء، لتكتمل التجربة الروحانية فى أجواء مهيبة تملؤها الخشوع والسكينة. وتتواصل مناسك الحج خلال أيام التشريق فى مشعر منى، حيث يبيت الحجاج ويرمون الجمرات فى إطار منظومة خدمات متكاملة، تسخر المملكة كل إمكاناتها لضمان راحتهم وسلامتهم حتى إتمام المناسك ومغادرتهم بسلام.
 


 المشاعر المقدسة.. مدينة تظهر لأيام ثم تختفى
 


من أكثر المشاهد الإدراكية إثارة فى موسم الحج هو التحول الذى تشهده المشاعر المقدسة خلال أيام معدودة، حيث تتحول إلى واحدة من أكبر المدن الذكية الموسمية فى العالم. تشمل هذه المدينة كل ما تتوقعه أى مدينة متقدمة من بنية تحتية كهربائية، وشبكات مياه واتصالات، ومراكز تحكم ومراقبة، ومستشفيات، ووسائل نقل متنوعة، ومرافق تشغيلية وخدمات رقمية وأمنية متكاملة. هذه المدينة العملاقة لا تعمل وفق المنطق التقليدى للمدن، بل وفق نموذج تشغيلى معقد يعتمد على إدارة الوقت والكثافة البشرية القصوى، والحركة المتزامنة لملايين الأشخاص ضمن مساحة محددة، وفى توقيتات دقيقة للغاية لضمان سير المناسك بأمان وفاعلية.
 


تبدأ الاستعدادات لموسم الحج بفترة طويلة قبل حلول الموسم، من خلال تحديث البنية التحتية، واختبار الأنظمة الرقمية، ورفع الجاهزية التشغيلية، وتنفيذ المشاريع التطويرية، وإجراء التجارب والمحاكاة الميدانية. كل هذه الجهود تهدف إلى ضمان جاهزية كل الخدمات والأنظمة لتعمل بكفاءة عالية فور وصول الحجاج، دون أى اختناقات أو أعطال قد تؤثر على تجربتهم الروحانية.
 


 «كدانة».. العقل التشغيلى للمشاعر المقدسة
 


فى قلب هذه المنظومة العملاقة، تعمل شركات عديدة كأذرع تنفيذية للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، على إدارة وتنفيذ حزمة ضخمة من المشاريع التشغيلية والتطويرية. تستهدف هذه المشاريع رفع كفاءة البنية التحتية وتحسين تجربة الحجاج عبر نموذج متكامل يربط بين التخطيط العمرانى، وإدارة الحشود، والخدمات الميدانية، والبنية التحتية، والتقنيات الذكية. يضمن هذا النموذج سرعة الاستجابة ومرونة التشغيل واستدامة الأداء، ليصبح المشهد أكثر انسيابية وتناغمًا مع الأعداد الضخمة للحجاج من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة.
 


 بنية تحتية تعمل بلا توقف
 


تعتمد إدارة الحج اليوم بصورة متزايدة على التكنولوجيا والبيانات والأنظمة الذكية، حيث تُدار المشاعر المقدسة عبر شبكة متكاملة من مراكز التحكم والمراقبة والأنظمة التشغيلية التى تتابع كل التفاصيل لحظة بلحظة. تشمل هذه المنظومة مركز المراقبة والتحكم عبر نظام «سكادا»، ومركز «مالك» لإدارة البلاغات، ومركز «تسليم» المتخصص فى تحليل البيانات ومتابعة العمليات التشغيلية، بما يعزز سرعة الاستجابة واتخاذ القرارات فى الوقت المناسب. هذه المنظومة الرقمية تتيح مراقبة الخدمات والمرافق وشبكات الطاقة والمياه والحركة الميدانية بشكل لحظى، ما يرفع كفاءة التشغيل ويقلل احتمالات الأعطال أو الازدحامات، ويضمن انسيابية حركة الحجاج.
 


 الطاقة والمياه.. شريان الحياة فى المشاعر
 


من أعقد التحديات التى تواجه أى مدينة موسمية بهذا الحجم، تأمين الإمدادات المستمرة من الكهرباء والمياه لملايين الأشخاص فى وقت واحد. ولهذا، تعمل المملكة على تحديث شبكات الطاقة والمياه بصورة مستمرة، مع تنفيذ مشاريع تطويرية ضخمة لضمان استقرار الإمدادات ورفع كفاءة التشغيل، خاصة خلال أوقات الذروة. كما تعمل «كدانة» على تطوير البنية التقنية والخدمية داخل المخيمات، من خلال إحلال وتطوير شبكات الحريق والتبريد، وإنشاء شبكات جهد متوسط ومنخفض بسعة إجمالية تتجاوز 550 ميجا فولت أمبير، إضافة إلى تحديث اللوحات الكهربائية فى الخيام الرئيسية، بما يعزز السلامة التشغيلية ويرفع جودة الخدمات المقدمة للحجاج.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط