لا أتصور وجود دارس فى كليات الشريعة أو داعية فى جامع أو مؤذن فى مسجد لا يؤمن إيمانا مطلقا بأن الإسلام دين ودولة، وأن القرآن يحوى كل شيء فى الحياة، ولم يترك شاردة أو واردة دون أن يفسرها أو يوضحها أو يقول فيها رأيا قاطعا، ويظن هؤلاء جميعا أن أى تصور خلاف ذلك ينتقص من صحيح الدين، وربما يهبط بالإسلام درجات عن المرتبة السامية التى يضعونه فيها.
والمدهش ولا واحد من هؤلاء حاول اختبار هذه الأفكار على نصوص القرآن ومقاصد الدين، حتى يتيقن أن الدولة فعلا من أسس الدين، لا يكتمل إيمان المسلم إلا بها، ولا يصح إسلامه دون أن يسعى إليها!
ويتحدث هؤلاء عن دولة يثرب بعد الهجرة إليها، باعتبارها أول دولة أسسها الإسلام ووضع لها النبى ميثاق التعاملات، والدولة فى العلوم السياسية هى أرض وشعب وسلطة، ولم يسأل ولا واحد فيهم سؤالا فى غاية البساطة: هل كان الاختلاف بين مكة ويثرب قائما فى تكوين السلطة أم فى تفاصيل علاقات ومعاملات نزلت فيها نصوصا من الله تحددها، كالميراث والزواج والطلاق والحدود والبيع والشراء وتحريم الربا والقصاص كما فى سُوَر النساء، والبقرة، والمائدة، والنور؟
ثمة سُوَر مدنية أيضا فيها قواعد عامة فى رد الاعتداء، مثل سورتى النحل والإسرا، ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا).
وحين يسأل المرء: وما هى القواعد التى تحكم الدولة الإسلامية، والنصوص القرآنية التى تحكمها؟
وأسمحوا لى بملاحظة مبدئية بما أننا نتكلم عن الإسلام فلابد أن نحدد معنى المصطلحات حتى لا نتوه ونبعد عن المعانى المراد شرحها، وهنا علينا أن نفرق بين مصطلحين: تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين، تاريخ الإسلام هو المتعلق بالدِّين وما أحاطه من أحداث وأفعال منذ نزول الوحى إلى وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أى تاريخ الرسالة، أما تاريخ المسلمين فهو ما يتعلق بالذين أمنوا بالإسلام وما جرى لهم من أحداث ووقائع وتفسيرات واجتهادات فى الحياة بكل جنباتها بعد اللحظة التالية لوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى اللحظة الحاضرة.
المصطلح الأول يشمل أفعالا مقدسة منزهة وعلاقات محددة نزلت بها آيات القرآن وتصرف على أساسها الرسول عليه الصلاة والسلام تفسيرا وشرحا لأنها لم تكن مفصلة أو قابلة للتأويل، وغير قابلة للتغيير مثل أحكام الزواج والطلاق والميراث والزكاة والشروط العامة للبيع والشراء وتحريم الربا، وقد نختلف فى تعريف مصطلح الربا، هل المقصود به ربا فردى أو ربما جماعى، بمعنى هل حين تستلف شركة مساهمة قرضا من بنك هو نفسه شركة أخرى لتوسيع أعمالها هل هو ربا مثل أن يستلف شخصٌ محتاج قرضا من شخصٍ مقتدر بفائدة؟!
المصطلح الثانى الخاص بالمسلمين يشمل أفعالا بشرية لا مقدسة ولا منزهة أيا كان أصحابها، وكلها مفاهيم وتفسيرات بشرية للنص الدينى تقبل الصواب والخطأ ومحكومة بتطور الزمان والمكان، وبسبب بشرية هذه المفاهيم والتفسيرات اندلعت حروب وسالت دماء وأهدرت ثروات للاختلاف حول مدى قدسيتها الدينية من أول حروب الردة إلى حروب الميليشيات المسلحة فى دول إسلامية عربية وغير عربية!
وإذا سألنا سؤال بسيطا: ما هى الأحكام والقواعد التى تحكم الدولة الإسلامية؟
فى مقالات منشورة فى كتب أو مواقع إسلامية اجتهدت فى تفسير مبادئ الحكم والسلطة فى الإسلام، حددت مصدرين للشرعية فى الدولة الإسلامية:
الأول: مرجعية قانونية قيمية عليا تستند إليها الدولة فى كل سياساتها، مما يجعل تلك السياسات والتصرفات النابعة منها عبارة عن تطبيقات مباشرة لنصوص الشريعة أو اجتهادات لها أصول معترف بها، واستعان الكتاب والمفسرون بسورتى المائدة والنساء تدليلا وبرهانا، قال تعالي: «فأحكم بينهما بما أنزل الله» (سورة المائدة)، «إن تنازعتم على شيء فردوه إلى الله والرسول» (سورة النساء)
الثاني: الشورى، قال تعالي: « وأمرهم شورى بينهم» (سورة الشورى)، «وشاورهم فى الأمر» (سورة آل عمران). كما يلخص كثير من الفقهاء والمفسرين علاقة الحاكم بالمحكوم فى قوله تعالي: «يا أيها الذين أمنوا أَطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» ( سورة النساء).
وقطعا هذه أوامر وقواعد رائعة وسامية، لكن: هل الدول تقوم على ذلك فحسب؟
إذا فصلنا مثلا من أمور الدولة «الإسلامية» علاقاتها بالدول الأخرى، سنجد العلاقة تتحدد فى شكل وحيد وهو الحرب أو السلم، بشروط تتعلق بالدعوة إلى الدين ومحاربة الكفر.. إلخ، ومسألة الحرب ضد الدولة التى لا تؤمن بالإسلام ولا تسمح بالدعوى إليه صعبة للغاية، إذا أن ما يقرب من 74 % من سكان الأرض غير مسلمين، و40 % على الأقل ليسوا من أهل الكتاب، فهل مفسروا آيات السيف والقتال يدركون استحالة هذه الحروب؟، وقطعا معظم هؤلاء المفسرين من عصور قديمة لم يكن يعلموا شيئا عن عدد سكان الأرض والديانات التى يؤمنون بها، وكانت تصوراتهم منقوصة أو مقصورة فقط على البقعة الجغرافية التى يعيشون فيها.
السؤال الأهم: ما الأسس التى تقوم عليها الدولة وتنظم بها العلاقات بين حكامها ومواطنيها أو مواطنيها بعضهم بعضا؟
قطعا لا يعرف هؤلاء الفقهاء ورجال الدين أن الدولة ليس لها شكلا واحدا، فالدولة قد تكون بسيطة موحدة أو دولة مركبة متحدة ولها شكلان كونفيدرالى أو فيدرالي.. فأى شكل من الدولة هى الدولة الإسلامية؟
ثانيا: ما النظرية السياسية المتكاملة التى تحكمها؟، هل الشورى والطاعة يؤسسان دولة؟، مبدئيا الدولة الوطنية «مصطلح حديث» وأيضا تركيبتها، والسؤال: هل هناك قواعد دينية تحدد طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين سلطاتها المختلفة؟، هل هناك أسس دينية قامت عليها الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية تعد دليلاً إرشاديًا إلى الدولة الحديثة؟، ماذا تعنى الفروق فى نظم الحكم بين الخلفاء الراشدين أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب؟، وكيف نفهم الصراعات والحروب التى نشبت فى أزمانهم إذا كانت القواعد معروفة ومحددة فى كتاب الله ولا تقبل تأويلات تستدعى حروبا ودماء؟!
باختصار طرأت تغييرات على وظائف الدولة والحاكم والمؤسسات بحكم التطور، بينما جمهور المفسرين يتكلمون عن دولة «شرقية» متخلفة، لا تمت لعصرها بصلة، نهيك عن النظام الاقتصادى والنظريات الاقتصادية، ولا يمكن اعتبار تحريم الربا الذى مازالنا نختلف على تحديد مفاهيمه، والزكاة وشروط البيوع نظاما اقتصاديا؟، هل مازال تسعة أعشار الرزق فى التجارة؟!، بالمناسبة كل صناعات أمريكا التقليدية بكل انتاجها الرهيب تمثل أقل من 30 % من الدخل القومى الأمريكى، لأن المعرفة وإنتاج أدواتها تدر أكثر من 60 %.
باختصار..أهم أسباب العنف والتطرّف والقتل هو الفهم الخاطئ لمعنى الدولة، وأن الدولة جزء من الدين، مع أن الدولة تتوسع وتنكمش، تقوم وتختفى، تنهار وتنقرض، لكن الدين دائم ومطلق، وهذا لا يعنى أن نعزل الدين عن المجتمع، فهذا لا يصح، والإسلام دين ومجتمع، فيمكن أن أكون مسلما مؤمنا فى الاسكيمو أو فوق جبال الأنديز أو فى جزر الكنارى أو على شواطئ المحيط الجنوبى، وأسس فى مكانى مجتمعا مسلما، وليس دولة، لأنها مستحيلة!
نعم..تفكيك الأفكار التى تسبب العنف هو بداية تجديد الفكر الديني.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



