الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا أتصور وجود دارس فى كليات الشريعة أو داعية فى جامع أو مؤذن فى مسجد لا يؤمن ‏إيمانا مطلقا بأن الإسلام دين ودولة، وأن القرآن يحوى كل شيء فى الحياة، ولم يترك شاردة أو ‏واردة دون أن يفسرها أو يوضحها أو يقول فيها رأيا قاطعا، ويظن هؤلاء جميعا أن أى ‏تصور خلاف ذلك ينتقص من صحيح الدين، وربما يهبط بالإسلام درجات عن المرتبة ‏السامية التى يضعونه فيها.‏

 


والمدهش ولا واحد من هؤلاء حاول اختبار هذه الأفكار على نصوص القرآن ومقاصد الدين، ‏حتى يتيقن أن الدولة فعلا من أسس الدين، لا يكتمل إيمان المسلم إلا بها، ولا يصح إسلامه ‏دون أن يسعى إليها!‏
 


ويتحدث هؤلاء عن دولة يثرب بعد الهجرة إليها، باعتبارها أول دولة أسسها الإسلام ووضع ‏لها النبى ميثاق التعاملات، والدولة فى العلوم السياسية هى أرض وشعب وسلطة، ولم يسأل ‏ولا واحد فيهم سؤالا فى غاية البساطة: هل كان الاختلاف بين مكة ويثرب قائما فى تكوين ‏السلطة أم فى تفاصيل علاقات ومعاملات نزلت فيها نصوصا من الله تحددها، كالميراث ‏والزواج والطلاق والحدود والبيع والشراء وتحريم الربا والقصاص كما فى سُوَر النساء، ‏والبقرة، والمائدة، والنور؟
 


‏ ثمة سُوَر مدنية أيضا فيها قواعد عامة فى رد الاعتداء، مثل سورتى النحل والإسرا، ( وَإِنْ ‏عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى ‏حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ ‏مَنْصُورًا).‏
 


وحين يسأل المرء: وما هى القواعد التى تحكم الدولة الإسلامية، والنصوص القرآنية التى ‏تحكمها؟
 


وأسمحوا لى بملاحظة مبدئية بما أننا نتكلم عن الإسلام فلابد أن نحدد معنى المصطلحات ‏حتى لا نتوه ونبعد عن المعانى المراد شرحها، وهنا علينا أن نفرق بين مصطلحين: تاريخ ‏الإسلام وتاريخ المسلمين، تاريخ الإسلام هو المتعلق بالدِّين وما أحاطه من أحداث وأفعال منذ ‏نزول الوحى إلى وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أى تاريخ الرسالة، أما تاريخ المسلمين فهو ما يتعلق بالذين ‏أمنوا بالإسلام وما جرى لهم من أحداث ووقائع وتفسيرات واجتهادات فى الحياة بكل ‏جنباتها بعد اللحظة التالية لوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى اللحظة الحاضرة.‏
 


المصطلح الأول يشمل أفعالا مقدسة منزهة وعلاقات محددة نزلت بها آيات القرآن وتصرف ‏على أساسها الرسول عليه الصلاة والسلام تفسيرا وشرحا لأنها لم تكن مفصلة أو قابلة للتأويل، وغير قابلة للتغيير ‏مثل أحكام الزواج والطلاق والميراث والزكاة والشروط العامة للبيع والشراء وتحريم الربا، ‏وقد نختلف فى تعريف مصطلح الربا، هل المقصود به ربا فردى أو ربما جماعى، بمعنى هل ‏حين تستلف شركة مساهمة قرضا من بنك هو نفسه شركة أخرى لتوسيع أعمالها هل هو ربا ‏مثل أن يستلف شخصٌ محتاج قرضا من شخصٍ مقتدر بفائدة؟!‏
 


المصطلح الثانى الخاص بالمسلمين يشمل أفعالا بشرية لا مقدسة ولا منزهة أيا كان أصحابها، ‏وكلها مفاهيم وتفسيرات بشرية للنص الدينى تقبل الصواب والخطأ ومحكومة بتطور الزمان ‏والمكان، وبسبب بشرية هذه المفاهيم والتفسيرات اندلعت حروب وسالت دماء وأهدرت ‏ثروات للاختلاف حول مدى قدسيتها الدينية من أول حروب الردة إلى حروب الميليشيات ‏المسلحة فى دول إسلامية عربية وغير عربية!‏
 


وإذا سألنا سؤال بسيطا: ما هى الأحكام والقواعد التى تحكم الدولة الإسلامية؟
 


فى مقالات منشورة فى كتب أو مواقع إسلامية اجتهدت فى تفسير مبادئ الحكم والسلطة فى ‏الإسلام، حددت مصدرين للشرعية فى الدولة الإسلامية:‏
 


الأول: مرجعية قانونية قيمية عليا تستند إليها الدولة فى كل سياساتها، مما يجعل تلك ‏السياسات والتصرفات النابعة منها عبارة عن تطبيقات مباشرة لنصوص الشريعة أو ‏اجتهادات لها أصول معترف بها، واستعان الكتاب والمفسرون بسورتى المائدة والنساء تدليلا ‏وبرهانا، قال تعالي: «فأحكم بينهما بما أنزل الله» (سورة المائدة)، «إن تنازعتم على شيء ‏فردوه إلى الله والرسول» (سورة النساء)‏
 


الثاني: الشورى، قال تعالي: « وأمرهم شورى بينهم» (سورة الشورى)، «وشاورهم فى ‏الأمر» (سورة آل عمران). ‏كما يلخص كثير من الفقهاء والمفسرين علاقة الحاكم بالمحكوم فى قوله تعالي: «يا أيها الذين ‏أمنوا أَطِيعُوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم» ( سورة النساء).‏
 


وقطعا هذه أوامر وقواعد رائعة وسامية، لكن: هل الدول تقوم على ذلك فحسب؟‏
 


إذا فصلنا مثلا من أمور الدولة «الإسلامية» علاقاتها بالدول الأخرى، سنجد العلاقة تتحدد فى ‏شكل وحيد وهو الحرب أو السلم، بشروط تتعلق بالدعوة إلى الدين ومحاربة الكفر.. إلخ، ‏ومسألة الحرب ضد الدولة التى لا تؤمن بالإسلام ولا تسمح بالدعوى إليه صعبة للغاية، إذا ‏أن ما يقرب من 74 % من سكان الأرض غير مسلمين، و40 % على الأقل ليسوا من أهل ‏الكتاب، فهل مفسروا آيات السيف والقتال يدركون استحالة هذه الحروب؟، وقطعا معظم ‏هؤلاء المفسرين من عصور قديمة لم يكن يعلموا شيئا عن عدد سكان الأرض والديانات ‏التى يؤمنون بها، وكانت تصوراتهم منقوصة أو مقصورة فقط على البقعة الجغرافية التى ‏يعيشون فيها.‏
 


السؤال الأهم: ما الأسس التى تقوم عليها الدولة وتنظم بها العلاقات بين حكامها ‏ومواطنيها أو مواطنيها بعضهم بعضا؟
 


قطعا لا يعرف هؤلاء الفقهاء ورجال الدين أن الدولة ليس لها شكلا واحدا، فالدولة قد تكون ‏بسيطة موحدة أو دولة مركبة متحدة ولها شكلان كونفيدرالى أو فيدرالي.. فأى شكل من ‏الدولة هى الدولة الإسلامية؟
 


ثانيا: ما النظرية السياسية المتكاملة التى تحكمها؟، هل الشورى والطاعة يؤسسان دولة؟، ‏مبدئيا الدولة الوطنية «مصطلح حديث» وأيضا تركيبتها، والسؤال: هل هناك قواعد دينية تحدد ‏طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين سلطاتها المختلفة؟، هل هناك أسس دينية قامت عليها ‏الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية تعد دليلاً إرشاديًا إلى الدولة الحديثة؟، ماذا تعنى ‏الفروق فى نظم الحكم بين الخلفاء الراشدين أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن ‏عفان وعلى بن أبى طالب؟، وكيف نفهم الصراعات والحروب التى نشبت فى أزمانهم إذا ‏كانت القواعد معروفة ومحددة فى كتاب الله ولا تقبل تأويلات تستدعى حروبا ودماء؟!‏
 


باختصار طرأت تغييرات على وظائف الدولة والحاكم والمؤسسات بحكم التطور، بينما ‏جمهور المفسرين يتكلمون عن دولة «شرقية» متخلفة، لا تمت لعصرها  بصلة، نهيك عن ‏النظام الاقتصادى والنظريات الاقتصادية، ولا يمكن اعتبار تحريم الربا الذى مازالنا نختلف ‏على تحديد مفاهيمه، والزكاة وشروط البيوع نظاما اقتصاديا؟، هل مازال تسعة أعشار الرزق ‏فى التجارة؟!، بالمناسبة كل صناعات أمريكا التقليدية بكل انتاجها الرهيب تمثل أقل من 30 ‏‏% من الدخل القومى الأمريكى، لأن المعرفة وإنتاج أدواتها تدر أكثر من 60 %.‏
 


باختصار..أهم أسباب العنف والتطرّف والقتل هو الفهم الخاطئ لمعنى الدولة، وأن الدولة ‏جزء من الدين، مع أن الدولة تتوسع وتنكمش، تقوم وتختفى، تنهار وتنقرض، لكن الدين دائم ‏ومطلق، وهذا لا يعنى أن نعزل الدين عن المجتمع، فهذا لا يصح، والإسلام دين ومجتمع، ‏فيمكن أن أكون مسلما مؤمنا فى الاسكيمو أو فوق جبال الأنديز أو فى جزر الكنارى أو على ‏شواطئ المحيط الجنوبى، وأسس فى مكانى مجتمعا مسلما، وليس دولة، لأنها مستحيلة!‏
‏ نعم..تفكيك الأفكار التى تسبب العنف هو بداية تجديد الفكر الديني.‏

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط