لماذا لا ينتهى فكر التنظيم بالخارج؟
«الزواج العرفى»بين الإخوان والغرب
«عداوة» فى العلن و«تعاون» سرًا لتخريب المنطقة
فى أواخر العام الماضى تحركت الدول الغربية فى خطوات جريئة تأخرت لعدة عقود للتعامل مع تنظيم الإخوان الإرهابى فى إطار القانون بعدما ثبت توجهات التنظيم وتصرفات أتباعه فى هذه الدول.. هذه التحركات صنفت الإخوان كتنظيم إرهابى أو صنفت بعض المنظمات والجماعات المرتبطة به كمنظمات إرهابية.. لكن هذه التحركات التى ظهرت «فجأة» اختفت أيضا «فجأة» كما بدأت فى تصرف يثير الشك فى توجهات الدول الغربية ضد التنظيم الإرهابى.
لكن تعود العلاقة غير المفهومة أو المبررة إلى طبيعتها مرة أخرى للعلاقة السرية بين التنظيم الإرهابى والدول الغربية التى تقوم على المنفعة المتبادلة حيث تستخدم الدول الغربية التنظيم لمهاجمة الأنظمة التى لا تتوافق معها فى حين يستفيد التنظيم من الحماية الغربية سواء القانونية أو السياسية فى مواجهة الدول التى تعانى من الجرائم التى ارتكبها.
الدليل على المصلحة المتبادلة بين الإخوان والدول الغربية هو «بطء» أو «تجميد» القرارات التى تم اتخاذها ضد التنظيم سواء القرارات بالحظر أو وضعه على قوائم الإرهاب، حيث لم يعد الأمر كونه «حبرًا على ورق» ولم تتعامل هذه الدول بجدية عن الموضوع واكتفت بالقرار فقط دون اى تحرك ضد التنظيم أو قادته أو حتى البحث فى مصادر تمويله ودعمه للإرهاب.
وهنا يظهر سؤال منطقى كيف تقوم دول غربية كألمانيا بتصنيف بعض المؤسسات التابعة للتنظيم كمؤسسات إرهابية وتترك أو تغض الطرف عن «التنظيم الأم» باعتباره المنبع الأساسى للإرهاب.. كيف تتعامل مع الفرع وتترك الأصل!
لو استعرضنا بشكل بسيط التحركات الأمنية فى الدول الغربية وتحذيرها من خطورة تنظيم الإرهاب ندرك أن هناك إغفالا متعمدًا للتعامل مع هذا الملف.. بحسب دراسة أجراها «المركز الأوروبى لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات» فإن المنظمات ذات الخلفية الإخوانية فى أوروبا وأمريكا الشمالية تتشارك المرجعية الفكرية المستمدة من كتابات يوسف القرضاوى وسيد قطب ومؤسسى الحركة التاريخيين، كما تعتمد نموذج «التمكين الاجتماعى» عبر الجمعيات والمراكز الإسلامية.
تُظهر تقارير الاستخبارات الفرنسية، وخاصة وثيقة جهاز الأمن الداخلى الفرنسى لعام 2018 حول «التيارات الإسلامية فى فرنسا»، أن الجماعة تعتمد نموذجًا شبكيًا عابرًا للحدود يقوم على تبادل الخبرات وبرامج التدريب وتنسيق الأنشطة التعليمية والدعوية بين المراكز المنتشرة فى أوروبا والولايات المتحدة. وترصد الوثيقة وجود قنوات دعم لوجستى واستشارى بين هذه المراكز، لكنها تشدد فى الوقت ذاته على غياب أى بنية تنظيمية موحدة أو قيادة دولية صلبة تتحكم فى مجمل النشاط.
وتضيف الدراسة أن تقديرات أوروبية مختلفة، مثل تقارير البرلمان الأوروبى حول التطرف غير العنيف (2020) وتقارير الاستخبارات الألمانية الداخلية ، تتفق مع هذا الاتجاه؛ إذ تُصنّف الجماعة كشبكة عالمية تعتمد الروابط الفكرية والمرجعية الأيديولوجية المشتركة أكثر من اعتمادها على مركز قرار عالمى. وتشير هذه التقديرات إلى أن قوة الإخوان فى الغرب تأتى من العمل المؤسسى المتنامى وقدرتهم على الاستفادة من الأنظمة الديمقراطية عبر إنشاء اتحادات ومجالس ومنظمات تعمل بشكل قانونى، وليس من خلال هيكل تنظيمى دولى موحد.
صعود الإسلام السياسى فى فرنسا
مجلس الأمن القومى فى فرنسا يبحث تقريرا عن الخطر الذى تشكله جماعة الإخوان فى فرنسا يؤكد أن جماعة الإخوان الإرهابية تشكل «تهديدًا للتماسك الوطنى»، ويدعو إلى اتخاذ إجراءات للحد من انتشار «الإسلام السياسى».
وجاء فى التقرير الذى أعده اثنان من كبار موظفى الخدمة المدنية ونشرته وكالة الأنباء الفرنسية أن واقع هذا التهديد، حتى لو كان طويل الأمد ولا ينطوى على أعمال عنف، يشكل خطرًا على نسيج المجتمع والمؤسسات الجمهورية. مضيفًا أن هذه الظاهرة تشكل تهديدًا على المدى ويطالب باتخاذ إجراءات حازمة وطويلة الأجل على الأرض لوقف «صعود» الإسلام السياسى.
وسلط التقرير الضوء على «الطبيعة التخريبية للمشروع»، قائلًا إنه يهدف إلى «إحداث تغييرات تدريجية فى القواعد المحلية أو الوطنية»، لا سيما تلك المتعلقة بالعلمانية والمساواة بين الجنسين، وارجع التقرير إلى أن جماعة الإخوان تفقد نفوذها فى العالم العربى وتركز جهودها على أوروبا، حيث تقوم باختراق واسع النطاق داخل المجتمع الفرنسى، عبر شبكة مؤسسات وأفراد، وتقوض الدولة الفرنسية من الداخل بشبكة واسعة من العناصر والمؤسسات المتغلغلة».
يوجد فى فرنسا 139 مكان عبادة تابعة لمسلمى فرنسا تعتبر- بحسب التقرير- مقارا رئيسية للإخوان رغم نفى الجماعة فضلا عن 68 مكانا آخر يعتبر قريبًا من الجماعة، موزعة على 55 مقاطعة فرنسية، مما يشكل 7 بالمئة من إجمالى 2800 دار عبادة إسلامى فى فرنسا، و10بالمئة من أماكن العبادة التى افتتحت بين عامى 2010 و2020 أى بعد ما أطلق عليه ثورات الربيع العربى والتصدى لها وفرار معظم قادة الإخوان إلى أوروبا.
وبحسب تقرير استخباراتى رسمى كشف عن خريطة دقيقة لانتشاره داخل المدن الكبرى، عبر شبكات جمعيات ومدارس ومساجد مرتبطة بتوجهات إخوانية وسلفية.
خطة التغلغل تلك، نشرت مقتطفات منها، صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، عبر تقرير استخباراتى مؤلف من 74 صفحة أُنجز بطلب من مسئولَين حكوميين رفيعى المستوى فى مايو 2024، أى قبل قرار حل الجمعية الوطنية الفرنسية، كشف عن نظام موازٍ ومعقد للإسلام السياسى فى عدد من المناطق الفرنسية، خاصة ليل، ليون، ومرسيليا.
ووفق التقرير، فإن هناك 280 جمعية مرتبطة بجماعة الإخوان تنشط فى مجالات متنوعة، تشمل الدين والأعمال الخيرية والتعليم والمجالات المهنية والشبابية وحتى المالية.
وفى 2015، خلصت مراجعة الحكومة البريطانية لجماعة الإخوان والتى كلف بها رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون، إلى أن التنظيم يتسم بالسرية ويمارس خطابًا مزدوجًا «معتدلًا فى العلن ومتطرفًا فى الخفاء» وحذرت من أن أيديولوجية الجماعة وشبكتها تمثل خطرًا محتملًا على القيم الديمقراطية.
ومع ذلك، وبعد ما يقرب من عقد، يظل التقرير مهملا بينما تواصل الجماعة ترسيخ وجودها داخل المجتمع المدنى، بحسب أبراهامز.
ومثلت بريطانيا ملاذًا آمنًا لعناصر تنظيم الإخوان الهاربين من مصر منذ عام 2013، كما تعد المعقل الأكبر للتنظيم داخل أوروبا، حيث تأسس فرع الإخوان فى لندن منذ نهاية خمسينيات القرن الماضى لتصبح مقرًا رئيسيًا لانطلاق الإخوان نحو دول أوروبية أخرى، ويرتبط الإخوان فى بريطانيا بمنظومة مهمة للغاية من المصالح، التى ترتبط بأمور سياسية وأمنية واجتماعية، جعلت لهم أهمية كبرى لدى الحكومات المتعاقبة، ويتم ذلك من خلال نظام مؤسسى محكَم، حيث يشمل منظومة من الجمعيات، وصلت إلى ما يقارب (60) منظمة داخل بريطانيا. فيما تنامت حجم الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة لجماعة الإخوان فى بريطانيا. وتشير التقديرات إلى أن تنظيم الإخوان يمتلك ثروات مالية تتراوح بين (8 – 10) مليارات دولار.
ألمانيا تحظر جمعية وتترك باقى التنظيم
حظرت السلطات الألمانية جمعية (إنتر أكتيف) الإسلامية، متهمة إياها بأنها «تعادى النظام الدستورى وترفض مبدأ الديمقراطية» وتدعو لإقامة الخلافة، وأجرت أيضا عمليات تفتيش فى جمعيتين إسلاميتين أخريين لأسباب مماثلة، وبموجب هذا الحظر، سيجرى حل جمعية (إنتر أكتيف) الإسلامية ومصادرة أصولها.
ووفقا لبيان وزارة الداخلية الألمانية، جرى تفتيش سبعة عقارات فى هامبورج و12 عقارا فى برلين وولاية هيسه، فى إطار التحقيقات الأولية مع جمعيتى «جينيريشن إسلام» و«ريليتايت إسلام».
لفتت هذه الجمعية الأنظار على المستوى المحلى فى مطلع عام 2024 بعد تنظيم احتجاج فى هامبورج شارك فيه نحو ألف شخص رافعين لافتات كُتب عليها «الخلافة هى الحل» و«المسلمون لن يلتزموا الصمت». حيث رأت السلطات المحلية أن أنصار الجمعية «أظهروا بعدا تنظيميا يعكس تنسيقا وتناغما أقرب إلى المجموعات العسكرية» ورفعت المظاهرة شعارات جماعة الإخوان، مثل «الخلافة هى الحل»، متخفية خلف جدار دعم غزة وتأسست الجمعية عام 2020 وتنظم احتجاجات وتنشط على منصات التواصل الاجتماعى المختلفة.
وتنفى الجمعية الاتهامات بسعيها إلى قلب النظام الاجتماعى، ومسلم إنتراكتيف تقود جيلا جديدا من التنظيمات المحسوبة على الإخوان، وتركز خطابها على الأجيال الشابة. ويتركز وجود هذا الجيل الجديد من الإخوان، فى هامبورغ وظهر فى أحيان أخرى ببرلين، وبرزت كحركة فى الأعوام الثلاثة الأخيرة تحت اسم «مسلم إنتراكتيف» تضم مهاجرين من خلفيات مختلفة، وأجيالا من الألمان المنحدرين من أصول مهاجرة، وتنطلق من الإنترنت إلى الشوارع.
واشنطن تدعم تنظيم الإخوان
العلاقة بين واشنطن والإخوان والتنسيق بين الإدارات الأمريكية وقيادات التنظيم لم يتوقف منذ خمسينيات القرن الماضى، حيث التقى الرئيس الأمريكى أيزنهاور مع كبار قادة الحركة الإسلامية حول العالم، وكان من ضمنهم سعيد رمضان صهر حسن البنا واحتضنت الولايات المتحدة أنشطة سعيد رمضان فى أوروبا فى الخمسينيات والستينيات، واعتبرت الإخوان أداة متقدمة ورأس حربة فى الشرق الأوسط لمواجهة الشيوعية والمد السوفيتى، واستضافت الولايات المتحدة على أرضها منظمات إخوانية بدأت بإنشاء رابطة الطلبة المسلمين MSA فى سنة 1963م، ورابطة الطلاب المسلمين MSN التى أسسها الإخوان، وهى من أهم المؤسسات التى نشطت فى الجامعات الأمريكية، وخرج منها حوالى 600 رابطة طلابية.
إدارة ترامب تحاول تنفيذ ما وعد به من تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابى اثناء حملته الانتخابية حيث سبقها ثلاث محاولات عديدة فى عهد الرئيس أوباما سنة 2015م، وكذلك فى سنة 2017، وسنة 2018م لكنها فشلت نتيجة قلة الأدلة القانونية وكانت المناقشات التى تمت فى الجلسة التى تم تخصيصها من لجنة الأمن القومى فى الكونجرس والتى تم تخصيصها لمناقشة خطر تنظيم الإخوان، قد ارتفعت فيها أصوات ترى بأن الإخوان يمكن أن يكونوا بوابة للتطرف.
أثناء محاكمات جمعيات إخوانية فى أمريكا ظهرت وثيقة حملت عنوان «مذكرة تفسيرية.. الهدف الاستراتيجى العام للجماعة فى أمريكا الشمالية» المكونة من 18 صفحة ظهرت فى عام 2007 أثناء محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة – وهى أكبر قضية تمويل للإرهاب فى تاريخ الولايات المتحدة وكشفت هذه الوثيقة التى صدرت عام 22 مايو عام 1952 حوالى 29 منظمة قالت إنها «قائمة بمؤسساتنا ومؤسسات أصدقائنا.. تخيل لو أنها كانت تسير بخطة واحدة، الخطة الإخوانية للسيطرة على الولايات المتحدة ذاتها بدأت منذ عام 1991 حيث وضعت جماعة الإخوان استراتيجيتها طويلة الأمد لغزو أمريكا الشمالية من خلال ما أسمته «عملية حضارية جهادية» تهدف إلى «تخريب» و«القضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل».
الوثيقة التى حملت عنوان« مذكرة تفسيرية.. الهدف الاستراتيجى العام للجماعة فى أمريكا الشمالية» المكونة من 18 صفحة ظهرت فى عام 2007 أثناء محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة – وهى أكبر قضية تمويل للإرهاب فى تاريخ الولايات المتحدة.. المذكرة التوضيحية كتبها محمد أكرم العدلونى، الذى كان أحد قادة الإخوان الرئيسيين فى الولايات المتحدة وتتكون من ست مراحل:
ـ تأسيس حركة إسلامية فاعلة ومستقرة بقيادة الإخوان.
ـ تبنى قضايا المسلمين فى الداخل والعالم.
ـ توسيع قاعدة المسلمين الملتزمين.
ـ توحيد جهود المسلمين وتوجيهها.
ـ تقديم الإسلام كبديل حضارى.
ـ دعم قيام الدولة الإسلامية العالمية أينما كانت.
ويوضح أكرم بالضبط تفاصيل «الجهاد» الذى تتطلبه هذه الاستراتيجية: «على الإخوان أن يفهموا أن عملهم فى أمريكا هو نوع من الجهاد العظيم فى سبيل القضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل و«تخريب» بيتها البائس بأيديهم وأيدى المؤمنين، حتى يتم اجتثاثها وينتصر دين الله على سائر الأديان».
كما يسرد أكرم مراحل النشاط الإخوانى فى الولايات المتحدة: والتى تبدأ بمرحلة البحث عن الذات وتحديد الهوية تليها مرحلة البناء الداخلى للتنظيم الحركى ومرحلة المساجد والمراكز الإسلامية ومرحلة بناء المنظمات الإسلامية والمدارس الإسلامية وغيرها من المراحل للسيطرة على الدولة الأمريكية.
د. جمال عبد الجواد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية كتب فى دراسته الإخوان والغرب سقوط المراهنة على الإسلام الديمقراطي؟ قائلا أبدى الغربيون درجة كبيرة من التساهل فيما يتعلق بشروط تمكين الإسلاميين، وتسامحوا مع كثير من الخصائص العنصرية والاستبدادية والفاشية فى أفكارهم وتنظيمهم، أولا، لأنهم لم يتوقعوا تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا فى مجتمعات المسلمين، وهم، ثانيا، كانوا يخاطرون بمصير شعوب وبلاد أخرى، حتى لو كانت هذه المخاطرة تتم بحجة الحرص على تحقيق تقدم وإصلاح فى هذه البلاد. وزين الغربيون لأنفسهم هذا المدخل نظرًا لأن الإخوان مثلوا جماعة المعارضة الأكثر تنظيمًا فى دول المنطقة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



