كيف تغلغل التنظيم فى المجتمعات الغربية؟
منذ اللحظات الأولى لتأسيسها لم تنظر جماعة الإخوان إلى الغرب باعتباره مجرد فضاء جغرافى بعيد عن مشروعها، بل رأته – ساحة استراتيجية لا تقل أهمية عن المجال العربى والإسلامى نفسه.
فالجماعة التى أنشأها حسن البنا عام 1928 لم تُبنَ بوصفها حركة دعوية محلية محدودة، وإنما كتنظيم عابر للحدود يحمل تصورًا أمميًا يسعى إلى التمدد التدريجى داخل المجتمعات والدول، مستفيدًا من التحولات السياسية، ومساحات الحرية، والتناقضات الفكرية فى العالم الحديث.
ولذلك ومنذ سنوات التأسيس الأولى، أدرك حسن البنا أن مشروع الجماعة لا يمكن أن يبقى حبيس الحدود المصرية، فأنشأ داخل البناء التنظيمى ما عُرف بـ«قسم الاتصال بالعالم الخارجي»، ليكون نافذة الجماعة نحو الخارج، وأداة لمدّ النفوذ وبناء الشبكات والعلاقات الدولية، لم يكن ذلك القسم مجرد مكتب للعلاقات العامة، بل كان التعبير المبكر عن عقلية تنظيمية ترى العالم كله مجالًا حيويًا للفكرة الإخوانية، وتؤمن بأن الوصول إلى السلطة يبدأ أولًا ببناء النفوذ العابر للأوطان، ولما لا وقد كانت إشارة البدء لها من خلال المخابرات البريطانية.
ومع تطور الجماعة، خصوصًا بعد موجات الهجرة إلى أوروبا فى الستينيات والسبعينيات، انتقلت الفكرة من مرحلة «الاتصال» إلى مرحلة «التمكين الدولي». وهنا برز دور مصطفى مشهور، الذى يُعد المهندس الفعلى للبنية التنظيمية العابرة للقارات، حين قام فى عام 1982 بوضع اللائحة المنظمة لما عُرف لاحقًا بـ«التنظيم الدولى للإخوان»، وهو الإطار الذى منح الجماعة قدرة مركزية على إدارة شبكاتها المنتشرة فى أوروبا وأمريكا وآسيا، وربطها بقيادة فكرية وتنظيمية واحدة، رغم اختلاف الأسماء والواجهات والكيانات.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد وجود الإخوان فى الغرب مجرد وجود دينى أو ثقافى مرتبط بالجاليات المسلمة، بل تحول إلى مشروع اختراق ناعم طويل الأمد، يعتمد على تأسيس المؤسسات، والتأثير فى الرأى العام، والتغلغل داخل المنظمات الحقوقية والإعلامية والأكاديمية، مع إتقان شديد لفن تغيير الخطاب وفق البيئة المستهدفة، فبينما ينشر التنظيم بين قواعده المستترة مفاهيم الحاكمية والتمكين والصراع الأيديولوجى، يظهر فى الغرب بوجه “مدني” يتحدث عن الديمقراطية والتعددية والاندماج، ساعيًا إلى تقديم نفسه باعتباره الممثل السياسى والدينى للمسلمين فى أوروبا وأمريكا.
التغلغل الأيديولوجى والتنظيمى
ومن هنا بدأت واحدة من أخطر عمليات التغلغل الأيديولوجى والتنظيمى فى العصر الحديث، عملية لم تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على الاختراق البطيء للمجتمعات الغربية من داخل منظومتها القانونية والحقوقية نفسها، وهو ما جعل كثيرًا من الدوائر الغربية تدرك – متأخرة – أن ما بدا لسنوات نشاطًا مدنيًا بريئًا، كان فى حقيقته جزءًا من مشروع نفوذ عالمى شديد التعقيد.
وقد نجحت الجماعة، خصوصًا فى دول مثل المملكة المتحدة والسويد وهولندا، فى استثمار البيئة الليبرالية الغربية التى تتيح حرية التنظيم والعمل الأهلى، لتقديم نفسها باعتبارها الممثل «الأكثر اعتدالًا» للمسلمين فى أوروبا، بينما تخفى وراء هذا الخطاب شبكة تنظيمية شديدة الانضباط والارتباط بالأيديولوجيا الإخوانية التقليدية.
وتكمن خطورة هذا التغلغل فى قدرة الجماعة على تغيير خطابها وفق البيئة التى تعمل فيها، فهى فى الغرب تتحدث بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، بينما تحتفظ داخل دوائرها المغلقة بأدبيات حسن البنا وسيد قطب التى تقوم على فكرة «التمكين» واعتبار المجتمعات الغربية بيئات جاهلية ينبغى إعادة غزوها فكريًا وثقافيًا على المدى البعيد. هذا الازدواج فى الخطاب هو أحد أهم أسباب نجاحها فى بناء علاقات مؤثرة مع دوائر سياسية وإعلامية غربية تعاملت معها لسنوات باعتبارها «حائط صد» فى مواجهة التطرف العنيف.
لعل أوضح الأمثلة على هذا التغلغل تكمن فى قدرة تنظيمات الإخوان على خلق كيانات تظهر بمظهر الممثل الرسمى للمسلمين، وهو ما نلحظه بوضوح فى «المجلس الإسلامى البريطاني» الذى استطاع لسنوات طويلة أن يفرض نفسه كقناة اتصال رئيسة مع الحكومات البريطانية المتعاقبة، مما منح الجماعة نفوذًا فى صياغة السياسات المتعلقة بالتعليم، وقوانين الأحوال الشخصية، وبرامج مكافحة التطرف، رغم أن التاريخ أثبت فى أكثر من محطة أن هذا المجلس كان واجهة لمؤسسات تدور فى فلك الأيديولوجيا الإخوانية، وهو ما دفع أطرافًا سياسية بريطانية لاحقًا إلى مراجعة هذه العلاقة، لكن بعد أن كانت الجماعة قد رسخت أقدامها فى دهاليز البيروقراطية، فضلًا عن تلقيها دعمًا لوجستيًا من جهاز المخابرات البريطاني.
وفى السويد، يتجلى هذا التغلغل فى «الرابطة الإسلامية فى السويد» التى استغلت سياسات الاندماج والتمويل الحكومى للجمعيات الأهلية لتأسيس شبكة واسعة من المساجد والمراكز الثقافية التى تعمل كحاضنات فكرية، أما التغلغل الناعم فقد كان متعلقًا برموز إخوانية لها حضور فى التنظيم الدولى، وإذا بها تترقى فى مناصب داخل أحزاب سياسية سويدية، مثل حزب البيئة، مستغلة المناخ السياسى المنفتح للوصول إلى مواقع تمكنها من التأثير فى التشريعات المحلية والضغط من أجل أجندات تعزز من «خصوصية» التنظيم بعيدًا عن مفهوم الاندماج الوطنى الشامل.
أما فى هولندا، فقد نجحت مؤسسات مثل «اتحاد المنظمات الإسلامية فى أوروبا» وهى الذراع التنظيمية الأبرز للإخوان فى القارة فى بناء منظومة اقتصادية وعقارية ضخمة بدعم من أوقاف وتبرعات تدار تحت غطاء العمل الخيرى، وتستخدم هذه الأصول ليس فقط لتمويل الأنشطة، بل لشراء مساحات للنفوذ الاجتماعى وتأمين استدامة الخطاب الإخوانى، وهو ما يفسر لماذا تجد هذه المؤسسات دعمًا وتسهيلات قانونية مستمرة؛ فهى تقدم نفسها ككيانات مرخصة، تحترم القانون، وتنشط فى ميادين الدفاع عن حقوق الأقليات، وهى «كلمة حق» يُراد بها استغلال الثغرات الديمقراطية لتمرير هيكل تنظيمى لا يقبل بالتعايش فى إطار الدولة الوطنية.
الأذرع الإعلامية والحقوقية
ولا يمكن إغفال الأذرع الإعلامية والحقوقية، مثل منظمة «إسلاموفوبيا ووتش» أو منصات إعلامية رقمية تتخذ من عواصم أوروبية مقرًا لها، فهى لا تكتفى بنشر المحتوى الأيديولوجى، بل تعمل على شيطنة أى صوت ينتقد التنظيم من خلال وسمه بـ «العنصرية» أو «العداء للمسلمين»، وهى استراتيجية دفاعية ناجحة جدًا فى الغرب؛ إذ تجعل من مجرد انتقاد الإخوان خطا أحمر يخشى السياسيون والباحثون تجاوزه خوفًا من المحاكمات أو الاغتيال المعنوي.
إن هؤلاء الناشطين الحقوقيين الذين يظهرون فى برامج «بى بى سي» أو يكتبون فى كبريات الصحف الغربية، هم فى حقيقة الأمر جزء من منظومة تنسيقية عالمية، يتحركون وفق أجندة مركزية لخدمة قضايا التنظيم، ويحولون أى إخفاق أو ضغوط تواجههم فى أوطانهم الأصلية إلى معارك حقوقية دولية، مما يضمن لهم حماية قانونية وسياسية، ويجعل من الغرب ملاذًا آمنًا لخطابهم الذى يبشر بـ «الفتح» أو «الخلافة»، بينما يكتفون فى العلن بالحديث عن «المواطنة» و«الاندماج».
ولكن متأخرًا أدركت عواصم غربية عديدة أن الخطر لا يكمن فقط فى التنظيمات المسلحة، بل أيضًا فى البنى الأيديولوجية التى تعيد إنتاج الانغلاق والعزلة المجتمعية تحت غطاء العمل المدنى والحقوقي. ولذلك بدأت دول أوروبية عدة فى مراجعة علاقتها بالمؤسسات المرتبطة بالإخوان، وفرض مزيد من الرقابة على التمويل الخارجى، ومراقبة الخطاب الدينى والسياسى الذى يُنتج داخل تلك الشبكات.
وبينما لا تزال الجماعة تحاول الحفاظ على صورتها كتيار “مدنى ديمقراطي”، فإن التجربة العملية فى أكثر من دولة كشفت أن مشروعها الحقيقى يتجاوز حدود الدعوة أو العمل الأهلى، إلى محاولة بناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الغربية نفسها، عبر إعادة تشكيل الهوية والانتماء والولاء لدى قطاعات من الجاليات المسلمة، بما يخدم مشروع التنظيم الدولى وأهدافه العابرة للدول والحدود.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



