لبنان يحيي ذكرى عيد المقاومة والتحرير وسط استمرار العدوان الإسرائيلي
يحيي اللبنانيون هذا العام ذكرى عيد المقاومة والتحرير في ظروف استثنائية تختلف عن السنوات الماضية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان وتواصل الغارات التي تطال القرى الحدودية والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أعاد مشاهد الحرب والدمار والنزوح إلى الواجهة، وحوّل المناسبة الوطنية من يوم احتفال بالنصر والتحرير إلى محطة للتأكيد على الصمود والثبات في مواجهة التصعيد المتواصل.
وتأتي الذكرى السادسة والعشرون للتحرير فيما يعيش الجنوب اللبناني أوضاعًا إنسانية وأمنية صعبة، بعد أشهر من القصف المتبادل والتوتر المستمر على الحدود، حيث تعرضت عشرات البلدات لدمار واسع طال المنازل والبنى التحتية والمؤسسات التجارية، إضافة إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى ونزوح آلاف العائلات من القرى الأمامية.
وفي وقت كان اللبنانيون يستعدون لإحياء المناسبة باحتفالات شعبية ورسمية، فرضت التطورات الميدانية أجواء من الحزن والترقب والخوف من اتساع رقعة المواجهة، خصوصًا مع استمرار التحليق المكثف للطيران الإسرائيلي والغارات التي تستهدف مناطق مختلفة في الجنوب والبقاع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أشمل تهدد الاستقرار الداخلي الهش.
ويرى محللون أن إحياء عيد المقاومة والتحرير هذا العام يحمل دلالات سياسية ووطنية مختلفة، إذ يستحضر اللبنانيون تجربة التحرير عام 2000 باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، حين انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة تحت ضغط المقاومة وصمود الأهالي.
ويؤكد كثير من اللبنانيين أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليوم يعيد التذكير بأهمية التمسك بالسيادة الوطنية وحق اللبنانيين في العيش بأمان داخل قراهم ومناطقهم الحدودية، إلا أن المشهد الداخلي يبدو أكثر تعقيدًا في ظل الانقسام السياسي الحاد حول كيفية إدارة المواجهة الحالية وتداعياتها على لبنان.
ويقول العميد ناجي ملاعب الباحث في الشئون الأمنية والمتخصص الأكاديمي في الجيو بولتيك إن لبنان الرسمي والشعبي درج على اعتبار هذا اليوم عيدًا وطنيًا، لا سيما وأنه تُوّج بتحرير أراضٍ عربية للمرة الأولى من دون تفاوض.
مشيرًا إلى أن هذا الإنجاز ما كان ليتحقق لولا انخراط مختلف القوى الوطنية اللبنانية في مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض.
وأضاف أن ما وصفه بتفرد حزب الله بقرار “حرب إسناد غزة” ثم مساندة إيران بعد استهدافها، ومن دون العودة إلى الدولة اللبنانية، أدى إلى تحميل لبنان أثمانًا باهظة لا قدرة له على تحملها، معتبرًا أن “الاستقواء بالخارج” في طريقة تعامل الحزب مع الدولة أفقد عيد التحرير جزءًا من مضمونه الوطني الجامع.
وأشار ملاعب إلى أن أفضل تعبير عن واقع المناسبة هذا العام يتمثل في موقف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الذي شدد على أن لا احتفالية حقيقية بعيد التحرير قبل استعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات الأمنية.
واعتبر أن اللبنانيين اليوم يعيشون بين رمزية التحرير التاريخي وواقع أمني صعب يفرض تحديات جديدة على الدولة والمجتمع، وسط تراجع الثقة بإمكانية الوصول السريع إلى حلول سياسية تنهي حالة المواجهة المستمرة على الحدود الجنوبية .
من جهته، يقول الدكتور رائد المصري الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي العربي والدولي إن عيد المقاومة والتحرير يأتي هذا العام وجنوب لبنان يرزح تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي والعمليات العسكرية التدميرية، وهو ما يجعل الموقف أكثر صعوبة على مختلف الأطراف السياسية في البلاد، خصوصًا أن المقاومة تعتبر أن من واجبها العمل على تحرير الأرض من جديد.
وأضاف أن المفارقة تكمن في الانقسام الداخلي اللبناني، شعبيًا وسياسيًا، حيال كيفية مواجهة إسرائيل، إذ يرى فريق أن المواجهة العسكرية هي السبيل الوحيد لردع الاحتلال، بينما يعتقد فريق آخر أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تمثل الطريق الأقل كلفة للوصول إلى تسوية تضمن الأمن والاستقرار.
وأكد المصري أن هذا الانقسام ينعكس بشكل مباشر على الموقف اللبناني الرسمي والشعبي، ويضعف قدرة الدولة على صياغة رؤية موحدة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، لافتًا إلى أن لبنان يترقب نتائج المفاوضات والاتصالات الإقليمية والدولية المرتقبة بعد عيد الأضحى، إضافة إلى ما ستؤول إليه التفاهمات بين طهران وواشنطن، باعتبار أن نتائج تلك المسارات ستحدد إلى حد كبير مستقبل الوضع اللبناني ومسار المواجهة في المرحلة المقبلة.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة، شهدت عدة مناطق لبنانية فعاليات رمزية ومواقف سياسية شددت على التمسك بخيار الصمود ودعم أهالي الجنوب والنازحين وعائلات الشهداء.
كما طغى البعد الإنساني على كلمات المسؤولين والفعاليات الشعبية، في ظل تزايد معاناة المدنيين واستمرار القلق من تطورات ميدانية قد تدفع المنطقة نحو تصعيد أوسع، بينما يبقى اللبنانيون متمسكين بالأمل في استعادة الاستقرار ووقف العدوان وعودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب، وإحياء عيد التحرير مجددًا في ظروف يسودها الأمن والاستقرار بدلًا من أجواء الحرب والدمار.





