أرقام صادمة تحققها مصر في ظاهرة الصيد الجائر، فهي من أهم المسارات العالمية في هجرة الطيور وهي أيضا ثاني أكبر دولة عالميا تقوم بالصيد الجائر، الأمر الذي أدى إلى الإخلال بالنظم البيئية المصرية، التي تمثل الطيور فيها عنصراً أساسياً.. هذا التجاوز المتزايد في ظل إمكانيات ضعيفة ورقابة هامشية للجهات التنفيذية، دفع الجمعية المصرية لحماية الطبيعة - وهي الوحيدة المعنية بمواجهة الصيد الجائر - إلى ضرورة الإعلان عن خريطة طريق وطنية لمكافحة الصيد الجائر في مصر من 2026-2030، وذلك بالتعاون مع جمعية كتاب البيئة والتنمية الذي عقد مؤخراً في مؤتمر صحفي بنقابة الصحفيين.. ساعد في ذلك نجاح الحملة الإعلامية التي أطلقت العام الماضي لمد قرار وقف الصيد في بحيرة ناصر، ما يدل على التأثير الإيجابي للحملة، وهذا ما أكده الدكتور محمود بكر رئيس جمعية كتاب البيئة على نجاح مبادرة "حتى تعود الطيور" التي أثرت إيجابياً في قرارات الأجهزة المسؤولة.. وإن كانت القيود على الصيد الجائر في بحيرة ناصر قائمة، إلا أنه ما زال منتشراً على طول بحيرات وسواحل مصر من رفح حتى السلوم.
ملايين الطيور تهاجر شمالاً وجنوباً عبر حوض البحر المتوسط، يتم صيد 25 مليون طائر منها بشكل غير قانوني سنوياً، تستأثر مصر بـ5.5 مليون وهذا الرقم في تزايد مستمر، بسبب التوسع في استخدام الوسائل المختلفة لصيد أكبر عدد من الطيور، مثل إعداد برك صناعية تحتوي على علف لجذب الطيور، استخدام أجهزة إلكترونية تقلد صوت الطيور لتدفعها إلى الشباك المنتشرة في مختلف المناطق، شمال سيناء والبرلس والساحل الشمالي والواحات.
الدكتور خالد النوبي المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة قدم عرضا تحليليا للجهود التي بذلتها الجمعية خلال العقد الماضي، كعضو في المنظمة العالمية Bird life international التي تضم 122 عضوا من مختلف الدول.. مشيراً إلى ناقوس الخطر أو الإنذار الذي أطلق عام 2016 عن كارثة تدهور النظم البيئية في منطقة المتوسط بسبب الصيد الجائر، وخرج إعلان القاهرة وقتها لضرورة اتخاذ خطوات فعلية للمواجهة.. على إثر ذلك قامت الجمعية بوضع أسس علمية لتوصيف ورصد المخالفات على الطبيعة في مختلف المناطق، ومحاولة التوصل بشكل تقريبي لأعداد الطيور التي يتم اصطيادها سنوياً.. اتضح أن بحيرة البرلس وبحيرة ناصر أكثر المناطق مخالفة، تقوم بها عائلات مشهورة، تستخدم البسطاء لجمع الطيور التي تباع بأعلى الأسعار مثل نوع القمري الذي يصل ثمن الطائر الواحد منه إلى 500 جنيه، هذا بخلاف الطيور الجارحة مثل الصقور التي يتم صيدها من مناطق الواحات والبحر الأحمر، تهرب للخارج بآلاف الجنيهات للطائر الواحد.
الغريب، ما أوضحه الدكتور خالد النوبي أن بيع وتهريب الطيور يتم من السوشيال ميديا، حيث رصدت الجمعية في الفترة ما بين 2024-2025 أربع مجموعات على الفيسبوك، 96% نشاط غير قانوني، 11 نوعا مهددا بالانقراض، منهم 251 عقاب السهوب - 99 العقاب الحر - 69 العقاب الملكي الشرقي.
الخسائر الكبرى ليست في انقراض الطيور المهاجرة أو المتوطنة فقط، لكن في تبعات الصيد الجائر، فلم يخلق الله الكون عبثاً، هناك دورة حياتية فى كوكب الأرض وكل كائن له وظيفة ودور، الطيور التي نقضي عليها بالصيد الجائر تخلص الأراضي الزراعية من الآفات الضارة وتنشر حبوب اللقاح والبذور.. والأزمة ليست في الطيور فقط، فهناك حيوانات لها دور في حماية البيئة، مثلما أشار الدكتور خالد النوبي إلى أن أهالي الواحات الداخلة أرسلوا استغاثة إلى المحليات لانتشار القوارض والفئران بشكل كبير نتيجة قيام جماعات من خارج الواحات بصيد ثعالب الفنك التي تعيش على تلك القوارض.
السؤال الذي يطرح نفسه، أين إجراءات الدولة لوقف تلك التجاوزات.. هذا ما كشف عنه الدكتور خالد النوبي، سواء القوانين غير المفعلة والمليئة بالثغرات، مثل عدم تحديد الكميات المسموح بصيدها، وعدم التفريق بين الطيور والكائنات المائية، لا حظر صريح على الصيد في مناطق الهجرة، لا تعويضات أو غرامات تتناسب مع جسامة مخالفات الصيد الجائر.. ضف على ذلك الإمكانيات الضعيفة لدى الأجهزة التنفيذية لكفاءة الرقابة في المساحات الشاسعة "مثل عدم وجود مخصصات مالية لتعبئة وقود السيارات أو شراء أجهزة رصد وتتبع".
في محاولة لإنقاذ الطيور المهاجرة والمحلية أطلقت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة خريطة طريق حوكمة الصيد في مصر، تشمل عددا من المسارات تقدمها للجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني والشباب، أهمها تحديث الإطار التشريعي وأحكام تنفيذ القوانين المحاسبة، وزيادة التوعية بخطورة آثار الصيد الجائر، الاستفادة من البحث العلمي في الدراسات الميدانية والتقنيات الحديثة لرصد كل ما يخص الطيور.



