يعتبر البعض أن القرآن الكريم يحتاج إلى تفسير، والتفسير يعني التوضيح، وتفسير أي نص يعني أنه غير واضح، ومن أنواع التفسير، تفسير القرآن بالسنة ويسمى التفسير بالمأثور كتفسير ابن كثير، وتفسير القرآن بالرأي ويسمى التفسير بالمعقول كتفسير السعدي ومن شروطه عدم مخالفة المأثور، وتفسير القرآن بالقرآن مثل القراءات المعاصرة الحديثة.
وفي قوله تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) الفرقان 33، فالمشركون كانوا يجادلون بأمثال فيها الحق والباطل ولكن الله تعالى لا يأتي إلا بالحق والذي قد يحتوي أمثالاً، وهذا الحق أحسن تفسيرا أي أن قول الحق يبين الشيء ويوضحه.
لذلك فالمطلوب تدبر القرآن كما بين تعالى سبب إنزاله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) ص 29، فمن يقرأ القرآن ويبحث عن معاني الكلمات فهذا من التدبر وليس من التفسير: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد 24.
والتدبر جاء من كلمة دُبُر، وهو آخر الشيء وخلفه، لذلك فالاجتهاد مطلوب في استخراج معاني القرآن، فهو يحتوي الكثير من المعاني والمدلولات في نص محدود الكلمات، لذلك يحتاج منا إلى تحليله إلى أصغر الوحدات وهي الحروف، لكي نفكر لماذا تم استخدام هذه الكلمة وهذا الحرف في هذا الموضع ولم يستخدم غيرهما.
أما التأويل فهو من كلمة أوّل، أي ابتداء الأمر وتتبعه لنهايته: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) الأعراف 53-52، فتأويل القرآن سيأتي في الدنيا أو يوم القيامة، وذلك بتطابق أخبار القرآن مع ما سيكون من أحداث.
فالتأويل في مفهوم القرآن هو التحقق في غيب المستقبل الدنيوي وغيب الآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء 59، وأحسن تأويلا يعني أحسن تحقيقا للأوامر الإلهية.
ولما كان القرآن الكريم يحتوي من الآيات ما هو صالح لكل زمان ومكان فإن بعضها سيتم تأويله تأويلاً نسبياً أي سيتحقق مع معارف كل زمن ثم يتأكد في أزمنة تالية.
إن أغلب المسلمين يهتمون بتلاوة وحفظ القرآن، وهذا الاهتمام لا يصحبه عادة اهتمام بالتدبر والفهم، حيث تم الاكتفاء بجهد السابقين، ولمن أهمل تدبره يقول تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) المؤمنون 68.
لقد تم تحويل التفسير إلى علم يحكم القرآن، كما أسهم غياب الاجتهاد والتجديد في ظهور الاستبداد الفكري الذي منع الناس من التفكير والنقاش، ونتج عن ذلك الإيحاء بصعوبة فهم القرآن الكريم، وتم التركيز على الشكليات من إتقان الحفظ وإجادة القراءة التي تهتم بالمد والإدغام والقلقلة والتفخيم والترقيق، أما فهم المضمون فهو بالرجوع إلى التفاسير.
كما تم فهم التلاوة بأنها تعني القراءة وليس بمعنى التتالي والتتابع في وصل الآيات، وأصبح معنى الترتيل هو طريقة للأداء الصوتي يختلف عن التجويد وليس بمعنى جعل الآيات في أرتال كالمصفوفات، بهدف الربط الموضوعي للآيات من أجل فهم متكامل.
كما تغلب مفهوم التفسير على مفهوم التدبر بحيث يتم فهم الآيات من خلال كتب التفاسير وعلوم القرآن وعلوم اللغة والمعاجم وقصائد الشعر، وكانت النتيجة أن هجر المسلمون الصلة الحقيقية بالقرآن وهي التدبر ففقدوا مكانتهم في الشهادة على الناس: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة 143.
لذلك نحن بحاجة إلى إصلاح ثقافي يشمل إصلاحا للفكر الديني باعتبار الدين من المكونات الأساسية في الثقافة، ويتم ذلك من خلال قراءة آيات القرآن الكريم وتأويلها بناء على منهج جديد، وهذا المنهج تتم صياغته من داخل القرآن وليس من خارجه، مع الوضع في الاعتبار أن الفهم نسبي، حيث يرتبط بمدى تطورنا في الفكر والعلم والمعرفة.



