في مسرحنا المصري وفي ثقافتنا تاريخ وعمق حضاري نباهي به الأمم، وفي صناعة النشر تاريخ بارز جعل القاهرة منارة كبرى.
وظل الكتاب والفنانون يقاومون خلال السنوات القريبة الماضية مقاومة الأبطال من أجل الحفاظ على إبداعهم وعلى قدرتهم على البقاء قادرين على ممارسة دورهم.
إلا أن الملاحظة الأساسية الآن هي المفارقة الكبرى بين ما تأخذه المؤسسات الرسمية الثقافية من قرارات صادمة، وبين ما يتحدث به مديرو المؤسسات من أحاديث معلنة.
وقد واجهت مؤسسات إنتاج الثقافة الرسمية أزمة طاحنة، ثار من أجلها الفنانون الشبان في الهيئة العامة لقصور الثقافة هي أزمة قيد التصرف.
فما هو قيد التصرف وما هي الأزمة؟
في مصر يوجد منذ سنوات طوال ما يعرف برقم إيداع الكتاب، وفجأة أصبح الإيداع ورقمه أزمة، فقد قرر أحدهم أن يرسل الكاتب نسخة من كتابه بطريقة الكتابة القابلة للتعديل، وليس كنسخة نهائية، ذلك أن هناك من أراد تعديلات ووصاية وإشرافا على الكتابة، وإلا فلا إيداع ولا رقم يسمح بحفظ حقوق الملكية الفكرية ولا نشر احترافي، ناهيك عن رسوم مالية وإجراءات طويلة، لا يعرف الكتاب من يديرها.
ويأتي هذا مع تراجع الأعداد السنوية للإصدارات عن المؤسسات الكبرى مثل هيئة الكتاب، التي كانت أهم دار نشر في الوطن العربي لسنوات طوال، كما هدد هذا الأمر دور النشر الخاصة.
ثم جاء رد فعل المؤسسة الثقافية بعقد اجتماع بدار الكتب والوثائق المصرية، صدر عنه بيان صحفي بإلغاء نسخة الكتاب القابلة للتعديل، وتابعت النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي وزادت دهشتي كلما رأيت من يهدئ من روع الكتاب، دون أن يَصدر قرارٌ واضح أو منشور رسمي يعيد أمر رقم الإيداع إلى أصله السليم.
غموض مدهش ومفاجأة مرعبة لا تعرف من يقف خلفها ومن يدفع الكتاب نحو شعور بالقلق تجاه أبسط حقوقهم.
ومرت الأزمة عبر استخدام الصمت القاتم من وزارة الثقافة المصرية، ولم يصدر منشور رسمي واضح.
أما هيئة قصور الثقافة التي مارست الإبداع المحترف بها منذ 1986 وكانت قيمة التعاقد آنذاك مع المخرج أو المؤلف في المسرح قادرة على أن تجعل صاحبها من أصحاب الدخول المميزة ومتفرغاً للإبداع فقد بقيت تقريباً نفس النسبة دون زيادات واضحة، حتى صارت عملاً تطوعياً، إلى أن فكر شخص ما من حرماننا من هذا العمل التطوعي فقد تم فرض رسوماً جديدة عبر جهاز حماية الملكية الفكرية في فرض رسوم سماها قيد التصرف، وهي في التأليف تأتي بعد رقم الإيداع، وفي الفنون الأخرى تأتي منفردة.
وقد كانت الرقابة على المصنفات الفنية تقوم بدور متابعة المصنف الفني وتمنع الخروج عن النص وتشويه المصنف الفني سنوات طوال، وكان التصريح بالعرض حماية للمبدع من أصحاب التأويل التحريضي ضد الإبداع ومن تغيير المصنف أو انتحاله أو القفز عليه وإعادة تعريفه كله أو بعض منه نسبة لأشخاص آخرين.
إلا أن هذا الدور الآن يضطلع به جهاز حماية الملكية الفكرية، وحتى يضمن الجهاز قيام الفنانين والكتاب بعمل قيد التصرف، فقد وضعه شرطاً ملزماً لدى جهات الإنتاج الرسمية والخاصة.
ولذلك فقد ذهب مخرج أجره، ألف ومائتان من الجنيهات، في الثقافة الجماهرية كي يدفع ألفي جنيه ومئتين وأربعين، كي يسجل قيد التصرف، فمعظمهم لم يذهب لأنه ليس من المعقول أن يدفع المبدع أموالاً أكبر من إجمالي تعاقده لجهاز الملكية الفكرية.
وعندما حدثت الأزمة، أرسل د. هشام عزمي طالباً عقد بروتوكول تعاون لإعفاء المتعاملين مع الجهاز من المبالغ في قطاع الإنتاج وفي هيئة قصور الثقافة، ولم تهتم الوزارة بذلك ولم توقع التعاون، بل وتتشدد في الإصرار على وجود قيد التصرف في إجراءات صرف المستحقات، وجدير بالذكر أيضاً أن الإصرار يأتي أيضاً عبر الصمت.
أما هؤلاء المخلصون الذين طالبوا بالحل فاعتبرت المؤسسة الثقافية سلوكهم سلوكاً غريباً ينتقدها هي، بينما أدرك الجهاز أن من يتقاضى الملايين في مصنف فني في الدراما التليفزيونية أو السينما هو من يجب عليه دفع رسوم قيد التصرف، وجعله مجاناً للمتعاملين مع وزارة الثقافة التي تدفع أجوراً لمبدعيها خارج أجور السوق الآن، وتندهش من إصرار الفنان على التعبير عبر النافذة الممكنة جمالياً بعيداً عن قواعد الإنتاج التجاري.
بينما لا تزال الهيئة العامة لقصور الثقافة تقدم الخدمة مجاناً للجمهور، وبتذاكر مدعومة رمزية في مسرح الدولة، وأسعار رمزية للمطبوعات، وهو خلط مدهش بين دور الدولة في دعم الثقافة وهو دور محمود نطالب بزيادته في الموازنة العامة. وبين تكبيل المبدعين بقيود مدهشة في المؤسسة الرسمية ودفعهم للامتناع عن دورهم شبه التطوعي الذي قاموا به ولا يزالون.
ناهيك عن شروط التعاقد التي لا تتناسب مع القرن الحادي والعشرين لأنها عقود إذعان تتيح للطرف الأول إلغاء التعاقد وقت ما يشاء ودون إبداء الأسباب.
كما تبقى مسألة غياب الدعاية المحترفة بحجة منع مجلس الوزراء المؤسسات الحكومية من الإعلان حجة واهية تتناقض مع دور المؤسسة الثقافية التي تقدم إنتاجاً يجب الإعلان عنه للجمهور.
وتأمل معنى كل تلك التفاصيل المتناقضة وأسأل باحثاً عن إجابة من يضع العصا في عجلة دائرة للإبداع والكتابة؟
ناهيك عن وجود الكاتب والممثل والمخرج والمؤلف الموسيقي تحت بند خدمات ترفيه في الفاتورة الإلكترونية في نظام القيمة المضافة في مصلحة الضرائب المصرية الآن، وصفته بائع وجهة الإنتاج مشتري مما يدفع عبر تعبير خدمة الترفيه لشعور حاد بالتناقض بين أدوار الإبداع والبيع، ثم يحصد المدللون الملايين واللعنات، وغضب الجمهور، بينما يتم تقييد حركة المبدعين المنتمين للمؤسسات المصرية الرسمية التي لا زالت تقدم الدعم المادي الممنوح من الدولة سعياً للعدالة الثقافية، بينما يتم استحداث شروط للعمل تجعله يسير في اتجاه محدود ومقيد ومثير للقلق، لتصبح الأصول الثابتة والمؤسسات الكبرى معطلة عن دور مهم وتحتاج لمراجعته وليصبح إهدار المال والطاقة محاطاً بأسوار حماية وليصبح النجاح الكبير غير ممكن، وتغيب مع غياب قواعد استمرار عرض المسرح أو إعادة طباعة الكتاب الذي نفذ أو إتاحة إنتاج علامات كبرى فنية عبر المؤسسات الرسمية مسألة محفوفة بالتوتر.
أما المراجعة والمحاسبة والقرار لدى القيادات الثقافية فمعياره غير واضح ولا يوجد مراجعة له، وقد كان الرأي العام الثقافي هو معيار التقييم، ولكنه الآن يشعر بعبث ولا جدوى التفاعل مع مؤسسات الإنتاج الرسمية، على كثرة الدعوات والحوارات والمبادرات عن الوعي الثقافي وعن الفنون والآداب كصفة رمزية لحضور مصر الثقافي ودورها وهو الدور الذي يحميه الزخم والأعداد اللانهائية للمبدعين الجدد في مصر، فهل حقاً ننتبه لناقوس الخطر، ونتأمل ما يجري في حياتنا الثقافية والفنية، حيث يكمن الخطأ والخطر في التفاصيل التنفيذية وتناقضاتها، التي تقف ساخرة أمام كل الكلام الكبير والخطط والتفكير بشأن مستقبل الثقافة والفنون في مصر.



