الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم تعد كرة القدم فى مصر مجرد لعبة تُلهب المدرجات وتستثير العواطف؛ بل أصبحت صناعة ضخمة، وقطاعًا اقتصاديًا واستثماريًا بالغ التأثير، يتجاوز فى امتداده حدود المستطيل الأخضر ليصل إلى دوائر الإعلام والإعلان والرعاية والتسويق، ويجذب اهتمام عشرات الملايين من المحيط إلى الخليج.
 


ومصر، بما تملكه من ثقل جماهيرى وتاريخ كروى راسخ، تمثل بلا مبالغة أكبر سوق رياضية فى الشرق الأوسط من حيث التأثير الشعبى وقيمة المنتج الكروى. ومن ثم؛ فإن إدارة هذا القطاع بعقلية الهواية أو بمنطق المجاملات لم تَعُد رفاهية محتملة؛ بل أصبحت خطرًا حقيقيًا يهدد أحد أهم الأصول الرياضية والاقتصادية فى الدولة.
 


وفى لحظة اقتصادية دقيقة، تتطلب من الجميع أقصى درجات الانضباط والرشادة فى إدارة الموارد، يصبح الحديث عن تطبيق قواعد اللعب المالى النظيف فى كرة القدم المصرية ليس ترفًا تنظيميًا؛ بل ضرورة وطنية.
 


فلا يجوز أن تتحول كرة القدم إلى ستار كثيف تُخفى خلفه أموالاً مهدرة أو مصادر تمويل غير معلومة، أو إلى باب خلفى لتسويات إدارية فاشلة تُسدد فاتورتها جيوب المتبرعين ورجال الأعمال، بينما تبقى المنظومة نفسها عصية على الإصلاح والمحاسبة.
 


المال الذى يُضَخ فى الرياضة يجب أن يكون معلوم المَصدر، واضح المسار، خاضعًا للرقابة، معلوم المصير. هذه ليست رفاهية بيروقراطية؛ بل جوهر الاستدامة الرياضية.
 


لقد آن الأوان لأن تتحرك الدولة بخُطى أكثر حسمًا نحو ترسيخ قواعد مالية صارمة، تبدأ من تحديث التشريعات الرياضية الداخلية، وإقرار لوائح واضحة ومُلزمة للحوكمة والشفافية، وهى معركة تنظيمية كبرى تقع فى مقدمة مسئوليات الوزير جوهر نبيل، الذى ينتظره تحدّ حقيقى فى إعادة هندسة العلاقة بين المال والإدارة داخل المنظومة الرياضية.
 


لكن التشريع وحده لا يكفى..
 


التحدى الأكبر يكمن فى إلزام منظومة إدارة الكرة المصرية بتطبيق تلك القواعد بعيدًا عن الأهواء، والمجاملات، وضغوط الجماهير، والانحيازات التى أفسدت كثيرًا من القرارات، وحولت بعض الأندية إلى كيانات تستهلك بلا حساب، وتنفق بلا عائد، ثم تعود فى نهاية كل موسم باحثة عن منقذ جديد يرمم خسائرها.
 


كيف يمكن لعقل اقتصادى رشيد أن يتقبل أن نسمع عن رجل أعمال أنفق ما يزيد على نصف مليار جنيه على نادٍ واحد، ثم يستعد لضخ مَبلغ مماثل مرة أخرى لمداواة أخطاء إدارية متراكمة؟!
 


أى منطق يقبل أن تتحول التبرعات أو التطبيقات التى تُنشَأ لجمع الأموال من المواطنين إلى أدوات لسد عجز إدارات فشلت فى التخطيط والإدارة؟
 


فى دولة تخوض معركة تنمية شاملة، وتحتاج كل جنيه لتشييد مَدرسة، أو دعم مستشفى، أو تمويل مشروع إنتاجى، يصبح من العبث أن تُستباح هذه الموارد لمعالجة نزوات إدارية أو تغطية صفقات عشوائية لا تخضع لأى دراسة جدوَى.
 


الكرة المصرية لا تحتاج إلى مزيد من الإنفاق؛ بل إلى إنفاق ذكى. لا تحتاج إلى أموال بلا سقف؛ بل إلى ضوابط بلا استثناء. ولا تحتاج إلى «مسكنات» مالية مؤقتة؛ بل إلى جراحة تنظيمية جذرية تعيد تعريف العلاقة بين الطموح الرياضى والانضباط المالى.
 


تطبيق اللعب المالى النظيف ليس عقابًا للأندية؛ بل حماية لها. هو السور الذى يحميها من الإفلاس، ويمنعها من الارتهان للأفراد، ويُجبرها على بناء موارد حقيقية ومستدامة، ويضع حدًا لثقافة «السّفَه والفشل» التى حولت بعض المؤسّسات الرياضية إلى ثقوب سوداء تبتلع المال بلا أثر.
 


إن إنقاذ الكرة المصرية يبدأ من كشف دفاترها..
 


ومن إخضاع كل جنيه يدخلها أو يخرج منها لرقابة صارمة. ومن ترسيخ قاعدة بسيطة لكنها حاسمة:
«لا إنفاق بلا قدرة.. ولا منافسة بلا شفافية».
 


تلك هى المعركة الحقيقية التى ينبغى أن نخوضها إذا أردنا لكرة القدم المصرية أن تصبح صناعة محترمة، لا مجرد مسرح كبير لإهدار المال تحت لافتة «الشغف الجماهيرى».

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط