الجمعة 05 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مؤخرا بدأت أشعر أن جزءًا كبيرًا من سوء التفاهم بين الناس ليس سببه اختلاف المواقف.. أو اختلاف الأفكار.. ولكن فى اختلاف معنى الكلمات نفسها وفهم كل طرف لها..
 


أنت تقول «سياسة» وتقصد شيئًا بينما الطرف الآخر يسمع الكلمة ويفهم شيئًا مختلفًا تمامًا ،والأمر نفسه مع الإعلام والأحزاب والمجتمع المدنى وحتى الرحمة كل واحد وفهمه للكلمة!.
 


وقد قالها شكسبير بعبقريته منذ زمن بعيد «الاسم ليس هو الشيء».
 


واليوم أفكر فيها طويلًا.. لأن الكلمات تبدو مألوفة جدًا بينما معانيها.. أصبحت ضبابية بصورة غريبة.
 


السياسة مثلًا.. البعض يعتبرها مجرد مرادف للصراع أو المناورات أو الخصومات الدائمة التى لاتتوقف لكى تبقى السياسة نشطة وليست فى حالة ركود وتجمد!! 
 


بينما أشعر دائمًا أن السياسة أو هكذا اقتربت منها منذ المرحلة الجامعية إنها أقرب إلى محاولة لتنظيم الحياة بين البشر.. نوع من فن إدارة التوازن.. فن الممكن.. ولهذا حين تغيب السياسة الحقيقية فى معناها الطبيعى لا يختفى الخلاف بل يظهر بشكل أكثر خشونة.
 


والأمر نفسه مع الأحزاب.. أحيانًا أسمع من يتحدث عن الحزب السياسى وكأنه مجرد بيانات وشعارات ونشاط فى المواسم الانتخابية مع أن فكرة الحزب فى أصلها أعمق من ذلك بكثير.. حتى وإن كانت تجربتنا الديمقراطية بعد ثورة يوليو 1952 لم تنتج حياة حزبية قوية لكن المؤسسة الحزبية كانت موجودة.. بمعنى الحزب الذى وُجد لكى يفكر ويقدم رؤية ويصنع كوادر ويقدم رجال دولة ويحاول أن يقنع الناس بفكرة معينة عن المستقبل.
 


فضلا عن الخلط الواضح بين العمل السياسى والعمل الأهلى.. الجمعيات والمؤسسات المدنية لم تُخلق لكى تدخل معارك السياسة بل لكى تجعل حياة الناس أقل قسوة قليلًا.. تساعد فى تعليم فى علاج فى تدريب وغيره من أجل تخفيف الألم عن الفئات الضعيفة أو حتى مجرد الحفاظ على معنى التضامن نفسه داخل المجتمع.
 


أما الإعلام.. فهو الآخر فى مرحلة إعادة تعريف بل فى مرحلة إعادة تعريفه هو لنفسه.. واكتشاف محدداته وطبيعة دوره وماهى مهمته.
 


هل مهمته أن يشرح للناس ما يحدث؟ أم أن يبقيهم فى حالة انفعال مستمر؟ الفارق بين الاثنين كبير جدًا.
 

 
والصحافة وهى أصل كل فنون العمل الإعلامى هل انحصرت فى مجرد سباق يومى على الأخبار الساخنة فى حسابات الفنانين على السوشيال ميديا أو مناسباتهم الفنية والاجتماعية ومين قعد جنب مين ومين أتجوز ومين طلق!! 
 


هل هى الأخرى فى مرحلة إعادة تعريف؟ مازلت أميل إلى الاعتقاد أن الصحفى الحقيقى هو من يستطيع أن يرى ما وراء الحدث لا الحدث وحده.. أن يفهم السياق ويربط التفاصيل ليسبق المجتمع بخطوة ويحفزه على التقدم.
 


حتى الرحمة.. نعم الرحمة لا تستغرب وهى من أبسط القيم الإنسانية أصبحت تحتاج إلى إعادة تذكير بمعناها.. أو التذكير بمقولة إن عظمة الأمم تُقاس بطريقة تعاملها مع الكائنات الأضعف.. وكلما تأملت العبارة شعرت أن الرحمة ليست مجرد سلوك لطيف بل طريقة كاملة لفهم القوة وحدودها داخل المجتمعات.
 


ولهذا بات لدى اعتقاد أن كثيرًا من المشاكل وما يدور حولها من صخب أو سوء فهم أو توتر لا يعود إلى نقص المعلومات.. ولا نقص الكلام ولكن إلى أننا لم نعد نتفق دائمًا على معنى الأشياء.. زى ماقالها شكسبير «الاسم ليس هو الشيء».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط