الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

خلال  الأيام القليلة الماضية، طرحت فكرة مقترح مشروع قانون بإصدار «الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة» من أحد أعضاء مجلس النواب.. بهدف التنشيط السياحى وتطوير أحد أهم المسارات الدينية فى العالم. وسرعان ما تحول الأمر سريعًا من خلال بعض المنصات على السوشيال ميديا.. وكأنها معركة هوية تم توظيفها لإعادة إنتاج خطاب طائفى ناعم مغلف بقدر من الحساسية الشديدة والارتباك الوطنى والرغبة فى صناعة كيان رمزى موازٍ.. ربما يتجاوز فكرة المشروع نفسه.

 

 مشهد غير برىء
 


عقب تداول مقترح المشروع.. انطلقت موجة من الكتابات والبوستات التى توحى بالدفع الطائفى من جانب، وعدم فهم أهمية هذا المشروع وخطورته من جانب آخر. وانتقل الحوار والنقاش من كونه مشروعًا سياحيًا وتنمويًا له أبعاد دينية مسيحية إلى مساحة شديدة الخطورة فى إعادة تعريف المجال الوطنى على أساس طائفى بغيض. ولذا كان من الطبيعى أن يتفاعل الكثيرون مع مساحة عدم الثقة لتزداد اتساعًا بشكل مبنى على عنعنات وليس معلومات، وعلى مخاوف حقيقية وليس معلومات حقيقية.
 


وربما كان ما سبق هو ما جعل البيان الختامى للمجمع المقدس الذى صدر فى 22 مايو 2026 لم يحمل أى إشارة من قريب أو من بعيد لمشروع قانون «الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة».. لأنه ببساطة لم يصل له وللكنيسة أى افادة رسمية بالفكرة من الأساس للرد عليها.
 


 هويات واستحقاقات..
 


الملفت فى ردود الأفعال الافتراضية بشكل مبدئى هى رفض المشروع وعدم الترحيب به والتشكيك فى نوايا الفكرة. وقد استطاعت بعض اللجان الإلكترونية أن تبث روح الشك بين المواطنين المسيحيين المصريين بحيث تظهر الفكرة ليس باعتبارها تراثًا مصريًا إنسانيًا عامًا، بل باعتباره ملفًا مسيحيًا طائفيًا خاصًا.. يحتاج إلى إدارة استثنائية فى شكل كيان مؤسسى خاص، وتمثيل مستقل من أجل حضور دولى منفصل عن المؤسسة الكنسية. وهو ما يعد أخطر ما حدث فى تداول الفكرة باختزالها وتقزيمها بدلًا من التعامل معها باعتبارها انجازًا حضاريًا مصريًا وعالميًا.
 


وتناسى الغالبية.. أن الدولة المدنية المصرية الحديثة لن تدار بمنطق الملفات الطائفية اللعينة، ولن تدار أيضًا بمنطق الهويات والولاءات الدينية المحدودة.. لأنه حينما يتحول أى ملف تراثى إلى قضية دينية، تفقد الدولة تدريجيًا عبقها التاريخى والوطنى.. لتصبح جزر منعزلة لهويات فرعية قاتلة. 
 


 أبعد من مجرد فكرة..
 


الواقع أن السؤال المنطقى هنا.. ليس فى سبب ترحيب البعض وتدعيمه لفكرة مشروع القانون، ولكن فى سبب انشاء «هيئة مستقلة» تحديدًا، والتى بدت هدفًا مرجحًا بحد ذاته. وهو ما جعل البعض يرتاب فى مشروع القانون، ويستنتج أن هناك أبعادًا خفية غير معلنة.. خاصة أن المقترح لم يكن فقط عن تطوير المسار وترميم مواقعه وتحسين الخدمات فيه. ولكن بالتأكيد فى أكثر من مادة من مواد القانون المقترح على استقلالية الملف وخصوصيته مما يتطلب ضرورة وجود إدارة منفصلة ومستقلة تمامًا له. كما تتضمن المادة الثانية ضمن الأهداف: (إزالة المعوقات التى تعترض نمو الحركة السياحية والعمل على زيادة العوائد الاقتصادية. والقيام بكافة أشكال أعمال البنية التحتية والترميم لمسار العائلة المقدسة بالتنسيق مع الجهات  المختصة).
 


كما تنص المادة السادسة على: (تنقل تبعية الأراضى والمنشآت السياحية غير الأثرية الواقعة فى نطاق نقاط المسار بقرار من رئيس مجلس الوزراء من المحافظات المعنية إلى الهيئة، بعد العرض من الوزير المختص بشئون التنمية المحلية لضمان وحدة الإدارة والتنفيذ).
 


 تطييف المجال العام..
 


وبناء على ما سبق، يمكن فتح الباب لوجود هيئات متخصصة أخرى على غرار: الهيئة العامة للمزارات الصوفية، والهيئة العامة لآل البيت، وهيئة التراث اليهودى، والهيئة العامة للمواقع الإسلامية التاريخية.
 


وهو طريق بهذا الشكل يأتى على النقيض من ركائز دولة 30 يونيو التى اعتمدت «المواطنة» كمرجعية لعلاقة المواطن المصرى بالدولة. وبالتالى، فأن الدولة المدنية المصرية الحديثة لا تستقيم أن تقوم على أساس خريطة متشعبة للهيئات والاتحادات الطائفية والطوائفية الضيقة.
 


 الطابق المسحور والمسكوت عنه..
 


فى 9 مارس 2024 كتبت على صفحات مجلة روزاليوسف مقالًا بعنوان «مصر أولًا.. ملف الطابق المسحور والمسكوت عنه.. مسار العائلة المقدسة على أجندة أوبرا رومانا» حيث طالبت بالتالى:
 


1 - إعداد مشروع متخصص لتنمية مواقع (محطات) مسار العائلة المقدسة التى تحيط بها العشوائيات.. مما يصعب دخول السائحين لها، مثل: صعوبة استقبال كنيسة العذراء والقديس أبانوب فى سمنود بمحافظة الغربية للأفواج السياحية بسبب وقوع الكنيسة وسط سوق شعبى كبير.
 


2 - تنشيط وتحفيز الوزارات المعنية.. خاصة وزارة التنمية المحلية. وهو ما يعنى أهمية ضرورة دعم مشروع المسار، والتركيز عليه من خلال تحسين الصورة الذهنية للمنتج السياحى المصرى عالميًا.. باعتباره متفردًا وشديد التميز.
 


3 - إعداد نشرات وكتيّبات دورية تستهدف برنامج إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة، وما يتطلب ذلك من ضرورة التنسيق بين وزارات السياحة، والآثار، والداخلية، والتنمية المحلية بصفة مستمرة لتحديد الأدوار فى تطوير نقاط (محطات) مسار الرحلة، والاطلاع على استراتيجية الحكومة لتحقيق أفضل نتيجة.
 


4 - معالجة سلوكيات المواطنين المقيمين بالمحطات الموجودة بالمسار من خلال وضع خطة بأولويات محددة قابلة للتنفيذ على مراحل لمعالجة تلك السلبيات. وفى مقدمتها توفير فرص العمل للأهالى المحيطين بمحطات مسار رحلة العائلة المقدسة بعد تدريبهم بشكل محترف مما ينمى انتماءهم للمنطقة. 
 


5– تنمية المجتمع المحلى فى مواقع الزيارات وتقديم الخدمات اللازمة من فنادق وكافتيريات ومطاعم تليق بأهمية المسار كمنتج سياحى، وضرورة نشر الوعى السياحى بعقد لقاءات ومحاضرات ودورات توعية.
 


 رسوم على الصلاة..
 


رغم أهمية هذا المشروع لمصر وللعالم.. تباينت تفسيرات بعض عبارات القانون لاستنتاجات سلبية.. تحذر مما سيترتب على إنشاء هذه الهيئة من فرض رسوم على المواطنين المسيحيين المصريين الراغبين فى الصلاة داخل الكنائس والأديرة الواقعة ضمن محطات المسار.
 


خطورة هذا الطرح.. ليس فى كونه حقيقيًا وواقعيًا أم وهميًا وخياليًا. بل لكونه يكشف مساحة أزمة الثقة التى جرى ترسيخها والترويج لها داخل بعض الدوائر. الطبيعى أنه لا توجد دولة فى العالم.. تفرض رسومًا على ممارسة الشعائر الدينية لأن هناك فرق بين المواقع الأثرية والسياحية وبين مواقع دور العبادة. 
 


 الخلط الموجه الذى حدث.. استهدف ترسيخ شعور بتربص الدولة الصرية بالأديرة والكنائس لإشاعة مناخ من الخوف والارتياب والشك فيما يمكن أن يطرح سواء بشكل شخصى أو مؤسسى باستخدام كلمات مستفزة لوصف الدولة على غرار: ستسيطر، ستمنع، ستفرض، ستتدخل، ستستولى.
 


 السيطرة على الكنائس والأديرة..
 


الملاحظ فى بعض التعليقات هو أنها تعاملت مع مشروع القانون باعتباره محاولة للسيطرة على الكنائس والأديرة. وهو طرح يهمل ويتجاهل أنهما جزء من المجال الوطنى المصرى بالفعل، وليست مناطق سيادية مغلقة أو جزر منعزلة أو منغلقة على نفسها.
 


من حق الحكومة أن تقوم بتنظيم المجال السياحى، وحماية المواقع الأثرية وتأمينها، وتطوير الخدمات بها، وإدارة البنية التحتية واللوجستية.. طالما لا يمس ذلك ما يتعلق بالعقيدة أو الشعائر الدينية أو الإدارة الدينية داخليًا. وهو ما يجعلنا نميز الخيط الرفيع بين ما سبق وبين فكرة سيطرة الدولة واستيلائها على الكنائس والأديرة الأثرية لما بترتب على هذا الطرح الفاسد من نزعة الانفصالية بين المواطنين المسيحيين المصريين والحكومة.
 


احترام قدسية الأماكن الدينية.. لا تتعارض مع دور الدولة. والدولة ليست هى التهديد لفتح أبواب دعوات الحماية والوصاية والتدويل والرقابة الدولية.
 


 نقطة ومن أول السطر..
 


مصر ليست دولة تبحث عن تعريف دينى.. فهى ليست دولة دينية، بل على النقيض هى دولة حضارية إنسانية.. استوعبت على أرضها أديان وحضارات وثقافات متعددة. الأزمة ليست فى مسار العائلة المقدسة، بل فى التصورات التى يحاول البعض ترسيخها لإعادة تعريف مصر.
 


الدولة المدنية المصرية لا يمكن اختزالها فى سردية دينية منفردة.

 

نقلًأ عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط