الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تعريف الصَّحابى وبيان عدد الصَّحابة: «الصَّحابة» جمع «صَحابيّ»، أو جمع «صاحب»، وعند الاطلاق يكون المراد - عند المسلمين - «صحابة رسول االله صلى االله عليه وسلم»، وقد اختلف علماء الحديث النَّبوى فى تحديد عددهم، كما اختلفوا فى تعريف المستحقِّ لهذا اللَّقب الشَّريف.


أمَّا عدد الصَّحابة فهو تقريبيٌّ؛ لعدم وجود سجلٍّ مدنيٍّ بهم فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعدم انشغال الصَّحابة أنفسهم بوضع سجلٍّ مدنيٍّ بأسمائهم؛ خاصَّة بعد تفرُّق أكثرهم فى البلدان والقرى والبوادى فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم وبعد موته.
 


وعندما ظهر عصر التَّدوين للأحاديث النَّبويَّة فى القرون التالية انشغل علماء الحديث بتعريف الصَّحابى وبتحديد عددهم، من أجل تحقيق المرويَّات الحديثيَّة المنسوبة إليهم.
 


وقد اختلف هؤلاء العلماء فى ذلك اختلافًا كبيرًا بسبب قيام عملهم الإحصائى على روايات مختلفة من أبناء الجيل الثانى أو الثالث، وحتَّى الشَّهادات الصَّادرة من أبناء الجيل الأوَّل فإنَّها قاصرة على رؤية الشَّاهد المحدودة؛ لأنَّ الصَّحابة أنفسَهُم لا يعلمون حصرًا لعددهم، ولا تحديدًا لأسمائهم، ومبلغُ علم أحدهم بهم خاص بدائرة تعامله، ولذلك قال شمس الدين السَّخاوى ت902هـ تفسيرًا لاختلاف علماء الحديث فى حصر أعداد الصَّحابة: «كلٌّ حكى على قدر تتبُّعه ومبلغ علمه»، كما فى «فتح المغيث شرح ألفية الحديث». 
 


ومن أشهر اجتهادات علماء الحديث فى عدد الصَّحابة هو ما انتهى إليه الحافظ أبو زرعة الرَّازى المولود بمدينة الرَّى بمحافظة طهران بإيران سنة 207هـ، والمتوفَّى بالرَّى نفسها سنة 264هـ، والذى قال: «قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألفٍ وأربعةِ عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، فقال له رَجُل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة وأهل مكَّة ومن بينهما والأعراب ومَنْ شهد معه حجَّة الوداع، كلٌّ رآه وسمع منه بعرفة»، وقد حكى ذلك الخطيب البغدادى ت463هـ فى «الجامع لأخلاق الرَّاوى وآداب السَّامع».
 


وقال السَّخاوى فى مرجعه السَّابق: «عن الشَّافعى ت204هـ - كما فى «مناقبه» للآبرى، والسِّياجى فى طريق ابن عبدالحكم عنه - قال: «قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستُّون ألفًا، ثلاثون ألفًا بالمدينة، وثلاثون ألفًا فى قبائل العرب وغير ذلك».
 


وأمَّا تعريف الصَّحابى فيقول ابن حجر ت852هـ فى «الإصابة فى تمييز الصحابة»: «أصحُّ ما وقفتُ عليه من ذلك، هو أنَّ الصَّحابى: هو من لقى النَّبى صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام».
 


فيدخل فى تعريف الصَّحابى المؤمن به ممَّنْ طالت مجالسته الرَّسول صلى الله عليه وسلم أو قصرت، وممَّنْ روى عنه أو لم يرو عنه، وممَّنْ غزا معه أو لم يغز فى عصره، وممَّنْ لقيه فرآه رؤية عينٍ أو لم يره لعارض كالعمى. 
 


يقول محمد عبدالرؤوف المناوى ت952هـ فى «اليواقيت والدرر فى شرح نخبة ابن حجر»: «ولو تَخَللَّت ردَّة فى الأصح»، يعنى يكون صحابيًّا مَنْ مات على الإيمان وكان قد رأى النبى صلى الله عليه وسلم مؤمنًا، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ عاد إلى الإيمان تائبًا، مثل عبدالله بن سعد بن أبى السَّرح.
 


فضل الصَّحابة عقلًا وشرعًا:
 


الصَّحابةُ هُمْ أوَّلُ مَن نطقوا الشهادتين، وهُمْ أوَّلُ مَن أقاموا شعائر الدِّين الخاتم، وهُمْ الذين نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم فى مواجهة مانعيه عن إبلاغ النَّاس رسالات الله تعالى الخاتمة جحودًا وتعسُّفًا.
 


وفوق ذلك فإنَّ الله تعالى قد زكَّاهم فى كتابه، وشهد لهم - فى الجملة - بالرِّضا عنهم ورضاهم عنه، كما زكَّاهم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وشهد لهم - فى الجملة - بخيريَّة إيمانهم وبحُسْن إسلامهم.
 


فمن شهادة الله تعالى للصَّحابة عموم قوله تعالى: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم» (التوبة: 100).
 


ومن شهادة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم للصَّحابة، ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود، قال: سٌئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ النَّاس خير؟ فقال: «خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجىءُ أقوامٌ تسبقُ شهادةُ أحدهم يمنَه ويمينُه شهادَتَه». 
 


وأخرج الدار قطنى، فى «المؤتلف والمختلف» عن جابر بن عبدالله، وعبيد الله العُكْبَرى المعروف بابن بطَّة فى «الإبانة الكبرى» عن ابن عباس، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّما أصحابى كالنَّجوم، فبأيِّهمُ اقتديتم اهتديتم».
 


وجه أفضليَّة الصَّحابة عند الباطنييِّن:
 


1 - تعريف الباطنييِّن: 
 


الباطنيُّون هم مَنْ يزعمون ميراث احتكار تفسير النُّصوص الدِّينيَّة وتأويلها على الوجه الذى يريدون فى باطنهم، ولو كان هذا التفسير مخالفًا لظاهر النُّصوص تمامًا؛ لتمرير معتقدات دِينيَّة تستلبُ من الأتباع حُريَّتَهم الفقهيَّة، وتجعلهم كالقطيع فى يد زعمائهم الدِّينييِّن؛ كمعتقد اختيار الله تعالى للإمام الحاكم الذى يُعيِّنه الزَّعيم الدِّينى من دون سائر النَّاس، ومُعْتقد عصمة هذا الإمام فى كلِّ فتاويه مهما تعارضت أو كانت ظاهرة الفساد، ومُعْتقد تصديق الزَّعيم الدِّينى فيما يدَّعى من جريان الكرامات الخارقة للعادة على يديه حيًّا أو أمام ضريحه ميِّتًا، وتصديقه فى التَّأثير بالنَّفع أو الضَّرر لما يُنْشئه من أوراد بعدد معيَّن وصيغ خاصَّة فى الصَّلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، أو فى ترديد بعض أسماء الله تعالى. 
 


وأوَّلُ مَنْ اتَّجه إلى هذا الفكر الباطنى فرقُ الشِّيعة الإسماعيليَّة والاثنى عشريَّة وما تفرَع عنهما من فرقٍ بأسماءَ كثيرة كالقرامطة والفاطمييِّن، ومن أجنحةٍ تختبىء تحتها تلك الفرق باسم الطُّرُق الصُّوفيَّة ذات العدد. 
 


2 - التَّوجيه المُغرض للباطنييِّن فى فضل الصَّحابة:
 


يَعْملُ الباطنيُّون على توجيه أدلَّة فضل الصَّحابة على الشَّخصانيَّة، بمعنى أنَّهم يوجِّهون أفضليَّتهم إلى ذواتهم، وليس إلى نمط إيمانهم أو أنموذج إسلامهم؛ وذلك بهدف تمرير مزاعمهم أنَّ الله تعالى يصطفى من خلقه أولياء يعرفهم النَّاس بالاسم، كما يعرفون الأنبياء بالاسم، وهؤلاء الأولياء لهم حقُّ السَّمع والطَّاعة على مريدهم، كما يجب على المريدين أنْ يحسنوا الظَّنَّ فيهم؛ لكون إساءة الظنِّ فى الوليِّ كبيرة أشدُّ خيانة من خيانة الجندى فى المعركة، فالولى أعلى مرتبة من النبى، كما يقول عبدالقادر الجيلانى ت561هـ: «أوتيتم معاشر الأنبياء اللقب، وأوتينا ما لم تُؤْتَوا»، وهو العلم اللَّدنِّى مع جريان الكرامات بخوارق العادات، ويقول على الخوَّاص ت940هـ: «إنَّ الأولياء قد أوتوا القدرة على الاطِّلاع على علوم الأنبياء من غير وساطة، ولولا أنَّ الله طالبهم بألَّا يَدَّعوا ما ليس لهم لادَّعوا النُّبوَّة»، وقد حكى ذلك عبدالوهاب الشَّعرانى ت973هـ فى كتابه «الجواهر والدُّرر»، ونقله عنهم الدكتور توفيق الطويل (1909-1991م)، فى كتابه: «التَّصوُّف فى مصر ابَّان العصر العثمانى»، وقال بعد حكايته لأقوال الخواص والجيلانى: «بل تمادوا فى شططهم فتركوا الكلام فى وجوه الشبة بين الولى وبين النبى، وأخذوا يُعدِّدون الشَّبه بين الله والولى». 
 


3 - مراتب الأولياء عند الباطنييِّن:
 


يُقسِّمُ زعماءُ الصُّوفيَّة الباطنيُّون الأولياء - فى الحديث عن الغيبيَّات - إلى مراتب مختلفة باختلاف اتِّجاه الطريقة الصُّوفية، ومن أشهر تلك الاتِّجاهات مَنْ يرى تقسيم الأولياء إلى أربع مراتب فى هيكل هرمى، أعلاه «القُطْب» ثمَّ الأوتاد، ثمَّ الأبدال، ثمَ النُّجباء، كما يلى: 
 


(1) القُطْبُ الصُّوفى: هو مَنْ بلغ مرتبة الغوث للملهوف الذى يقصده من دون الله، وهو رأسُ الولاية، ومدار الكون، ومحور تدبير الأمور الباطنة، ولا يكون فى الزَّمان إلَّا قُطْبٌ واحد، وإذا مات خَلَفه آخر من الأولياء الأربعة دونه الذين يسكنون مرتبة «الأوتاد».
 


(2) الأوتاد الصُّوفيَّة: هم أهل مرتبة ولاية دون «القُطْب»، وهى لا تسع إلَّا لأربعة فقط، وهؤلاء الأوتاد الأربعة لا يغفلون عن الله طرفة عين، وبهم يُثَبِّتُ الله الدِّين والإيمان فى قلوب النَّاس، ويحفظ بهم الجهات الأربع (الشَّرق والغرب والشَّمال والجنوب)؛ كالجبال التى جعلها الله أوتادًا للأرض، وإذا مات أحدهم استعيض عنه من الأولياء دونه الذين يسكنون مرتبة «الأبدال» أو البدلاء. 
 


(3) الأبدال الصُّوفيَّة: هم أهل مرتبة ولاية دون الوتد، وعددهم سبعة أو أربعون أو سِتُّون بحسب اختلاف الطُّرق الصوفيَّة الباطنيَّة ومرويَّاتها فى عددهم، وهؤلاء الأبدال يُعْرفون بصفاء الأسرار، ويتركَّزون فى الشَّام، وقد أوكل الله إليهم حفظ أقاليم الأرض السَّبعة الموازية لخط الاستواء، والتى رسمتها الهند، فجعلت بابل وهى العراق وسطها، وجعلت صفة الأقاليم كأنَّها حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر حولها، وهذه الأقاليم السَّبعة بالتَّرتيب هى: (الهند، والحجاز، ومصر، وبابل وهى العراق الدَّائرة الوسطى، والرُّوم وهى الشَّام، والتُّرك، والصِّين)، وإذا مات أحد الأبدال استعيض عنه من الأولياء دونهم الذين يسكنون مرتبة «النُّجباء» أو النُّقباء.
 


(4) النُّجباء الصُّوفيُّون: هم أهل مرتبة ولاية دون الأبدال، وعددهم أربعون أو ثلاثمائة بحسب اختلاف الطُّرق الصوفيَّة فى مرويَّات عددهم، ووظيفتهم استخراج خبايا النُّفوس، بزعم أنَّ الله تعالى أوكل إلى النُّجباء معرفة أسرار النَّاس والعمل على إصلاح العباد، وهُمْ يتركَّزون فى مصر. 
 


4 - ترويج جلال الدِّين السيوطى وتلميذه الشَّعرانى للفكر الباطنى:
 


لقد ألَّف جلال الدِّين السيوطى (849هـ-1445م : 911هـ-1505م) كُتُبًا فى التَّرويج لهذا الفكر الباطنى، منها: «الخبر الدَّال على وجود القُطْب والأوتاد والنُّجباء والأبدال»، وأورد فى هذا الكتاب أحاديث فى ذلك، منها:
ما أخرجه أحمد فى «مسنده»، عن شريح بن عُبيد، قال: ذُكِر أهلُ الشَّام عند على بن أبى طالب، وهو بالعراق، فقالوا: العَنْهم يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، إنِّى سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأبدالُ يكونون بالشَّام، وهم أربعون رَجُلًا، كلَّما مات رَجُلٌ أبدل الله مكانه رَجُلًا يُسْقَى بهم الغيث، ويُنْتَصرُ بهم على الأعداء، ويُصْرَفُ عن أهل الشَّام بهم العذاب».
 


وأخرج أبو بكر عبدالله بن محمد البغدادى الأموى، المعروف بابن أبى الدنيا ت281هـ، فى كتابه «الأولياء»، عن على بن أبى طالب، قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأبدال؟ قال: «هم سِتُّون رَجُلًا»، قلت: يا رسول الله، جَلِّهم لي؟ قال: «ليسوا بالمُتنطِّعين، ولا بالمُبتدعين، ولا بالمُتنعَّمين، لم ينالوا ما نالوه بكثرة صيامٍ ولا صلاةٍ ولا صدقةٍ، ولكن بسَخَاء الأنفس، وسلامة القلوب، والنَّصيحة لأئمَّتهم، إنَّهم يا عليُّ فى أمَّتى أقلُّ من الكِبْريت الأحمر».
وأخرج أبو القاسم على بن الحسن، المعروف بابن عساكر ت571هـ فى «تاريخ دمشق»، عن على بن أبى طالب، أنَّه قال: «الأبدال من الشَّام، والنُّجباء من أهل مصر، والأخيار من أهل العراق»، وفى رواية أخرى عن على بن أبى طالب، أنَّه قال: «قُبَّةُ الإسلام بالكوفة، والهجرة بالمدينة، والنُّجباء بمصر، والأبدال بالشَّام، وهم قليل».
 


5 - السيوطى يُقلِّدُ الشَّعرانى خِرْقة الصُّوفيَّة وهو فى سنِّ العاشرة: 
 


كان من نتائج ترويج السيوطى للفكر الصُّوفى الباطنى ميلاد تلميذه الصُّوفى عبدالوهاب الشَّعرانى (898هـ-1491م: 973هـ-1565) المولود فى قرية قلقشندة بقليوب، قرية جدِه لأمِّه - التى كان قد وُلد فيها الليث بن سعد ت175هـ-791م - ثمَّ انتقلت أسرة الشَّعرانى بعد أربعين يومًا من مولده إلى قرية أبيه «ساقية أبو شعرة» مركز أشمون بالمنوفيَّة التى انتسب إليها، وسمِّى بالشَّعرانى أو الشَّعراوى، ثمَّ انتقل إلى القاهرة وهو فى غضون العاشرة من عمره مع أبيه «أحمد بن على الأنصارى» الذى طلب إلى جلال الدين السيوطى أنْ يُجيز ابنه «عبدالوهاب الشَّعرانى» فأجازه بكلِّ مرويَّاته، وهو فى هذه السِّن، وألبسه خِرْقة الصُّوفيَّة وهو لايزال صبيًّا، وذلك فى منزل السيوطى بروضة المقياس بالقاهرة، وما لبث أنْ مات «أحمد» والد «عبدالوهاب الشَّعرانى» عقب تلك الإجازة، فكفله أخوه «عبدالقادر».
 


ويُعدُّ الشَّعرانى امتدادًا لمدرسة السيوطى الصُّوفيَّة على الرغم من أنَّ الشَّعرانى كان طفلًا فى سنِّ العاشرة يوم التقى السيوطى، وناهز الثالثة عشرة من عمره يوم مات السيوطى، إلَّا أنَّه يعتبر من أبرز المعتمدين على فكره الصُّوفى الباطنى، ومن أقوى الممتدحين لتصوُّفه وثباته عليه، والتزم بورد السيوطى الخاص بالصَّلاة على النبى صلى الله عليه وسلم عدد 50 ألف مرة يوميًّا، وجعل يدعو إلى تحريم التَّفكير فى كتاب الله، بزعم التَّأدب مع الله، وأنَّ مَنْ آثر حكم العقل على حكم الله كان فى ضلال مبين، وقد سانده الاحتلال العثمانى فى تعظيم مكانته الاجتماعيَّة وإشاعة كراماته؛ ليشهد لهم بقوله: «إنَّ العلم - أى بالدِّين - قد بلغ غايته عند زحف التُّرك إلى مصر»، كما ورد تفصيل كل ذلك عن الشَّعرانى فى كتاب الدكتور توفيق الطويل: «الشَّعرانى إمام التَّصوُّف فى عصره».
 


توجيه أفضليَّة الصَّحابه: 
 


بعيدًا عن شطط الفكر الصُّوفى الباطنى المغرض من توجيهه فضل الصَّحابة إلى الفضل الشَّخصاتى - لتمرير تمكين الأولياء الصُّوفيِّين من مريديهم سمعًا وطاعة، بزعم أفضليَّتهم الشَّخصانيَّة، وجريان الكرامات على أيديهم - فإنَّ النَّظرة المُنصفة والعادلة لمقام الله تعالى فى خلقه، ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم توحيدًا لله تعالى فى النَّفع والضَّرر تقتضى توجيه فضل الصَّحابة - الثَّابت فى كتاب الله تعالى وفى أحاديث رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم - موضوعيًّا وليس شخصانيًّا.
 


ذلك أنَّ الصَّحابة الكرام قد بلغوا مراتب الفضل بنمط إيمانهم وبأنموذج إسلامهم، وليس لسِرٍّ كامنٍ فى أشخاصهم، فقد كانوا على غير الإسلام الخاتم قبل أنْ يعرفوا نوره الذى أقبلوا عليه أرسالًا، كلٌّ فى أجله الذى بلغه، كما أنَّهم حين دخلوا الإسلام الخاتم لم يُكْلَفوا بورد الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم عددًا، ولا بغيره من الأوراد - فى ذِكْر بعض أسماء الله تعالى - التى اختلقها زعماءُ الصُّوفية؛ لإشغال مريديهم وإخضاعهم لسلطانهم، بالإضافة إلى أنَّ صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنقلهم إلى طبيعة الملائكيَّة، بل ظَلُّوا بشرًا يُخطئون ويُصيبون؛ كما أخرج أحمد عن أنس بن مالك، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومًا: «والذى نفسى بيده لو لم تُخطئوا لجاء الله - عزَّ وجلَّ - بقوم يُخطئون ثم يستغفرون الله فيغفرُ لهم».
 


وأخرج مسلم عن حنظلة الأسيدى: قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوَعَظنا، فذكر النَّار، قال: ثم جئتُ إلى البيت فضاحكتُ الصبيان ولاعبتُ المرأة، فخرجتُ فلقيتُ أبا بكر فذكرتُ ذلك له، فقال: وأنا قد فعلتُ مثلَ ما تذكرُ، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول الله، نافقَ حنظلة، فقال: «مه»؟ فحدَّثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا فعلتُ مثلَ ما فعَلَ؟ فقال: «يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذِّكر لصافحتكم الملائكة حتى تُسَلِّمَ عليكم فى الطُّرُق».
 


ومع كلِّ ذلك فقد شهد القرآن الكريم بفضل الصَّحابة فى الجملة، كما شهد لهم الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ممَّا يؤكِّد أنَّ تلك الأفضيليَّة للصَّحابة لا علاقة لها بالشَّخصانيَّة، فلزم أنْ تكون تلك الأفضلية لنمط إيمانهم القائم على الاستقلاليَّة بالتَّوحيد وليس على التَّبعيَّة للآباء أو الأمراء الدِّينييِّن، ولأنموذج إسلامهم القائم على الاستقلاليَّة باستفتاء القلب وليس على التَّقليد باستفتاء الشَّيخ أو الأمير الدِينى.
 


ويدلُّ على نمط الإيمان الاستقلالى للصَّحابة: انسلاخهم عن دِين آبائهم وأجدادهم وأمرائهم الدِّينييِّن بمجرَّد إدراك أحدهم شِرْكيَّته فيه، وعدم استقلاليَّته فى صِلَته بالله تحت لوائه، فدِين الشِّرْكِ قائمٌ بسدنته وسَحَرته، وليس قائمًا بذاتيَّته ومَنْطقيَّته. 
 


ولذلك أقبل الصَّحابة الكرام إلى الإيمان بدِين الإسلام الذى ابتعثَ الله خاتمَ رسله صلى الله عليه وسلم لإحيائه على ملَّة إبراهيم، وكَلَّفه أنْ يَكْشِف للنَّاس قيام هذا الدِّين على ذاتيَّته ومنطقيَّته، وليس على يد سدنةٍ أو سَحَرة يتأكَّلون منه رزقهم، ويتربَّحون به مكاسبهم.
 


فالإسلامُ دِينٌ قائم على التَّوحيد لله فى النَّفع والضَّرر، بما يجعل النَّاس سواسية فى البشريَّة بدون تمييز طبقى دينى أو عِرقى أو ذكورى، وهو دِينٌ قائم على الاستقلاليَّة الإيمانيَّة بما يجعلُ لكلِّ إنسانٍ فى الله مثلَ ما للآخر، ولكلِّ مؤمنٍ بالله صِلةً مستقلَّة به، وعزَّةً إيمانيَّة مستقلَّة على قَدْر نيَّة كلِّ مؤمن استقلالًا، وعلى قَدْر عَقْله فهمًا، وعلى قَدْر بدنه لياقة، وعلى قَدْر ماله استطاعةً، وعلى قَدْر أوضاعه الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة إتاحةً. 
 


لذلك لم يقلْ الصَّحابة الكرام كما قال الإمَّعون القطيع، فيما يحكيه الله عنهم فى قوله تعالى: «وجدنا آباءنا لها عابدين» (الأنبياء: 53)، وفى قوله تعالى: «وجدنا آباءنا كذلك يفعلون» (الشعراء: 74).
 


وإنَّما قال الصَّحابة الكرام بإرادة كلِّ صحابى انفرادًا واستقلالًا عن غيره، بعد الرُّجوع إلى قلبه دون مخلوق سواه، كما قال تعالى: «ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا» (آل عمران: 193).
 


ويدلُّ على أنموذج إسلام الصَّحابة الاستقلالى باستفتاء القلب: انفراد كلِّ صحابى بنجوميَّته الفقهيَّة المستقلَّة التى تباهى بها الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه البيهقى ت458هـ فى «المدخل إلى السنن الكبرى»، والخطيب البغدادى ت463هـ فى «الفقيه والمتفقِّه»، عن عمر بن الخطاب، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: «سألتُ ربِّى - عزَّ وجلَّ - فيما يختلف فيه أصحابى من بعدي؟ فأوحى إليَّ: يا محمد، إنَّ أصحابك عندى بمنزلة النجوم فى السَّماء، بعضها أضوءُ من بعض، فمن أخذ بشيءٍ ممَّا هم عليه من اختلافهم فهو عندى على هدىً».
 


وقد كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم هو حامى تلك النُّجوميَّة الفقهيَّة المستقلَّة لمن أسلم على يديه من أصحابه إلى آخر أيامه فى الدُّنيا، حتَّى إنَّ الذين أسلموا مُتأخِّرين، ولا يعرفون عن شعائر الإسلام إلَّا القليل، كان يستنهض فيهم الاستقلاليَّة، ولم يجعلهم فى ذِمَّة قُدَامى المسلمين، أو تحت سلطان فتوى مشاهير الصَّحابة.
 


فهذا «واثلة بن الأسقع» الذى أسلم فى السنة التَّاسعة من الهجرة قبيل غزوة تبوك التى كانت فى شهر رجب، وكان من الفقراء المقيمين مع أهل الصُّفَّة بالمسجد النَّبوى، عندما التقى فى حجَّة الوداع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى مسجد الخَيف، قال: يا رسول الله، لِتُفتِنا عن أمر نأخذه عنك من بعدك؟ قال: «لِتُفتِك نفسُك»، فقال: وكيف لى بذلك؟ قال: «دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، وإن أفتاك المُفتون»، فقال: وكيف لى بعلم ذلك؟ قال: «تضع يدك على فؤادك، فإن القلب يسكن للحلال، ولا يسكن للحرام»، كما أخرجه أبو يعلى والطبرانى. 
 


وهذا «سفيان بن عبدالله الثَّقفى»، الذى أسلم فى وفد ثقيف فى شهر رمضان السَّنة التَّاسعة من الهجرة بعد غزوة تبوك، أنَّه قال: يا رسول الله، قل لى فى الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا غيرَك، أو بعدك؟ فقال: «قل آمنتُ بالله ثم استقم»، كما أخرجه أحمد والنسائى. وفى رواية عند ابن حبان، أنَّه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: حدِّثنى بأمر أعتصم به؟ فقال: «قل ربِّى الله ثم استقم».
 


وهذا «وابصة بن مَعبِد الأسْدى»، الذى أسلم فى عام الوفود السَّنة التَّاسعة من الهجرة، أنَّه قال: يا رسول الله، ما هو البِرُّ وما هو الإثمُ؟ فقال: «يا وابصة، استفتِ نفسَك، البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلب، واطمأنَّت إليه النَّفس، والإثم ما حاك فى القلب، وتردَّد فى الصَّدر، وإن أفتاك النَّاس وأفتَوك». وفى رواية: «يا وابصة، استفت قلبك، واستفت نفسك - ثلاثَ مرَّات - البرُّ ما اطمأنَّت إليه النَّفس، والإثم ما حاك فى النَّفس، وتردَّد فى الصَّدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»، كما أخرجه أحمد والدارمى وأبويعلى والطبرانى. 
 


وهذا «النَّواس بن سمعان الأنصارى»، الذى قَدِم مع أبيه من نجد عام الوفود السَّنة التَّاسعة من الهجرة، يقول: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البرِّ والإثمِ؟ فقال: «البرُّ حُسْنُ الخُلُق، والإثمُ ما حاك فى نفسك، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِع عليه النَّاس».
 


وهذا «أبو ثعلبة الخُشنى»، الذى قَدِم من حضرموت وتهامة السَّنة السَّابعة من الهجرة قبيل غزوة خيبر وشهدها، أنَّه قال: يا رسول الله، أخبرنى بما يحلُّ لى، ويحرم عليَّ؟ فقال: «البرُّ ما سكنت إليه النَّفس، واطمأنَّ إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النَّفس، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المُفتُون»، كما أخرجه أحمد، وابن الأعرابى فى «معجمه». 
 


وضوح وجه تفضيل الصَّحابة باستقلاليَّة إيمانهم وإسلامهم بدون تنظيمات سياسيَّة:
 


بهذا البيان السَّابق تَتَّضح أوجه أفضليَّة الصَّحابة الكرام فى استقلاليَّة إيمانهم بالاعتقاد الحُرِّ دون إملاءات مختطفى حُريَّة العقيدة التى تمارسها التَّنظيمات السِّياسيَّة الموصوفة بالدِّينيَّة بادِّعاء «احتكار المعتقد الصَّحيح» أو بظلم «مصادرة مُعْتقد النَّفس»، وفى استقلاليَّة إسلامهم بالاستفتاء الحُرِّ دون سلطان مختطفى حُريَّة الفقه الذى تفرضه التَّنظيمات السِّياسيَّة الموصوفة بالدِّينيَّة بأكذوبة «ولاية الفقيه» أو ببدعة «ولاية الإفتاء». 
 


فشل محاولات الباطنييِّن ما بقى التُّراث التَّاريخى لحياة الصَّحابة وبشريَّتهم:
 


إنَّ كلَّ محاولات الباطنييِّين التى تُوَجِّه فضل الصَّحابة الكرام توجيهًا شخصانيًّا فى ذات الصَّحابى وعينه؛ لتمرير مشروعهم الباطنى - الذى ينازع الله تعالى فى انفراده بالنَّفع والضَّرر - هى محاولات فاشلة مهما انطلت على الكثيرين فى ظلِّ الأميَّة الثَّقافيَّة. 
 


ذلك أنَّ التُّراث التَّاريخى الخالد شاهد على فساد هذا الادِّعاء الباطنى بعشرات الحوادث الدَّالة على بشريَّة الصَّحابة، وعدم متاجرتهم بالكرامات أو بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهُمْ مُقرِّون بأنَّهم يُخْطئون ويُصِيبون فى اجتهادهم، وبأنَّهم لا يأمنون مكر الله ولو كانت إحدى قَدَمى أحدِهم فى الجنَّة، وللحديث بقيَّة بإذن الله تعالى.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط