مارلين مونرو.. امرأة جذابة..امرأة تقرأ!
امرأة عارية تقرأ..
إذا أردنا أن نتخيل صورة واحدة لمارلين مونرو، فى ذكرى مولدها المئوية، وبعد 64 عامًا على وفاتها الصادمة، فلعل الصورة الأيقونة الأكثر تعبيرًا عن شخصيتها ومسيرتها الفنية هى صورتها التى تجلس فيها فى حديقة على جهاز لعب أطفال، مرتدية مايوه مخطط من قطعة واحدة، تقرأ مجلدًا ضخمًا فى يدها عبارة عن رواية «يوليسيس» (أو «عوليس») لأديب جيمس جويس، والتى تعد أصعب وأعقد رواية ظهرت فى تاريخ الأدب!
هذه الصورة، أو ربما واحدة أخرى من عشرات الصور التى تظهر فيها وهى تقرأ مرتدية مايوه أو قميص نوم شفاف أو تستلقى ببساطة على أريكة غرفة المعيشة فى بنطلون جينز وقميص.
لا توجد ممثلة، على حد علمى، صورت وهى تقرأ، أكثر من مارلين مونرو.
فى حياتها كان ينظر إلى تلك الصور، مثلما كان ينظر إلى توجهها لدراسة فن التمثيل بشكل علمى، وإلى سعيها للعب أدوار درامية أكثر جدية، وحتى زواجها من الأديب الكبير آرثر ميللر، باعتبارها محاولات لتغيير، أو تبييض، صورة نجمة الإغراء، الشقراء البلهاء، التى ارتبطت بها.
ولكن مع مرور السنوات والعقود ربما حان الوقت لإنصاف النجمة الأشهر والمرأة الأكثر شعبية فى تاريخ السينما، سواء كممثلة أو كشخصية عامة.
لقد حوصرت مارلين مونرو فى دور الشقراء التى تتمتع بجسد رائع وعقل متواضع منذ ظهورها فى نهاية أربعينيات القرن الماضى، ولأكثر من خمس سنوات، قبل أن تقرر التمرد على هذه الصورة وتتحدى مديرى شركات الإنتاج والصحافة والرأى العام، من خلال تأسيس شركة إنتاجها الخاصة، ومشاركتها فى أعمال ذات وزن درامى وفنى أثقل.
كانت مارلين الحقيقية، كما نعلم الآن، تتخفى خلف صورة الشقراء الغبية، وتستخدم الجسد الذى أنعمت به عليها الطبيعة لكى تشق طريقها الصعب عبر الفقر واليتم وطمع الرجال. هذا الاستخدام الجنسى للجسد للحصول على المال أو السلطة لطالما لجأت إليه النساء عامدات أو مضطرات منذ فجر التاريخ، غير أن مارلين مونرو كانت تختلف عن معظمهن فى شيئين: الأول هو الحس الكوميدى الذى تعرض به هذا الجسد. على عكس معظم نجمات الإثارة الأخريات كان أداء مارلين، خاصة فى مشاهد الإغراء يتسم بحس فكاهى، من ناحية يخفف من وطأة هذا الحضور الجذاب الآسر، ومن ناحية أخرى يرفع المشهد درجة، أو درجات، إلى مقام المحاكاة الساخرة (البارودى) الذى يسخر من الجسد نفسه ومن النظرة الذكورية البلهاء غالبًا، التى تتأمله. ويمكن المقارنة هنا، على سبيل المثال، بين دور ملكة الإغراء الأخرى كيم نوفاك فى فيلم «نزهة»، 1955 أو بريجيت باردو فى «وخلق الله المرأة»، 1956، حيث يشحن الإغراء فى كلا الفيلمين بطاقة خطرة ومدمرة تنتهى فى الحالتين بمأساة!
مع مارلين مونرو، فى معظم أدوارها المحببة مثل «كيف تتزوجين مليونيرًا» أو «الرجال يفضلون الشقراوات» أو «هرشة السينما السابعة»، لا يوجد هذا النوع من الخطر، وهو ما ينقلنا إلى السمة الثانية التى تميز جسد مارلين مونرو: أنها، شخصيًا، لا تخجل منه، إذا كانت فكرة الذنب والحرام والحلال قد بدأت مع إحساس آدم وحواء بالخجل، فإن مارلين مونرو تبدو غير واعية بهذا الخجل، ويبدو ذلك واضحًا فى أفلامها كما فى حواراتها وتصريحاتها، وقد تجلى بشكل خاص عندما ثارت فضيحة اكتشاف صور قديمة عارية لها على ظهر تقويم سنوى يعود إلى الأربعينيات، عندما لم تكن تتجاوز التاسعة عشرة، وقتها انزعج مدراء الشركات المنتجة لأفلامها بشدة وطلبوا منها التبرؤ من الصور والاعتذار عنها، ولكنها ردت عليهم، وعلى أسئلة الصحفيين، ببراءة: لقد كنت جوعانة وأحتاج إلى المال!
هذه الصورة التى جسدتها مارلين مونرو لا تكتمل إلا بتحليل استخدامها لصوتها والطريقة التى تنطق بها الكلمات، وهى طريقة مميزة لدرجة أنها تبدو وكأنها من اختراعها الشخصى، وكأن امرأة قبلها لم تكن لتجرؤ على الحديث هكذا: إنها تهمس وتفح مثل الأفعى، ولكن بطريقة تكاد تكون طفولية تدعو المستمع إلى العطف والحنو عليها أكثر مما تدعوه إلى ملامستها، فى مذكراتها التى نشرت بعد موتها تعترف مارلين فى إحدى الفقرات أنها كانت تلجأ أحيانًا للحديث عن اليتم والطفولة الفقيرة البائسة التى عانت منها، لكى تحظى بعطف الرجال بدلًا من اشتهائهم لها.
فى مارلين شيء طفولى يخاطب الجزء الأبوى فى الرجال، ويثير تعاطف حتى النساء معها، بإحصائية بسيطة يمكن أن نجد أن مارلين، من بين كل نجمات الإغراء فى تاريخ السينما، هى الأكثر شعبية بين النساء..غالبًا بسبب هذه القدرة على استدرار العطف.
ورغم أنه لا يمكن اعتبار مارلين مونرو مغنية محترفة إلا أنها كثيرًا ما غنت فى الأفلام، وخارجها، وقد استطاعت أن تشحن هذا الصوت بطاقة هائلة من الأنوثة المعجونة بالإثارة والبراءة فى اللحظة نفسها. ويمكن مثلًا الاستشهاد بقدرات مارلين المغنية فى أغنيتها الأشهر: «الماس أفضل صديق للبنت»، من فيلم «الرجال يفضلون الشقراوات»، أو دويتو «عندما يذهب الحب فى المسار الخطأ» مع جين راسل من الفيلم نفسه، أو أغنيتها «أريد أن تحبنى» من فيلم «البعض يفضلونها ساخنة، التى تعبر عن فرادة صوتها كأفضل ما يكون، أو أغنية «قلبى ينتمى لأبى» من فيلم «دعنا نمارس الحب»، حيث تجمع بين الإثارة والكوميديا والرقص بشكل استثنائى.
لم تقدر مارلين مونرو كممثلة فى زمنها. منذ البداية، كما أشرت، حوصرت فى دور الشقراء البلهاء، ولاحقًا، حتى عندما بدأت فى لعب البطولات، بسبب النوع الفنى الكوميدى وشخصية المرأة الفاتنة المشعة بالجاذبية التى غالبًا ما لعبتها، وحتى عندما بدأت فى تغيير جلدها من فيلم إلى آخر جاء ذلك متأخرًا جدًا، أو بمعنى أدق لم يسعفها العمر بتأكيد وتثبيت مكانتها كممثلة.
ولكن رحلة مارلين مونرو من مجرد جسد جميل إلى ممثلة محترفة تؤكد أن هذه المرأة كانت تتمتع بعقل غاية فى الذكاء وإرادة من حديد.
من العجيب أن أول أدوارها على الشاشة فى 1947 تم حذفه فى المونتاج بعد أن رأى المنتج داريل زانوك رئيس شركة فوكس أنها غير موهوبة ولا تصلح للتمثيل! موقف يمكنه أن يحطم معنوية الكثيرين ويدفعهم لليأس، ولكن ليس مارلين مونرو.
بعد فصلها من «فوكس» تعاقدت معها شركة كولومبيا لمدة ستة أشهر على سبيل الاختبار، حيث شاركت فى فيلمين كبيرين هما «غابة الأسفلت» و«كل شيء عن حواء»، فى دورين صغيرين ولكن لفتت الأنتباه إليها بشكل كبير.
مع ذلك لم تجدد كولومبيا عقدها ورفضت شركتين أخريين تشغيلها، ولكن فى 1949 تعاقدت معها فوكس مرة ثانية لمدة ست سنوات، حيث ظهرت فى العديد من الأدوار الثانوية إلى أن سنحت لها فرصة البطولة أخيرًا فى فيلم «لا تزعج نفسك بالطرق على الباب»، فى 1952.
بعد نجاحها المبهر فى فيلمى «الرجال يفضلون الشقراوات» و«كيف تتزوجين مليونيرًا»، بدأت المتاعب مرة أخرى مع رفض زانوك منحها أدوارًا درامية جادة، لاعتقاده بأنها لا تصلح سوى لأدوار الشقراء الغبية فى الأعمال الكوميدية، فما كان من مارلين إلا أن قررت التمرد على هوليوود ونظام الاستوديوهات كله، وانتقلت إلى نيويورك لتأسيس شركة إنتاجها الخاصة فى 1954. فى تلك الفترة التحقت بمعهد «استوديو الممثل» الذى أسسه مدرب التمثيل لى ستراسبرج، وتخرج فيه عدد من كبار الممثلين مثل مارلون براندو، والذى يعتمد على طريقة التقمص الداخلى والكامل للشخصية.
وفى 1956 صدر أول فيلم من بطولتها وإنتاجها وهو «محطة الأتوبيس»، الذى نالت بفضله العتراف الكامل بها كممثلة، قبل أن تتوج جهدها بالفوز بجائزة الجولدن جلوب كأفضل ممثلة عن دورها فى فيلم «البعض يفضلونها ساخنة»، 1959، من المؤسف أن البرهان الأمثل على جدارة مارلين مونرو كممثلة هو آخر أفلامها «عير المتوافقون» للمخرج الكبير جون هوستون، 1961، الذى ماتت بعده، دون أن تسنح لها الفرصة لتقديم المزيد من هذه الأعمال والشخصيات.
فى مئويتها يفكر المرء فقط فيما كان يمكن أن تقدمه مارلين مونرو، التى ماتت فى السادسة والثلاثين من عمرها، لو امتد بها العمر حتى الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من العمر!
فى ذكراها المئوية لا يوجد أجمل من تأمل صورة لمارلين مونرو وهى تعقد حاجبيها بجدية مستغرقة فى قراءة كتاب صعب، عادة لا يوجد أجمل من صورة امرأة عارية تقرأ، والأجمل بينها صورة مارلين مونرو عارية تقرأ.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



