الوجه السياسى خلف الابتسامة اللامعة
مارلين.. النجمة المتمردة
وراء فستان أبيض متطاير، وخلف ضحكة ناعمة ملأت شاشات السينما فى الخمسينيات، كانت تقف امرأة صنعت هوليوود منها الحلم الأمريكى الكامل.. شعر أشقر يلمع تحت الأضواء، شفاه حمراء، حضور طاغ يجعل الكاميرات تتبعها أينما ذهبت، وجمهور بالملايين يرى فيها رمزًا للإغراء، والجمال، والنجومية.
«مارلين مونرو» التى كانت أكثر من مجرد ممثلة؛ كانت ظاهرة ثقافية صنعت عصرًا كاملًا من الصور، والأغانى، والملصقات، وأغلفة المجلات، حتى تحولت ملامحها إلى واحدة من أكثر الوجوه شهرة فى التاريخ الحديث.
لكن، وراء هذه الصورة اللامعة، وخلف تلك الابتسامة التى أسرت العديد من الرجال، وأثارت غيرة النساء، كانت أجهزة الأمن الأمريكية تفتح ملفًا سريًا عن المرأة نفسها، إذ لم تكن «مارلين» مجرد أيقونة إغراء فحسب، بل كانت امرأة تقرأ السياسة، تدعم الحقوق المدنية، تعارض السلاح النووى، وتحيط نفسها بمثقفين يساريين فى ذروة الهيستيريا الأمريكية ضد الشيوعية.
طفولة الفقر التى خلقت الوعي
وُلدت «مونرو» عام 1926، أى فى لحظة تاريخية سبقت مباشرة سنوات الكساد العظيم فى «الولايات المتحدة»، وهو ما ترك أثرًا بالغًا على تكوينها الاجتماعى والسياسى لاحقًا.
وأوضحت مجلة «التايم» أن «مونرو» عاشت طفولة مضطربة بين بيوت الرعاية والأسر البديلة فى ولاية «كاليفورنيا»، بعدما عجزت والدتها عن رعايتها، واستعادت المجلة فى تقرير سابق عام 1956 تفاصيل تلك الحياة القاسية، قائلة، إنه: «كان هناك –دائمًا- الخبز الجاف، والسرير العسكرى بجوار سخان المياه، والزيارة الشهرية للإخصائية الاجتماعية التى كانت تفحص نعال حذائها، وتربت على رأسها، ثم ترحل».
من جانبها، قالت المؤرخة الأمريكية «لويس بانر»، صاحبة كتاب (Marilyn: The Passion and the Paradox): إن هذه النشأة صنعت وعى «مونرو» الطبقى المبكر؛ موضحة أنها عاشت لفترة مع عائلة «بولاندر»، حيث كان الأب البديل يعمل موزع بريد فى حى ذى الأغلبية الإفريقية الأمريكية، ما أتاح لها الاحتكاك المباشر بالفقر والتمييز العنصرى، وأسهم فى تكوين ما وصفته «بانر» بالرؤية الشعبوية للمساواة بين جميع الطبقات.
كما أكدت مقالات نشرتها منصة «أوراسيا ريفيو» أن «مونرو» لم تتعامل مع قصة صعودها من الفقر إلى الشهرة باعتبارها (الحلم الأمريكي) التقليدى، بل رفضت الرواية الرومانسية التى تجاهلت ما عاشته من حرمان وعنف نفسي؛ مشيرة لملاحظات كتبتها «مونرو» عام 1962، تحدثت فيها عن غياب الحب والرعاية المستمرة؛ إذ أكدت أن ذلك ولّد لديها الخوف من العالم، وانعدام الثقة به، كما خلق مشاعر عظيمة تجاه جميع المضطهدين فى العالم.
هذه الخلفية الطبقية انعكست حتى فى نظرتها إلى المال والثراء، إذ أوضحت «أوراسيا ريفيو»، أن «مونرو» كانت تشعر بالاشمئزاز خلال حفلات هوليوود عندما ترى الرجال يتبادلون مئات وآلاف الدولارات فى ألعاب الورق؛ بينما تتذكر هى كيف كان ربع الدولار يعنى الكثير للفقراء الذين عرفتهم فى طفولتها.
هوليوود وصناعة «الشقراء الجاذبة»
رغم هذا العمق الفكرى والاجتماعى، فإن الصورة التى كرستها هوليوود لمونرو كانت مختلفة تمامًا، حيث جرى تقديمها –باستمرار- باعتبارها امرأة جميلة، مثيرة، لكنها محدودة الذكاء.
وفى هذا الصدد، أوضحت دراسة منشورة عبر (جامعة جنوب كاليفورنيا) أن معظم السير المبكرة لمونرو اختزلتها إما فى صورة (الفتاة الساذجة)، أو (الضحية)، رغم أنها –حسب الدراسة- كانت امرأة عصامية ومثقفة ذاتيًا، تمكنت من تجاوز عسر القراءة، والتلعثم، والخوف المرضى من المسرح، لتصبح واحدة من أشهر نجمات العالم.
من جانبها، كشفت أبحاث «لويس بانر» عن اهتمام «مونرو» بالفنون، والدين، والسياسة، كما أنها كانت قارئة ومثقفة وتلتهم أعمال «ليو تولستوى» الكاتب والفيلسوف الروسى الشهيــــر، و«فيــــــودور دوستويفسكى» الروائى الروسى. لكن، هوليوود أصرت على تثبيت صورتها كرمز جنسى فقط.
وفى هذا السياق، أوضحت «أوراسيا ريفيو» أن شخصياتها السينمائية اعتمدت على الفصل المتعمد بين الجمال والذكاء، بحيث تظهر -دائمًا- كامرأة جذابة لكنها سطحية التفكير؛ مستشهدة بتحليل الباحثة «آبى باكان»، التى أكدت أن «مونرو» –غالبًا- ما لعبت أدوار نساء من الطبقة العاملة يتم تقديمهن باعتبارهن (جوائز) يحصل عليها الرجال فى نهاية الأفلام.
حتى عندما حاولت «مونرو» إظهار اهتماماتها الفكرية، كانت تواجه مقاومة من الاستوديوهات.. وفى هذا السياق، ذكرت «التايم» أنه أثناء تصوير فيلم (All About Eve) عام 1950، جرى تحذيرها من أن يراها مسئولو الاستوديو وهى تقرأ كتبًا راديكالية، وكان الكتاب المقصود وقتها، هو السيرة الذاتية للصحفى الأمريكى الذى اشتهر بكشف الفساد السياسى فى الولايات المتحدة «لينكولن ستيفنز».
هذا التناقض بين صورتها العامة، وحياتها الخاصة، خلق لديها شعورًا -دائمًا- بالاختناق داخل النظام الهوليوودى، ودفعها تدريجيًا نحو مواقف سياسية مضادة للهيمنة الرأسمالية، خاصة مع ازدياد وعيها بكيفية استغلال جسدها وصورتها لتحقيق الأرباح.
«ميلر».. الحب الذى قاد إلى السياسة
إذا كانت طفولة «مونرو» شكلت وعيها الاجتماعى، فإن زواجها من الكاتب المسرحى «آرثر ميلر» عام 1956 مثّل نقطة التحول الكبرى فى حياتها السياسية.
فبحسب «لويس بانر»، فإن «ميلر» كان الحب الكبير فى حياتها، وهو الشخص الذى جعلها أكثر انخراطًا ووضوحًا فى القضايا السياسية، إذ كان «ميلر» واحدًا من أبرز الكتاب التقدميين فى «الولايات المتحدة»، واشتهر بمواقفه المناهضة للفاشية، ومعارضته لحملات مطاردة الشيوعيين، التى قادتها لجنة الأنشطة غير الأمريكية فى الكونجرس الأمريكى خلال حقبة السيناتور «جوزيف مكارثى».
وخلال جلسات التحقيق مع «ميلر» عام 1956، أعلنت «مونرو» دعمها الكامل له، وقالت للصحفيين إنها واثقة –حقًا- من أن زوجها سينتصر فى النهاية، إلا أن أعضاء الكونجرس المعادين للشيوعية لم يستدعوا «مونرو» للتحقيق، لأنهم اعتبروها مجرد (شقراء غبية)؛ بينما ذهب بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن «ميلر» نفسه ربما رأى فى زواجه منها درعًا سياسيًا يحميه نسبيًا من الهجوم.
ومع ذلك، دفعت العلاقة بين الاثنين مكتب التحقيقات الفيدرالى (FBI) إلى مراقبة «مونرو» عن قرب. وأوضحت مجلة «تين فوج» أن الأجهزة الأمنية بدأت تتعامل معها باعتبارها شخصية يحتمل تعاطفها مع الشيوعية، بسبب دوائرها الاجتماعية، وعلاقتها بميلر.
كما أفادت الملفات التى رفع عنها الحجب لاحقًا أن المكتب راقب تحركاتها، وآراءها السياسية، وعلاقاتها الشخصية لسنوات.
من جانبها، أكدت مجلة «ليبرايشن نيوز» أن مراقبة الـ(FBI) تصاعدت خصوصًا فى الأشهر الأخيرة قبل وفاتها، بسبب صلاتها بنشطاء يساريين، ونقابيين، وشخصيات مرتبطة بالحزب الشيوعى الأمريكى.
الدفاع عن الحقوق المدنية
عل كل، لم تقتصر مواقف «مونرو» على دعم زوجها، بل امتدت إلى تبنى قضايا سياسية واجتماعية أكثر وضوحًا.
ففى عام 1960، أصبحت «مونرو» عضوًا مؤسسًا فى فرع هوليوود لـ(لجنة السياسة النووية العاقلة)، وهى منظمة مناهضة للأسلحة النووية، كما انتُخبت مندوبة بديلة فى المؤتمر الحزبى الديمقراطى بولاية كونيتيكت، بحسب ما أوردته مجلة «التايم».
كما أضافت المجلة أن «مونرو» لم تخف –أيضًا- تعاطفها مع الثورة الكوبية، بقيادة «فيدل كاسترو»، ولا دعمها لحركة الحقوق المدنية المتصاعدة –آنذاك- فى «الولايات المتحدة».
من جانبها، كشفت «أوراسيا ريفيو» عن دفاع «مونرو» –علنًا- عن أعضاء الحزب الشيوعى الذين تعرضوا للملاحقة خلال فترة المكارثية، وكانت ترى أن قربهم من الناس البسطاء كافٍ لتبرير التعاطف معهم.
وفى عام 1955، تقدمت نجمة هوليوود بطلب للحصول على تأشيرة لزيارة «الاتحاد السوفيتى»، وهو ما اعتبره مكتب التحقيقات الفيدرالى مؤشرًا سياسيًا خطيرًا، لتبدأ بعدها مراقبتها رسميًا.
كما أشارت ملفات (FBI) إلى قلق السلطات الأمريكية من علاقتها بالناشط اليسارى « فريدريك فاندربيلت فيلد»، الذى كان يقيم فى المكسيك بعد أن تبرأت منه عائلته الثرية، بسبب آرائه السياسية.
وفى مذكراته (From Right to Left)، كتب «فيلد» أن «مونرو» تحدثت معه بإعجاب عن النضال من أجل المساواة للسود، وعن غضبها من المكارثية، وكراهيتها لمدير الـ(FBI) «جاى إدجار هوفر»؛ كما قال إنها أبدت إعجابًا بما كان يحدث فى الصين آنذاك.
ومن بين أكثر المواقف اللافتة فى حياتها السياسية، ربطها بين استغلال النساء فى نظام النجومية الهوليوودى والعنصرية ضد السود.. فبحسب «أوراسيا ريفيو»، قالت «مونرو» إنه: «من السهل فهم نظام العبودية عندما تكون قد مررت بحياة النجوم».
كما أشار موقع «ليبريشن نيوز» لوجود قلق داخل الـ(FBI) من أن تؤثر شعبية «مونرو» الكبيرة وسط الطبقة العاملة على الرأى العام، إذا واصلت التعبير عن مواقفها اليسارية؛ مضيفة أن الوثائق أوضحت أن بعض المقربين منها -ومنهم مصفف شعرها، ومعالجها النفسي- تحولوا إلى مخبرين، يرفعون تقارير عن اهتماماتها السياسية وعلاقاتها.
أما «تين فوج» فأوضح أن ملفات الـ(FBI) -التى امتدت إلى نحو 85 صفحة- تضمنت تفاصيل دقيقة عن الأشخاص الذين التقتهم «مونرو»، وعن حفلات العشاء التى حضرتها، وحتى عن آرائها التى وصفها بعض المخبرين بأنها (يسارية بشكل واضح ومباشر).
وبالطبع، زادت –أيضًا- حساسية ملف «مونرو» داخل الأجهزة الأمريكية، بسبب علاقاتها الاجتماعية المعقدة، ومن بينها ارتباط اسمها لاحقًا بالرئيس الأمريكى الراحل «جون كينيدى»، وشقيقه «روبرت»، وهو ما غذى جانبًا كبيرًا من الجدل السياسى والإعلامى المحيط بها فى سنواتها الأخيرة.
ورغم كل ذلك، ظلت صورة (الشقراء الساذجة)، هى السردية الأكثر انتشارًا فى الثقافة الشعبية الأمريكية. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن جزءًا من الصورة السياسية التى أُعيد رسمها لمارلين مونرو بعد وفاتها تأثر –أيضًا- بالرغبة فى تقديمها كأيقونة ثقافية متمردة، وليس فقط كنجمة سينمائية فحسب، وهو ما يدفع بعض المؤرخين للتعامل بحذر مع بعض الروايات المرتبطة بمواقفها السياسية.
فى النهاية، وبعد أكثر من 60 عامًا على رحيلها، و100 عام على ميلادها، يبدو أن استعادة هذا الجانب السياسى من حياة «مارلين مونرو» لا تعنى إعادة قراءة سيرة نجمة سينمائية فحسب، بل –أيضًا- إعادة النظر فى الطريقة التى صنعت بها هوليوود أساطيرها، وكيف يمكن لصورة عامة شديدة البريق أن تخفى خلفها امرأة قلقة، مثقفة، ومتمردة على العالم الذى صنع شهرتها نفسها.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



