الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين مؤيد ومعارض..

هل نحن في حاجة إلــــــى طاقــــة «الهيدروجين»؟

بوابة روز اليوسف

تشهد خريطة الطاقة العالمية فى عام 2026 نقطة توازن جديدة ومعقدة؛ حيث تتأرجح الدول بين متطلبات أمن الطاقة التقليدى عبر الغاز الطبيعى المسال، وبين التحول الجاد والاضطرارى نحو طاقة المستقبل المتمثلة فى الهيدروجين والأمونيا منخفضة الكربون. ومصر ليست بمعزل عن هذا الحراك حيث يمثل ملف الهيدروجين الأخضر لديها محوراً حيوياً يثير الكثير من النقاش بين الرؤى الحكومية الطموحة، وتحليلات الخبراء التى تدعو إلى التريث والواقعية.
 

 

وتواجه مصر ضغوطاً متزايدة لتلبية الطلب المحلى على الكهرباء والوقود الصناعى،  والاعتماد المتزايد على الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء خاصة فى صناعات الأسمدة والبتروكيماويات سيوفر كميات ضخمة من الغاز الطبيعى التقليدى. هذا الوفر يمكن توجيهه إما للاستهلاك المحلى المحفز للنمو أو لإعادة التصدير لتعزيز التدفقات النقدية.
 


ومنذ أربع سنوات أطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون لتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة؛ حيث تستهدف الدولة الاستحواذ على حصة عالمية من سوق الهيدروجين، مما قد يضيف نحو 18 مليار دولار إلى الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام 2040 وتمتلك بالفعل ميزة تنافسية بفضل وفرة مصادر الطاقة المتجددة الشمس والرياح فى أسوان وخليج السويس بالإضافة إلى الموقع الجغرافى وقناة السويس كمعبر لوجستى عالمى.
 


 تموين السفن والوقود الأخضر للموانئ
 


وبدأت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالفعل فى تفعيل مشروعات لتموين السفن بالوقود الأخضر (المشتق من الهيدروجين)، تحول مصر إلى مركز إقليمى لتموين السفن بالوقود النظيف يعزز القيمة المضافة للقناة ويخلق قطاعاً اقتصادياً جديداً تماماً بالمنطقة، وتعتمد الاستراتيجية بالأساس على إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر تحلية مياه البحر (المياه المالحة) وليس المياه العذبة، وذلك للحفاظ الكامل على الأمن المائى ومصادر مياه الشرب والزراعة، مما يضمن استدامة هذه المشروعات دون التضحية بالموارد الحيوية الأخرى.
 


باختصار، الحاجة الحالية للهيدروجين فى مصر هى حاجة «تحول اقتصادى وهيكلى» لتأمين مستقبل الطاقة، وحماية الصناعات التصديرية الثقيلة، وتحويل العجز فى بعض مصادر الطاقة التقليدية إلى فرصة لقيادة أسواق الطاقة النظيفة الناشئة.
 


السوق العالمية يتراجع
 


وفى ظل تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعى وندرة المياه يرى الخبراء أن التحول لاستخدام الهيدروجين الأخضر أمر صعب فى ذلك التوقيت ويرى دكتور محمد فؤاد عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادى أن ملف الهيدروجين الأخضر فى مصر لايزال يدور بدرجة كبيرة داخل دائرة مذكرات التفاهم والإعلانات الترويجية أكثر من دخوله مرحلة الإنتاج التجارى الحقيقى واسع النطاق فحتى الآن، لم تتحول الوعود الخاصة بتحويل مصر إلى «مركز عالمى للهيدروجين» إلى صناعة قائمة تمتلك طلبا مستقرا أو عائدا اقتصاديا واضحا يبرر حجم الحماس الرسمى المصاحب لها. 
 


وأضاف فؤاد فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف» أن السوق العالمية نفسها شهدت تراجعا ملحوظا فى الزخم بعد أن اصطدمت المشروعات بواقع أكثر تعقيدًا يتعلق بارتفاع تكلفة الإنتاج، وصعوبة التمويل، وضعف الجدوى التجارية مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية.
 


- الأهم أن السنوات الأخيرة أثبتت أن امتلاك الشمس والرياح وحده لا يصنع ميزة تنافسية كافية، وإلا لتحولت عشرات الدول تلقائيا إلى قوى عظمى فى الهيدروجين مشيرا إلى أن الصناعة تحتاج كهرباء فائضة مستقرة، وشبكات قوية، وتمويل منخفض التكلفة، وقاعدة صناعية ضخمة تستهلك المنتج محليا، وهى عناصر لا تزال محل تحدى حتى فى الاقتصادات الكبرى، وفى الحالة المصرية تحديدا، يصبح السؤال أكثر ضغطا: كيف يمكن لدولة تواجه ضغوطا دورية فى الطاقة والغاز وتمويل الواردات أن تتوسع فى صناعة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه فقط من أجل تصدير «طاقة خضراء خام» قد لا تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلى لذلك، فإن ما حدث منذ إطلاق هذه الوعود هو انتقال الخطاب العالمى نفسه من مرحلة «الانبهار بالهيدروجين» إلى مرحلة أكثر تحفظا وواقعية.
 


وأكد الخبير الاقتصادى أن كثيرًا من المشروعات العالمية تم تأجيلها أو إعادة هيكلتها أو تقليصها، بينما بدأت الحكومات تراجع جدوى ضخ استثمارات ضخمة فى قطاع لم تتحدد قواعد ربحيته بعد، ومن هنا، فإن الرهان الحقيقى لمصر لا يجب أن يكون على مطاردة لقب «مركز عالمى للهيدروجين»، بل على معالجة أولويات أكثر إلحاحا: أمن الطاقة، وكفاءة الصناعة، وتعظيم القيمة المضافة المحلية، قبل الدخول فى سباق خاسر.
 


بينما اختلف فى الرأى دكتور محمد عطية الخبير فى أسواق الطاقة وأكد مصر تحتاج إلى الدخول فى صناعة الهيدروجين الأخضر، لأن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر سيكون أحد أهم مصادر الطاقة خلال العقود المقبلة، سواء فى الصناعة أو النقل أو تصدير الطاقة. لكن من المهم التعامل مع هذا الملف بواقعية وبنظرة استراتيجية طويلة المدى، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية التى أثرت على سرعة تنفيذ العديد من المشروعات المعلنة عالميًا وإقليميًا.
 


وأضاف عطية أن التركيز فى المرحلة الحالية يجب ألا يكون فقط على الإعلان عن مشروعات ضخمة، بل على بناء الأساس الحقيقى لهذه الصناعة، من خلال دعم الدراسات الفنية والاقتصادية، والاستثمار فى التكنولوجيا، وتأهيل الأيدى العاملة القادرة على إدارة هذا القطاع مستقبلاً. 
 


فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول التى ستقود هذا المجال ليست فقط التى تمتلك موارد طبيعية، بل التى تمتلك المعرفة والقدرة التكنولوجية والكوادر البشرية المؤهلة.
 


مشيرا إلى أن مصر تمتلك بالفعل مقومات مهمة، سواء فى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الموقع الجغرافى والبنية التحتية، لكن هذه المميزات تحتاج إلى تطوير علمى وصناعى مستمر. ومن هنا تأتى أهمية توجيه الاستثمارات نحو البحث العلمى وإنشاء مراكز متخصصة فى تكنولوجيا الهيدروجين والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة وتحلية المياه، مع ربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاع الصناعى بصورة مباشرة.
 


كما أن تحديث شبكة الكهرباء والتوسع فى إنتاج الطاقة الجديدة والمتجددة يمثلان خطوة أساسية قبل التوسع الكبير فى مشروعات الهيدروجين الأخضر، لأن هذه الصناعة تعتمد فى الأساس على توافر كهرباء نظيفة ومستقرة بتكلفة تنافسية.
 


 الصناعة مازالت فى مراحلها الأولى 
 


أكد تقرير صادر عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول أوابك أن صناعة الهيدروجين لا تزال فى مراحلها الأولى من التطوير، وهى بحاجة إلى سنوات من العمل والتنسيق لتكوين سوق عالمية ناضجة ومستقرة، وبالتالى،  فإن تحقيق الأهداف الطموحة المعلنة من بعض الدول العربية يظل ممكناً لكنه مشروط بتطور عدد من العوامل، أبرزها: وجود طلب عالمى على الهيدروجين المنخفض الكربون، انخفاض تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ بتأثير التقدم التكنولوجى، وبناء بنية تحتية متكاملة وواسعة النطاق تشمل النقل والتخزين والتوزيع. وأضاف التقرير الذى أعده المهندس وائل عبدالمعطى خبير أسواق الغاز والهيدروجين أن العالم شهد انطلاقة لمشاريع الهيدروجين منخفض الكربون والأمونيا الزرقاء والخضراء، فى إشارة إلى انتقال القطاع الوليد من مرحلة التخطيط المبدئى إلى مرحلة التنفيذ الفعلى،  رغم أن المشاريع المنفذة وقيد البناء لا تزال بعيدة عن تحقيق الطموح العالمى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط