مليون و40 ألف وحدة والسداد على 20 عامًا
سكن لكل المصريين يعيد التوازن فى سوق العقارات
ملف الإسكان لم يعد مجرد قضية خدمية تقليدية، بل تحول إلى أحد أهم محاور الأمن الاجتماعى والاقتصادى، خاصة مع الزيادة السكانية المستمرة والضغط المتزايد على المدن القديمة. ومن هنا أطلقت الدولة مبادرة «سكن لكل المصريين» كأحد أكبر مشروعات الإسكان الاجتماعى فى تاريخها، مستهدفة توفير وحدات سكنية لائقة لمحدودى ومتوسطى الدخل بشروط ميسرة. تهدف المبادرة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حق المواطنين فى السكن اللائق، وهو ما يجعلها أحد أهم أدوات الدولة لتحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار الأسرى.
ومع هذا التوسع، ظهرت شائعات متكررة تزعم أن الدولة «تغالى فى أسعار الشقق» أو «تتاجر بالعقارات». إلا أن الواقع يعكس عكس ذلك، فمشروع «سكن لكل المصريين» يمثل نقلة نوعية فى فلسفة الدولة تجاه ملف الإسكان، حيث لم تعد الدولة مجرد جهة تنظيمية، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا فى توفير الوحدات السكنية، سواء من خلال التنفيذ المباشر أو عبر الشراكة مع القطاع الخاص. وتشير بيانات وزارة الإسكان إلى أن الطروحات الأخيرة شملت آلاف الوحدات فى عدد من المدن الجديدة مثل حدائق أكتوبر، العاشر من رمضان، وحدائق العاصمة، وهى وحدات كاملة التشطيب، مجهزة للسكن، ويتم طرحها بنظام تمويل عقارى يمتد لسنوات طويلة وبفائدة منخفضة مقارنة بالسوق.
قبل إطلاق المشروع، كان السوق العقارى فى مصر يعانى من خلل واضح، تمثل فى ارتفاع أسعار الوحدات بشكل يفوق قدرة شريحة كبيرة من المواطنين، إلى جانب تركّز الاستثمارات فى الإسكان الفاخر على حساب الإسكان المتوسط ومحدودى الدخل. هذا الخلل خلق فجوة حقيقية بين العرض والطلب، وجعل حلم امتلاك وحدة سكنية بعيد المنال لكثير من الأسر. ومن هنا جاء تدخل الدولة لضبط السوق، وليس لمزاحمة القطاع الخاص، حيث عملت على توفير بدائل حقيقية بأسعار مناسبة نسبيًا، ما أجبر السوق على إعادة التوازن.
الأسعار مدعومة
أما ما يُثار حول أن الدولة «تتاجر بالعقارات»، فهو طرح يتجاهل طبيعة المشروع وآلياته. فالدولة لا تبيع الوحدات وفقًا لآليات السوق الحرة، بل تقدمها بأسعار مدعومة أو شبه مدعومة، مع توفير تسهيلات غير مسبوقة فى السداد. تُمنح الوحدات بنظام تمويل عقارى بفائدة منخفضة وفترات سداد قد تصل إلى 20 عامًا، وهو ما لا يتوفر فى السوق التقليدية. شروط الحصول على هذه الوحدات، مثل تحديد حد أقصى للدخل وعدم امتلاك وحدة سكنية مسبقًا، تؤكد أن الهدف الأساسى دعم الفئات المستحقة وليس تحقيق الربح.
ومن المهم أيضًا النظر إلى عامل التكلفة، حيث شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا فى أسعار مواد البناء والطاقة والنقل، وهو ما انعكس على تكلفة تنفيذ المشروعات العقارية عالميًا، وليس فى مصر فقط. ورغم ذلك، تواصل الدولة طرح وحدات بأسعار أقل من التكلفة الفعلية فى كثير من الأحيان، نتيجة تحملها جزءًا من تكلفة البنية التحتية والمرافق، إلى جانب دعم الفائدة التمويلية. وبالتالى، فإن المقارنة بين أسعار وحدات الإسكان الاجتماعى وأسعار السوق الحرة ليست دقيقة، لأن كل منهما يخضع لآليات مختلفة.
أكد المهندس كمال بهجت، مساعد وزير الإسكان لشؤون الإسكان الاجتماعى ونائب الرئيس التنفيذى لصندوق الإسكان الاجتماعى ودعم التمويل العقارى، أن تنفيذ مشروع «سكن لكل المصريين» يتم وفق نموذج قياسى موحد، حيث تبلغ مساحة الوحدة 90 مترًا (بواقع 86 مترًا صافيًا)، داخل عمارات تتكون من دور أرضى وخمسة أدوار متكررة. وأشار إلى أن المطورين العقاريين المشاركين يمكنهم إدخال بعض اللمسات التمييزية على الواجهات أو التشطيبات، دون الإخلال بالاشتراطات الفنية الأساسية المعتمدة، مع إضافة ميزة جديدة تتيح لوحدات الدور الأرضى حق الانتفاع بالمساحات الخضراء المحيطة.
مشاركة القطاع الخاص
وأوضح بهجت أن إشراك القطاع الخاص يأتى فى إطار توجه الدولة لتوسيع قاعدة المشاركة فى تنفيذ مشروعات الإسكان الاجتماعى، خاصة مع وصول إجمالى الوحدات المنفذة إلى نحو مليون و40 ألف وحدة، جرى الانتهاء من 820 ألف منها، فيما تتواصل الأعمال لاستكمال الباقي. وأكد أن الدولة توفر الأراضى للمطورين بسعر التكلفة، مع توصيل المرافق حتى حدود المشروع، مقابل تخصيص 80 % من الوحدات للإسكان الاجتماعى، ومنح المطورين حق استغلال 20 % لأغراض تجارية أو إدارية، إلى جانب نسبة 9 % لتعويض التكاليف.
هذا النموذج يحقق معادلة متوازنة، تستهدف خفض تكلفة الوحدات على المواطنين، وفى الوقت نفسه ضمان عائد اقتصادى مناسب للمطورين، بما يسهم فى تسريع وتيرة التنفيذ وزيادة حجم المعروض فى السوق. أما فيما يتعلق بآليات التمويل، فيستفيد المواطنون من نظام التمويل العقارى بفائدة متناقصة تصل إلى 8% ، مقارنة بمعدلات السوق التى قد تبلغ نحو 20 %، حيث تتحمل الدولة فارق الفائدة، بينما يتم سداد مستحقات المطورين عبر البنوك بعد إتمام التعاقدات. كما تعتمد منظومة التمويل على تقييم الجدارة الائتمانية للعملاء من خلال البنوك، بما يوفر مرونة فى السداد ويقلل من احتمالات التعثر على مدار فترة التقسيط.
وكشف بهجت عن طرح جديد يضم نحو 19 ألف وحدة سكنية ضمن المبادرة الرئاسية، بهدف تلبية الطلب المتزايد على وحدات محدودى الدخل، مع إتاحة أراضٍ للمطورين بأسعار تقارب 1200 جنيه للمتر فى مواقع متميزة، مع الالتزام بتنفيذ المشروعات، وتخصيص 80 % من الوحدات لمحدودى الدخل، مقابل السماح باستغلال 20 % لأغراض استثمارية لتحقيق التوازن الاقتصادى. تشمل معايير محدودى الدخل من لا يتجاوز دخله 15 ألف جنيه شهريًا للأعزب و19 ألف للأسرة، وفق آخر تحديثات صندوق الإسكان الاجتماعى، مع تحمل الدولة مسؤولية توصيل المرافق الأساسية مثل المياه والكهرباء حتى حدود الأراضى لتيسير التنفيذ وتقليل الأعباء على الشركات.
إنقاذ السوق العقارية
تتوزع الوحدات المطروحة على عدد من المدن التى تشهد طلبًا مرتفعًا، منها حدائق العاصمة، العبور الجديدة، العاشر من رمضان، حدائق أكتوبر، أكتوبر الجديدة، السادات، سوهاج، وأسيوط. ويؤكد خبراء الإسكان أن المشروع ساهم فى إنقاذ السوق العقارى من موجات ارتفاع غير مبررة، من خلال خلق «السقف السعري» الذى حدّ من المبالغة فى الأسعار، كما وفر بدائل آمنة ومنظمة بعيدًا عن السوق العشوائية والمضاربات العقارية، مع إعادة توجيه الاستثمارات نحو الإسكان المتوسط.
وأكدت وزارة الإسكان أن المشروع يهدف لتحسين جودة الحياة وتوفير سكن ملائم لجميع المواطنين، مع الالتزام بمعايير الجودة والجداول الزمنية للتسليم، والتوسع فى المدن الجديدة لتخفيف الضغط عن القاهرة الكبرى وخلق مجتمعات عمرانية متكاملة بالخدمات الأساسية. كما يحقق المشروع الاستقرار الأسرى، ويحد من العشوائيات، ويعزز الشعور بالأمان، من خلال بناء مجتمعات حضرية متكاملة.
وأشار د. محمود غيث، رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمرانى، إلى أن المشروع يمثل التزامًا حقيقيًا بتوفير سكن ملائم لكل فئات المجتمع، ويعد نموذجًا ناجحًا لدور الدولة فى ضبط سوق العقارات دون هدف الربح، مع توفير وحدات ملائمة وبجودة مرتفعة. وأكد غيث أن الشراكة بين صندوق التنمية الحضرية والقطاع المصرفى ساهمت فى سد الفجوة بين القدرة الشرائية للمواطنين وتكلفة الوحدات السكنية، مع إدخال التمويل المرن لتيسير امتلاك السكن لعدد أكبر من المواطنين.
من جهته، أكد د. إسماعيل الشيمى، أستاذ التخطيط العمرانى، أن المشروع يعكس تحول الدولة نحو التخطيط العمرانى المتكامل، لبناء مجتمعات متكاملة الخدمات والبنية الأساسية، مع ترسيخ العدالة السكنية وتقليص الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، وتوفير شبكات طرق ومرافق وخدمات متوازنة. كما أسهم المشروع فى مواجهة العشوائيات، وضبط السوق العقارية، مع خلق بيئة عمرانية مستدامة تدعم النمو الاقتصادى، رغم التحديات مثل ارتفاع الطلب وتكلفة التنفيذ.
فى النهاية، يظل مشروع «سكن لكل المصريين» مثالًا حيًا على التدخل التنموى الناجح للدولة فى ملف الإسكان، حيث الجمع بين البعد الاجتماعى، الاقتصادى، والتنموى، لتوفير سكن كريم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضبط سوق العقارات، مع تقديم بدائل حضرية وآمنة للمواطنين. وبين الشائعات والواقع، تظل النتائج الميدانية هى الفيصل والتى تؤكد أن «سكن لكل المصريين» يمثل أحد أهم أدوات الدولة لإعادة رسم خريطة الإسكان فى مصر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



