ملايين مهدرة فى مواجهة «سعار» الشوارع
الحرب على الكلاب الضالة
خلف كل رقم مسجل فى دفاتر وزارة الصحة، تختبئ مأساة لطفل لم يُكمل لعبه، أو صرخة مواطن فى قرية نائية لم يسعفه الوقت للوصول إلى المصل. وبينما تنفق الدولة نحو 360 مليون جنيه سنويًا لعلاج أكثر من 400 ألف مواطن من ضحايا «العقر»، تستنزف الكلاب الضالة ملايين أخرى من ميزانيات المحليات عبر حملات إبادة بالسم والرصاص لم تحقق سوى المزيد من الفوضى، لتتحول شوارع مصر فى مايو 2026 إلى «جرح مفتوح» يهدد الأمن الصحى للمجتمع.
المشهد لم يعد مجرد أزمة عابرة تخص الكلاب الضالة، بل بات ملفًا معقدًا تتداخل فيه الصحة العامة مع الاقتصاد والإدارة والأخلاقيات البيطرية.. وبين دعاة «الإبادة» وأنصار «الرفق بالحيوان»، تضيع حلول العلم، بينما ترتفع أرقام الضحايا عامًا بعد آخر.
«عشائر هجومية»
التحول الأخطر لم يكن فقط فى زيادة الأعداد، بل فى تغير سلوك الكلاب نفسها. فالحيوان الذى عُرف لسنوات بتجنبه البشر نهارًا، تحول إلى «عشائر» تستوطن المناطق السكنية وتحرس مناطق نفوذها بعنف غير مسبوق، بعد توقف حملات المكافحة منذ عام 2011 وتراكم القمامة ومخلفات الطعام بالشوارع.
ويؤكد الأستاذ الدكتور محمد عفيفى سيف، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين والخبير الدولى فى إدارة المخاطر البيولوجية، أن حملات الإطعام العشوائى أسهمت فى تعزيز سلوك السيطرة لدى الكلاب، فباتت أكثر جرأة فى مهاجمة المواطنين دفاعًا عن مصادر غذائها، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات العقر خلال 2025 إلى نحو مليون و400 ألف حالة، كبدت الدولة ما يقرب من مليار و700 مليون جنيه لتوفير اللقاحات فقط.
40 مليون كلب ضال
التقديرات الرسمية لعام 2026 تشير إلى وجود ما بين 10 و15 مليون كلب ضال فى مصر، إلا أن د. سيف يفجر مفاجأة صادمة بتأكيده أن العدد الحقيقى قد يتجاوز 40 مليون كلب، معتبرًا أن الأرقام الرسمية لا تتناسب مع حجم الشكاوى اليومية المنتشرة فى المحافظات.
هذه الملايين تترجم سنويًا إلى أكثر من 400 ألف حالة عقر مسجلة رسميًا، بينما تؤكد تقارير ميدانية أن العدد الفعلى يقترب من نصف مليون حالة، خاصة مع عدم الإبلاغ عن كثير من الإصابات فى القرى والمناطق الريفية.
«السعار القاتل»
الخطر الأكبر لا يكمن فى العقر وحده، بل فى فيروس «السعار» القاتل بنسبة 100 % بمجرد ظهور أعراضه.. ووفق الأرقام الرسمية، تسجل مصر ما بين 30 و50 حالة وفاة سنويًا، لكن تقديرات غير معلنة تشير إلى أن العدد الحقيقى أعلى بكثير بسبب ضعف التشخيص فى المناطق النائية، حيث تُسجل بعض الوفيات باعتبارها التهابات سحائية مجهولة السبب.
الأرقام تكشف أيضًا أن 65 % من الإصابات تقع فى ريف الوجه البحرى، مقابل 25 % فى محافظات الصعيد و10 % بالمناطق الحضرية، فيما تمثل صدمة الأطفال الجانب الأكثر قسوة، إذ إن أكثر من 40 % من الضحايا تقل أعمارهم عن 12 عامًا.
الغربية والدقهلية فى الصدارة
تقارير مديريات الصحة والطب البيطرى تكشف تفاوتًا مرعبًا بين المحافظات؛ فقد سجلت الغربية أكثر من 60 ألف حالة عقر سنويًا، تليها الدقهلية بـ45 ألف حالة، ثم المنوفية بنحو 30 ألفًا.
أما القاهرة والجيزة، فرغم حملات الإبادة المستمرة، فقد سجلتا نحو 25 ألف حالة. وفى الصعيد تبدو الصورة أكثر مأساوية، حيث تسجل أسيوط وسوهاج أعلى معدلات وفيات بالسعار نتيجة بُعد القرى عن مراكز العلاج، بينما تسجل أسيوط وحدها حالة وفاة واحدة شهريًا على الأقل بسبب تأخر وصول المصابين إلى المصل.
«الفجوة القاتلة»
بعيدًا عن الدماء والخسائر البشرية، تلتهم الأزمة مليارات الجنيهات من ميزانية الدولة. فجرعة المصل الواحدة تصل تكلفتها إلى 250 جنيهًا، فيما تعتمد المحليات على بروتوكول «الإعدام الجماعى» باستخدام السموم أو الرصاص، حيث يتم التخلص سنويًا من 1.5 إلى 2 مليون كلب بتكلفة تتجاوز 100 مليون جنيه.
لكن الصدمة، بحسب الخبراء، أن هذه السياسة فاشلة علميًا بسبب ما يُعرف بـ«تأثير الفجوة»؛ فبعد قتل الكلاب فى منطقة ما، تنتقل كلاب أخرى إليها سريعًا لتعويض النقص، لتعود الأزمة من جديد وكأن شيئًا لم يكن.
الملاجئ.. والتكلفة
حتى الحلول البديلة لم تكن سهلة التنفيذ.. ففكرة إنشاء ملاجئ ضخمة للكلاب اصطدمت بأرقام مرعبة. وتوضح منى خليل، رئيس الاتحاد المصرى لجمعيات الرفق بالحيوان، أن تكلفة إطعام الكلاب فقط داخل مركز «التبين» بالقاهرة تتجاوز 80 ألف جنيه يوميًا، أى أكثر من 2.4 مليون جنيه شهريًا.
ومع نهاية 2025 اضطرت الجهات المعنية لتعديل بروتوكول العمل بالمركز ليقتصر على التعقيم والتطعيم والحجز المؤقت لمدة 48 ساعة فقط بعد اكتشاف استحالة استمرار التكلفة. أما مركز أطفيح بالجيزة، فرغم نجاحه فى تعقيم 12 ألف كلب خلال عام، فإن الرقم لا يمثل سوى أقل من 1 % من إجمالى كلاب المحافظة.
كيف انتصرت دول أخرى دون رصاص؟
فى المقابل، نجحت دول عديدة فى السيطرة على الظاهرة بوسائل علمية بعيدة عن القتل الجماعى. فهولندا، أول دولة خالية من الكلاب الضالة، اعتمدت على قوانين صارمة تُجرم التخلى عن الحيوانات، مع فرض ضرائب مرتفعة على شراء الكلاب لتشجيع التبنى.
أما تركيا، فألزمت البلديات بتطبيق بروتوكول «TNR» القائم على الاصطياد والتعقيم والتطعيم ثم إعادة الكلاب إلى بيئاتها بعد تركيب رقاقات إلكترونية لها، ما أدى إلى تراجع معدلات السعار بصورة حادة. كما نجحت بعض الولايات الهندية عبر ربط برامج التعقيم بحملات توعية داخل المدارس.
«الفاكسيرا» تدخل المعركة
مع نهاية 2025 بدأت مصر خطوات مختلفة، عبر مبادرة قومية تستهدف تحقيق ما يمكن وصفه بـ«السيادة الصحية والبيطرية»، حيث جرى دعم معهد «فاكسيرا» لإنتاج 5 ملايين جرعة لقاح سعار حيوانى سنويًا محليًا، فى خطوة يعتبرها الخبراء حاسمة لأن تطعيم الكلب فى الشارع أقل تكلفة بمئة مرة من إنشاء مأوى دائم له.
بالتوازى، صدرت توجيهات بوقف توريد السموم تدريجيًا، وتحويل المخصصات المالية لشراء أدوات التعقيم وأقفاص الاصطياد الحى، مع التحرك لإقرار تشريعات تُجرم إلقاء الكلاب بالشوارع وتُلزم الملاك بتسجيلها إلكترونيًا.
العلم يطرح حلا
الحل الذى يجمع عليه الخبراء عالميًا يتمثل فى بروتوكول «TNR» القائم على الاصطياد والتعقيم والتطعيم ثم الإعادة، باعتباره الوسيلة الوحيدة القادرة على خفض الأعداد تدريجيًا وبناء حاجز مناعى ضد السعار.
لكن الأرقام الحالية لا تزال بعيدة عن المطلوب؛ فخلال 2025 تم تطعيم 121 ألف كلب فقط وتعقيم 8300، وهى أرقام هزيلة مقارنة بحجم الأزمة الحقيقى.
ويقترح د. سيف تفعيل القانون 29 لسنة 2023 بنقل 80 % من الكلاب إلى مناطق إيواء خارج المدن مع فصل الذكور عن الإناث لمنع التكاثر، والإبقاء على 20 % فقط داخل الشوارع بعد تعقيمها، مؤكدًا أن هذه الخطة قد توفر للدولة نحو 2.5 مليار جنيه سنويًا.
من يدفع الثمن الحقيقى؟
الأزمة لم تعد مجرد كلاب ضالة تجوب الشوارع، بل تحولت إلى عنوان لفشل إدارى استمر سنوات، أُهدرت خلاله ملايين الجنيهات فى السموم والرصاص دون نتيجة، بينما ظل الثمن الحقيقى يُدفع من دماء الأطفال وخوف المواطنين.
وخلف كل مليار و700 مليون جنيه أُنفقت على اللقاحات، توجد مأساة إنسانية لم تجد من يصغى إليها. أما ملايين الأنياب التى تحاصر الشوارع اليوم، فهى نتاج سنوات طويلة من تجاهل العلم، وتعطيل الحلول الجذرية، والصراع العقيم بين القتل والشفقة.
المعركة الحقيقية ليست بين من يحب الحيوان ومن يكرهه، بل بين الفوضى والعلم.. بين الرصاص والحلول المستدامة.. وبين دولة تواصل مطاردة الأزمة، وأخرى تقرر أخيرًا أن تنهيها.
كيف تحمى نفسك من «العقر»؟
إلى حين اكتمال المنظومة، تبقى الوقاية الشخصية خط الدفاع الأول:
• لا تركض أمام الكلب.
• تجنب النظر المباشر فى عينيه.
• فى حالة العقر، اغسل الجرح بالماء والصابون لمدة 15 دقيقة فورًا.
• توجه مباشرة إلى مستشفى الحميات للحصول على الجرعات الخمس فى مواعيدها.
فالوقاية السريعة تقلل خطر الإصابة بالسعار بنسبة تصل إلى 90 %.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



