الخميس 04 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ارتفاع كبير فى أسعار الأسمدة تتراوح ما بين 30 و 70 %

هل تبدأ موجة غلاء جديدة فى الأسواق؟!

بوابة روز اليوسف

لم يعد ارتفاع أسعار السلع الغذائية فى مصر مجرد نتيجة مباشرة للتضخم أو تقلبات سعر الصرف، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بعوامل إنتاج أساسية، على رأسها الأسمدة الزراعية. 
 


ففى ظل قفزات متتالية فى أسعار الأسمدة، بات السؤال المطروح بقوة؛ هل تتحول الأسمدة إلى محرك خفى يقود موجة الغلاء فى الأسواق؟

 

تشير التقارير إلى أن أسعار الأسمدة شهدت موجة ارتفاع حادة عالميًا، حيث قفزت بنسبة تصل إلى 31 % خلال عام 2026؛ كما سجلت بعض الأنواع مثل اليوريا زيادات تصل لـ 60 % ؛ وفى بعض الأسواق العالمية وصلت الزيادات إلى ما بين 30 % و70 %.
 


 أسعار الأسمدة بمصر
 


محليًا تضاعف سعر شكارة السماد فى مصر ببعض المناطق من 300 جنيه إلى أكثر من 1300 جنيه؛ وهو ما يمثل قفزة غير مسبوقة.
 


وبالتالى لم يعد الحديث عن ارتفاع الأسعار مقتصرًا على تقلبات الدولار؛ أو زيادة تكاليف النقل والطاقة، بل بدأ يتجه نحو عنصر أقل ظهورًا فى المشهد لكنه شديد التأثير، وهو الأسمدة الزراعية. 
 


ومن داخل الحقول، حيث تبدأ رحلة إنتاج الغذاء، تتشكل ملامح موجة جديدة من الغلاء قد لا يراها المواطن مباشرة، لكنها تنعكس فى النهاية على أسعار الخضروات والفاكهة واللحوم وكل ما يصل إلى مائدته اليومية. 
 


وبينما تتزايد شكاوى الفلاحين من ارتفاع أسعار السماد، يتصاعد القلق من أن يتحول هذا الارتفاع إلى حلقة جديدة فى سلسلة التضخم.
 


 قفزات متتالية
 


وشهدت أسعار الأسمدة زيادات خلال الفترة الأخيرة على المستويين العالمى والمحلى، مدفوعة بعدة عوامل متشابكة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، على اعتبار أن الغاز الطبيعى يمثل مكونًا أساسيًا فى صناعة الأسمدة.
 


ومع زيادة تكلفة الإنتاج، اضطرت الشركات إلى رفع الأسعار، وهو ما انعكس بشكل مباشر على السوق المحلى، كما لعبت التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد دورًا فى تقليل المعروض عالميًا، ما أدى إلى زيادة الطلب على الكميات المتاحة، وبالتالى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.
 


فى مصر، لم تكن تلك التطورات بعيدة عن الواقع، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وأصبح الحصول عليها بأسعار مناسبة يمثل تحديًا كبيرًا لكثير من المزارعين، بعضهم اضطر إلى تقليل الكميات المستخدمة، والبعض الآخر لجأ إلى تقليص المساحات المزروعة لتقليل الخسائر، وهو ما ينعكس فى النهاية على حجم الإنتاج الزراعي. 
 


ومع انخفاض الإنتاج أو ارتفاع تكلفته، تبدأ الأسعار فى الأسواق بالتحرك صعودًا، فى دورة اقتصادية معروفة تبدأ من الحقل وتنتهى عند المستهلك.
 


 ارتفاع أسعار الطاقة 
 


من جانبه أكد د.أحمد أبو اليزيد، وكيل كلية الزراعة بجامعة عين شمس؛ وأستاذ الاقتصاد الزراعي؛ أن ارتفاع أسعار الطاقة ليس مجرد مشكلة مستقلة، بل هو أحد أهم المحركات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغذاء عالميًا؛ مؤكدًا على أن العلاقة بين الطاقة والأسمدة والغذاء مترابطة بشكل وثيق؛ وأى صدمة فى واحدة منها تنتقل بسرعة إلى البقية.
 


ومن هنا نتساءل: كيف تؤثر الطاقة على إنتاج الأسمدة مثل اليوريا والأمونيا؟ 
 


الإجابة، أنها تؤثر بشكل أساسى على الغاز الطبيعى كمادة خام ومصدر للطاقة، لأن عملية إنتاج الأمونيا تعتمد على عملية «هابر بوش»، وهى عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعندما ترتفع أسعار الغاز تزيد تكلفة إنتاج الأسمدة مباشرة، وقد تغلق بعض المصانع أو تقلل الإنتاج، كما حدث فى أوروبا خلال الأزمات.
 


وفيما يخص تأثير ارتفاع الأسمدة على الزراعة، فإن الأسمدة كونها عنصرًا أساسيًا فى زيادة إنتاجية المحاصيل، فإنه عند ارتفاع أسعارها يقلل المزارعون الكميات المستخدمة؛ وبالتالى تنخفض إنتاجية الفدان؛ وترتفع تكلفة الإنتاج الزراعي.
 


ويضيف د. أبواليزيد: إن أى زيادة فى تكلفة الإنتاج الزراعي؛ يقابله زيادة فى سعر المحصول، وبالتالى النتيجة النهائية إن ارتفاع أسعار السلع الغذائية يؤدى إلى زيادة التضخم الغذائى، خاصة فى الدول المستوردة للغذاء مثل مصر.
 


ولهذا تقوم الدولة بدور مهم بدعم الأسمدة الآزوتية وتوفيرها للمزارعين بأسعار مدعمة؛ وذلك من خلال الجمعيات الزراعية؛ كما تتدخل الدولة بشراء المحاصيل الاستراتيجية من المزارعين بتحديد أسعار تحفيزية مربحة للمزارعين.
 


ويقول أستاذ الاقتصاد الزراعى: إن من أهم أوجه الدعم أيضًا تطبيق نظام «الأسعار التحفيزية»؛ أو ما يُعرف بأسعار الضمان، حيث تقوم الدولة بشراء المحاصيل الاستراتيجية من المزارعين بأسعار مجزية، مثل القمح وبنجر السكر، وهو ما يشجعهم على التوسع فى زراعتها وتحقيق عائد اقتصادى مناسب.
 


وأشار إلى أن الدولة لا تقتصر على ذلك، بل تدعم المزارعين من خلال توفير الميكنة الزراعية بأسعار مناسبة، مثل تأجير الجرارات والحصادات، إلى جانب إنتاج وتوزيع التقاوى المحسنة للمحاصيل الاستراتيجية بأسعار مدعمة، وهو ما يعزز الإنتاج الزراعى ويخفف الأعباء عن الفلاحين.
 


وشدد على أن منظومة الدعم المتكاملة، سواء فى الأسمدة أو التقاوى أو الميكنة الزراعية أو أسعار الضمان، تمثل ركيزة أساسية فى دعم المزارع المصرى وتحقيق الأمن الغذائي.
 


 نقص المعروض
 


من جانبهم، حذر خبراء الزراعة من أن الأزمة لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى تهديد الإنتاج الزراعى نفسه.
 


فالفلاح الذى يواجه ارتفاعًا كبيرًا فى تكلفة السماد قد يجد نفسه غير قادر على الاستمرار بنفس مستوى الإنتاج، ما يدفعه إلى تقليل زراعة بعض المحاصيل أو التخلى عنها تمامًا.
 


هذا التراجع فى الإنتاج لا يظهر أثره بشكل فورى، لكنه يصبح واضحًا مع مرور الوقت، عندما تبدأ الأسواق فى الشعور بنقص المعروض.
 


 الأزمات العالمية
 


خبراء الأمن الغذائى، يرون أن استمرار هذه الأوضاع قد يشكل خطرًا على المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا تزامن مع عوامل أخرى مثل التغيرات المناخية أو الأزمات الاقتصادية العالمية.
 


فارتفاع أسعار الأسمدة قد يؤدى إلى تراجع الإنتاج المحلى، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد ويزيد من حساسيته لأى تقلبات خارجية.
 


ورغم هذه المخاوف، يشير بعض المحللين إلى أن تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على أسعار الغذاء قد لا يكون فوريًا أو حادًا فى جميع الحالات، خاصة إذا كانت هناك وفرة فى المعروض أو تدخلات حكومية لضبط السوق.
 


ولكنهم يؤكدون فى الوقت نفسه أن الخطر الحقيقى يكمن فى استمرار هذه الزيادة لفترات طويلة، حيث تبدأ آثارها التراكمية فى الظهور بشكل أكبر.
 


زيادة التضخم
 


ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على القطاع الزراعى فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد ككل، حيث يسهم فى زيادة معدلات التضخم، ويؤثر على ميزان المدفوعات من خلال زيادة الاستيراد، كما يضغط على الموازنة العامة للدولة إذا اضطرت إلى زيادة الدعم. 
 


ومع كون الغذاء يمثل جزءًا كبيرًا من إنفاق الأسر، فإن أى زيادة فى أسعاره تؤثر بشكل مباشر على مستوى المعيشة، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.
 


 ضبط الأسواق
 


لمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى مجموعة من الإجراءات التى يمكن أن تساعد فى الحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة، من بين هذه الإجراءات دعم الفلاحين من خلال توفير الأسمدة بأسعار مناسبة، وتحسين نظم التوزيع لضمان وصولها إلى مستحقيها.
 


هذا بالإضافة إلى التوسع فى استخدام الأسمدة البديلة مثل العضوية، وتشجيع التقنيات الحديثة التى تقلل من استهلاكها، وتعزيز الرقابة على الأسواق؛ ومنع الممارسات الاحتكارية يمثل عنصرًا مهمًا فى ضبط الأسعار.
 


 الأزمات الجيوستراتيجية
 


يرى د. أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعى عضو المركز القومى للبحوث الزراعية، إن الأزمات الجيوستراتيجية تؤدى إلى آثار سلبية وخيمة على الاقتصاد الدولى، مثل الحرب «الأمريكية- الإيرانية» وإغلاق مضيق أدى ارتفاعات كبيرة فى قطاع الأسمدة.
 


وشهدنا ارتفاع أسعار الأسمدة بأكثر من 50 % بالسوق العالمية؛ وتضطر الدول إلى اللجوء إلى بدائل أخرى للحصول على الأسمدة بعيدا عن مسار الخليج العربي؛ مثل الحصول على الأسمدة الآزوتيه من مصر أو الأسمدة الفوسفاتية من المغرب التى تحتفظ بحوالى 70 % من خام الفوسفات للعالم. 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط