رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فرنسا تقود جبهة أوروبية لوقف نشاط التنظيم الإرهابى

«محاصرة الإخوان» فى أوروبا وكندا

بوابة روز اليوسف

تقود فرنسا جبهة أوروبية فى محاولات لوقف تنظيم الإخوان الإرهابى.. تحركات تأتى على استحياء وفى مناطق محدودة بعيدًا عن التحرك الوطنى الجامع لكل أنحاء البلاد.. هذا التحرك بمثابة «حجر صغير» فى البحيرة الراكدة فى التطرف الذى يستغل جميع أنحاء أوروبا وعددًا من الدول الغربية.

 

التحركات الفرنسية تتزامن مع تحركات فى إيطاليا وكندا وعدد آخر من الدول الغربية لتقييد حركة التطرف أو لاحتواء المتطرفين من خلال إجراءات قضائية أو منع من دخول البلاد.
 


ويبقى السؤال: متى تتحرك أوروبا جميعًا ضد التنظيم الإرهابى؟
 


بالعودة للوراء قليلاً خاصة بعد وضع الولايات المتحدة تنظيم الإخوان فى مصر والأردن ولبنان على قوائم الإرهاب كان التفاؤل بأن أوروبا ستسرع من عملية تصنيف الإخوان على قوائم الإرهاب، لكن يبدو أن المراهنة على أوروبا التى تؤوى عشرات من قيادات التنظيم وعشرات من الذين صدرت ضدهم أحكامًا قضائية هو رهان خاطئ.. فالواقع والتاريخ يؤكدان أن أوروبا لن تتحرك بشكل جمعى إلا إذا شهدت كارثة كبرى مثلما حدث فى بريطانيا وفرنسا وبلجيكا فى أوقات سابقة.
 


 حظر التنظيم فى «نانت»
 


بمناسبة الحديث عن فرنسا حملت الأنباء القادمة من «نانت» الفرنسية أخبارًا سارة، حيث قرر القضاء الإدارى فى مدينة نانت غربى فرنسا؛ بتأييد حظر تجمع «لقاء المسلمين فى الغرب»، الذى كان مقررًا عقده فى مسجد السلام بالقرب من حى مالاكوف وذلك لصلته بعناصر من الإخوان.
 


وكان من المقرر إقامة الفعالية، المعروفة باسم «اجتماع مسلمى غرب فرنسا»، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضى (23 و24 مايو)، فى نانت، قبل أن تصدر محافظة لوار أتلانتيك قرارًا بمنعها بطلب من وزير الداخلية الفرنسى لوران نونيز.
 


وقالت السلطات الفرنسية إن قرار الحظر جاء بسبب مشاركة شخصيات بارزة مرتبطة بجماعة الإخوان، وسط مخاوف من صدور تصريحات «قد تشكل جرائم جنائية وتمس مبادئ الجمهورية والتماسك الوطنى والكرامة الإنسانية».
 


من جانبه، رحّب رئيس الوزراء الفرنسى سيباستيان لوكورنو بالقرار القضائى ووصفه بأنه «خطوة مهمة فى مكافحة تغلغل جماعة الإخوان».
 


وقال لوكورنو، فى تدوينة عبر منصة «إكس»: «إن الجمهورية يجب أن تكون حازمة ودقيقة ولا تشوبها أى ثغرة قانونية فى مواجهة الإسلاموية السياسية»، موجهًا الشكر لفرق وزارة الداخلية على «تعبئتهم المستمرة والأساسية».
بدوره دعا وزير الداخلية الفرنسى، لوران نونيز، جميع الأطراف المعنية إلى ضرورة احترام هذا القرار والالتزام بمقتضياته القانونية، معتبرًا المصادقة القضائية خطوة لحماية المجتمع من الفكر المتطرف.
 


كما أعلن محافظ منطقة بايى دو لا لوار ولوار أتلانتيك، عبر منصة «إكس»، إصدار مرسوم رسمى يمنع انعقاد التجمع.. تركزت الانتقادات الموجهة للفعالية الملغاة فى نانت على ما وصف بـ«وجود روابط أو تقارب أيديولوجى بين المنظمين وبعض المتدخلين مع جماعة الإخوان المسلمين».
 


قرار القضاء الفرنسى يعكس حزم الدولة فى تطبيق القوانين، ويوجه إشارة قوية من خلال إرساء سابقة قانونية تتيح للسلطات المحلية اتخاذ إجراءات مماثلة مستقبلًا.
 


ويأتى القرار ضمن سلسلة خطوات متصاعدة تتخذها فرنسا ضد التنظيمات المرتبطة بجماعة الإخوان، فى إطار مكافحة «التغلغل الإسلاموى» داخل المجتمع الفرنسى.
 


 قانون مجلس الشيوخ الفرنسى
 


وخلال الأشهر الماضية، شهدت فرنسا حل مؤسسات وجمعيات مرتبطة بالتنظيم، بينما تحرك نواب داخل الجمعية الوطنية الفرنسية لدفع الاتحاد الأوروبى نحو تصنيف جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا.
 


وفى السادس من مايو، اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسى بأغلبية ساحقة مشروع قانون لمكافحة ما وصفه بـ«تغلغل الإسلام السياسى»، فى خطوة اعتَبرها خبراء بمثابة تحول جديد فى سياسة باريس تجاه الجماعات الإسلامية المتشددة، وجاء اعتماد المشروع بأغلبية 208 أصوات مقابل 124، بناء على مقترح قدمه زعيم حزب الجمهوريين ووزير الداخلية الفرنسى السابق برونو ريتايو.
 


ويهدف القانون إلى تشديد الإجراءات ضد الجمعيات والتيارات المتهمة بتقويض قيم الجمهورية الفرنسية، من خلال تسهيل حل الجمعيات، وتشديد العقوبات على من يمس «مبادئ الجمهورية»، وفرض رقابة صارمة على بناء دور العبادة، إلى جانب تجميد أصول الجماعات الانفصالية.
 


ويستند مشروع القانون إلى تقرير أعده ريتايو عام 2025 عندما كان وزيرًا للداخلية، تناول ما وصفه بـ«التغلغل المرتبط بجماعة الإخوان» وتأثيره على القيم الجمهورية فى فرنسا. 
 


فى المقابل، تعمل الحكومة الفرنسية على إعداد مشروع قانون موازٍ أكثر تشددًا، أعلن عنه وزير الداخلية الفرنسى لوران نونيز ويخضع حاليا للدراسة فى مجلس الدولة. ويشمل المشروع الحكومى إجراءات أوسع لمراقبة ما تصفه باريس بـ«كل أشكال التغلغل»، بما فى ذلك مراقبة المنشورات، وتعزيز آليات حذف المحتوى التحريضى عبر الإنترنت، وتشديد الرقابة على الجمعيات والتمويلات المرتبطة بالتيارات المتشددة.
 


وحسب ما تداولته بعض وسائل الاعلام الفرنسية إن الدرس الذى استخلصته السلطات من السجالات القضائية الأخيرة أن المنع الإدارى وحده لا يكفى، وأن المواجهة المقبلة ستُبنى على ملفات قانونية ومالية مفصلة، بحيث يصبح إغلاق المسارات المحيطة بالجماعة أكثر فاعلية من ملاحقة الاسم التنظيمى مباشرة.
 


كان مجلس الأمن القومى فى فرنسا قد بحث تقريرًا عن الخطر الذى تشكله جماعة الإخوان الإرهابية «تهديدًا للتماسك الوطنى»، ويدعو إلى اتخاذ إجراءات للحد من انتشار «الإسلام السياسى».
 


وجاء فى التقرير الذى أعده اثنان من كبار موظفى الخدمة المدنية ونشرته وكالة الأنباء الفرنسية أن واقع هذا التهديد، حتى لو كان طويل الأمد ولا ينطوى على أعمال عنف، يشكل خطرًا على نسيج المجتمع والمؤسسات الجمهورية مضيفًا أن هذه الظاهرة تشكل «تهديدًا على المدى ويطالب باتخاذ إجراءات حازمة وطويلة الأجل على الأرض لوقف «صعود» الإسلام السياسى». وسلط التقرير الضوء على «الطبيعة التخريبية للمشروع»، قائلًا إنه يهدف إلى «إحداث تغييرات تدريجية فى القواعد المحلية أو الوطنية»، لا سيما تلك المتعلقة بالعلمانية والمساواة بين الجنسين، وأرجع التقرير إلى أن جماعة الإخوان تفقد نفوذها فى العالم العربى وتركز جهودها على أوروبا، حيث تقوم باختراق واسع النطاق داخل المجتمع الفرنسى، عبر شبكة مؤسسات وأفراد،وتقوض الدولة الفرنسية من الداخل بشبكة واسعة من العناصر والمؤسسات المتغلغلة».
 


يوجد فى فرنسا 139 مكان عبادة تابعة لمسلمى فرنسا تعتبر، بحسب التقرير، مقارا رئيسية للإخوان رغم نفى الجماعة فضلاً عن 68 مكانًا آخر يعتبر قريبًا من الجماعة، موزعة على 55 مقاطعة فرنسية، مما يشكل 7 بالمائة من إجمالى 2800 دار عبادة إسلامى فى فرنسا، و10بالمائة من أماكن العبادة التى افتتحت بين عامى 2010 و2020 أى بعد ما أطلق عليه ثورات الربيع العربى والتصدى لها وفرار معظم قيادات الإخوان إلى أوروبا.
 


 اعتقالات فى روسيا
 


التحركات الغربية ضد الإخوان انتقلت إلى روسيا التى تتخذ موقفًا عدائيًا من تنظيم الإخوان من سنوات.. روسيا بدورها بدأت حملة لم تستمر طويلاً، حيث شنت حملة اعتقالات أطلقتها الأجهزة الأمنية فى سانت بطرسبورج ومنطقتى موردوفيا وساراتوف، طالت شخصيات دينية بارزة مرتبطة بجماعة الإخوان، التى تصنفها روسيا إرهابية.
 


الاعتقالات جاءت بعد تصريحات أدلى بها المسئول الشيشانى السابق رسلان كوتاييف تحدث فيها عن تنامى النفوذ الإسلامى فى موسكو، وإمكانية تحوله إلى قوة حاسمة مستقبلًا فى حال انهيار حكم الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وفق ما نقلته صحيفة «إكسبريس» البريطانية.
 


وذكرت قنوات موالية للكرملين على تطبيق تليجرام أن المحققين يحققون فى صلات بين رجال الدين المعتقلين و«هياكل أجنبية» وجماعة الإخوان، التى تعتبرها روسيا منظمة إرهابية.
 


وتحظر روسيا جماعة الإخوان وتصنفها منظمة إرهابية منذ عام 2003، بعد قرار أصدرته المحكمة العليا الروسية فى 14 فبراير من ذلك العام، أدرج الجماعة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية المحظورة.
 


وأكدت موسكو أن القرار جاء على خلفية دعم الجماعة لحركات إسلامية متشددة فى شمال القوقاز خلال الحرب الشيشانية، والسعى لإقامة كيان إسلامى فى المنطقة.
 


وجاء التصنيف فى سياق تشديد روسى واسع على التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود عقب هجمات 11 سبتمبر2001 وتصاعد التمرد المسلح فى القوقاز، حيث اعتبرت موسكو أن بعض الجماعات الإسلامية الدولية توفر غطاءً فكريًا أو دعمًا غير مباشر للتنظيمات المسلحة داخل الأراضى الروسية.
 


 ملاحقات فى كندا
 


الوضع فى كندا يسير فى طريقه السليم حيث تواصل التضييق على تنظيم الإخوان التى باتت تفقد مساحات آمنة حيث سلط تقرير نشره موقع «إن آف نيوز» الضوء على التحولات الجارية هناك بالتزامن مع القرار الكندى بمنع القيادى الإخوانى أنس التكريتى من دخول أراضيها، فى خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على تشدد متزايد تجاه رموز التنظيم الدولى. ووفق تقارير إعلامية، فإن السلطات الكندية اتخذت قرارا بمنع دخول القيادى البارز فى التنظيم الدولى ورئيس ما يُعرف بـ «الذراع الاستخباراتة» للإخوان فى أوروبا، أنس التكريتى، واحتجازه 11 ساعة فى مطار مونتريال قبل ترحيله قسرًا إلى العاصمة البريطانية لندن، على خلفية معطيات تتعلق برفض سابق لدخوله الولايات المتحدة، إضافة إلى الجدل الواسع المرتبط بعلاقاته التنظيمية وشبكاته الناشطة فى أوروبا. 
 


ويشير خبراء أمنيون إلى أنّ هذا الإجراء الكندى جاء مدفوعًا بتنسيق استخباراتى مع الولايات المتحدة، ممّا يؤكد أنّ العواصم الغربية بدأت تضيق الخناق بشكل جماعى وممنهج على تحركات شبكة الإخوان العابرة للحدود، ولم تعد تتعامل مع قياداتها كنشطاء مدنيين، بل كعناصر تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
 


وفى فبراير الماضى، برزت تحركات داخل البرلمان الكندى للمطالبة بإدراج الإخوان على قوائم الإرهاب، فى ظل تنامى المخاوف من دور الجماعة فى نشر الفكر المتطرف داخل المجتمعات الغربية. 
 


ويتزامن التضييق على القيادات مع رقابة مالية صارمة تفرضها وكالات الإيرادات والضرائب «مثل وكالة الإيرادات الكندية» على المؤسسات الواجهية للإخوان، ممّا يهدد بإصابة الذراع المالية للتنظيم الدولى بالشلل التام تحت تهم تمويل الإرهاب.
 


العاصمة الكندية أوتاوا، التى شكلت لسنوات جزءًا من «البيئة الآمنة» وملاذًا لاستثمارات التنظيم الدولى، بدأت تلتحق بالركب الدولى فى إدراك خطورة التغلغل الإخواني؛ لتبدأ عمليًا معركة إنهاء نفوذ الجماعة فى الغرب، وسط حصار قانونى وأمنى يضع التنظيم الدولى فى مهب الغموض والملاحقة المستمرة.
 


البرلمان الأوروبى شهد نقاشًا ساخنًا حول دور الإخوان فى التغلغل الممنهج داخل المجتمعات الأوروبية عبر واجهات مدنية وتعليمية وحقوقية تستغل هامش الحريات والقوانين الأوروبية لبناء نفوذ طويل الأمد.
 


قد ناقش البرلمان الأوروبى فى ستراسبورج ملف «تغلغل الإسلام السياسى واستراتيجية الإخوان»، وسط تحذيرات من اعتماد الجماعة سياسة «التمدد الهادئ» داخل أوروبا بعيدًا عن المواجهة المباشرة، عبر اختراق الجمعيات والمنظمات المدنية والأنشطة الاجتماعية والتعليمية. 
 


كما شهد البرلمان الأوروبى خلال الأسابيع الماضية تقديم مشروع قرار يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان على قائمة الاتحاد الأوروبى للمنظمات الإرهابية، استنادا إلى مخاوف متزايدة بشأن أنشطة الجماعة وشبكاتها داخل القارة. 
كما طالب المقترح بتشديد التنسيق الأوروبى لمنع أى تمويل أو دعم غير مباشر للهياكل المرتبطة بالتنظيمات المتشددة. 
 


وتأتى هذه التحركات بالتزامن مع تصاعد الضغوط داخل دول أوروبية عدة، من فرنسا إلى ألمانيا والسويد، حيث تتسع دائرة المطالب السياسية بفتح ملفات الجمعيات والكيانات المرتبطة بالإخوان، وسط اتهامات للجماعة بمحاولة بناء «مجتمعات موازية» قائمة على الولاءات الأيديولوجية لا الاندماج الوطنى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط