من لوحات الحرب الباردة إلى خوارزميات التأثير الحديثة
كيف تغيرت أسلحة القوى الناعمة؟
لطالما كانت الفنون والثقافة من أبرز أدوات القوة الناعمة التى تستخدمها الدول للتأثير فى الشعوب وتحسين صورتها ونشر قيمها. وبينما تستخدم أجهزة الاستخبارات اليوم خوارزميات السوشيال ميديا والسينما والمنصات الرقمية للتأثير على الرأى العام العالمى والترويج لأفكار تخدم أهدافها كانت الأجهزة نفسها تلجأ فى الماضى إلى المتاحف والمعارض لتبعث برسائلها الخفية من خلال اللوحات الفنية.
لكن خلف اللوحات والمعارض والأعمال الفنية دارت أحيانًا معارك خفية لا تقل أهمية عن الصراعات العسكرية.
فمن الحرب الباردة، حين استخدم الفن التجريدى فى مواجهة الواقعية الاشتراكية، إلى عصر السوشيال ميديا والخوارزميات، تطورت أدوات التأثير بينما بقى الهدف واحدًا: كسب العقول وتوجيه الرأى العام.
قد يبدو الأمر كفيلم جاسوسية خيالى، لكن الوثائق التى أُفرج عنها مؤخراً تثبت أن أعظم الحركات الفنية فى القرن العشرين لم تكن مجرد «إبداع حر»، بل كانت عملية استخباراتية معقدة أدارتها عقول لا تنام فى واشنطن.
الفن التجريدى الأمريكى مقابل الواقعية السوفيتية
فى ذروة الحرب الباردة، لم يكن الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى مقتصرًا على التسلح أو النفوذ السياسى، بل امتد إلى ساحات الثقافة والفنون. ففى الوقت الذى تبنى فيه الاتحاد السوفيتى مدرسة «الواقعية الاشتراكية»، التى كانت تفرض على الفنانين تقديم أعمال تمجد العمال والفلاحين والدولة الاشتراكية، فى رسالة تؤكد على اهتمام الدولة بالشعب، برز فى الولايات المتحدة الفن التجريدى على يد الفنان جاكسون بولوك. وكان الفن التجريدى على النقيض من التوجه الفنى السوفييتى. وقد اشتهر بولوك بأسلوب فنى جديد فى ذلك الوقت يسمى «التعبيرية التجريدية». فبدلاً من رسم أشخاص أو بيوت، كان بولوك يضع القماش على الأرض ويرش الطلاء فوقه بشكل يبدو فوضويا.
قد تكون تلك الفوضى بالنسبة للشخص العادى حينها، ليست فنًا، لكن أجهزة الاستخبارات وجدت فى هذا الفن ضالتها وسلاحها المثالى. فهو فن يصرخ حرية ويعلن فى رسالة واضحة أنه فى أمريكا الفنان يتمتع بالحرية. وقد حولت أجهزة الاستخبارات الأمريكية الأمر إلى معركة رمزية حول مفهوم الحرية نفسه. فالفن التجريدى، بأشكاله المفتوحة وغير المقيدة، قدم صورة للفنان الأمريكى باعتباره مبدعًا حرًا لا تفرض عليه الدولة موضوعًا أو رسالة أو قالبًا محددًا، فى حين روجت الدعاية الغربية والتى أدارتها أجهزة الاستخبارات لفكرة أن الفنان السوفيتى يعمل ضمن حدود ترسمها السلطة السياسية.
ومن هنا، اكتسب الفن التجريدى أهمية خاصة فى الاستراتيجية الثقافية الأمريكية، إذ أصبح أداة دعائية فعالة تحمل رسالة سياسية غير مباشرة مفادها أن الحرية الفردية والإبداعية تزدهر فى المجتمع الأمريكى. وقد انسجمت هذه الرسالة مع الصورة الأوسع التى سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها عن نفسها باعتبارها «أرض الحرية» وموطن الفرص المفتوحة، وهى الفكرة التى شكلت أحد الأعمدة الرئيسية لما عُرف بـ«الحلم الأمريكي». هذا إلى جانب كونه فنًا يحمل قدرا كبيرا من الغموض وبالتالى فهو نخبوى وجذاب للمثقفين الذين تستهدفهم الاستخبارات ليسهموا فى الدعاية لهذا الفن وبالتالى يقدمون خدمة لأجهزة الاستخبارات دون أن يشعروا.
وتؤكد الباحثة فرانسيس ستونور سوندرز فى كتابها الاستقصائى الشهير «The Cultural Cold War» أو الحرب الثقافية الباردة أن المخابرات الأمريكية كانت تعمل كـ«وزارة ثقافة سرية». واستخدمت واجهة تسمى «مؤتمر الحرية الثقافية» (CCF) لضخ مبالغ طائلة لتمويل المعارض. وامتلكت المنظمة مكاتب فى 35 دولة، وأصدرت 20 مجلة ثقافية عالمية، ووظفت مئات الأشخاص لتوجيه «الذوق العام» العالمى نحو الفن الأمريكى الجديد.
الجاسوس المبدع
توم برادن.. السكرتير التنفيذى فى متحف الفن الحديث (MoMA) بنيويورك، الذى رأى أن ريشة الرسم ربما يكون تأثيرها أقوى من المسدس، لم يكن مجرد ضابط استخبارات عادى، بل كان العقل المدبر الذى ربط عالم التجسس بعالم الفن. ففى عام 1950، انتقل برادن من عمله فى متحف MOMA ليقود «قسم المنظمات الدولية» داخل وكالة الاستخبارات المركزية (CIA).
ووضع برادن خطة لبناءً «جسر سري» بين الفنانين وأجهزة الاستخبارات، مستغلًا خبرته السابقة ليحول المتاحف الأمريكية إلى منصات انطلاق للسياسة الخارجية.
ومن خلال مقال صادم نشره لاحقاً عام 1967، اعترف برادن «العقل المدبر للعمليات الثقافية فى الـ CIA» صراحة من خلال رئاسته لادارة المنظمات الدولية بجهاز CIA مؤكدًا فى تصريح صادم أنه «سعيد بالأسلوب غير الأخلاقى لجهاز CIA». ودافع برادن عن التمويل السرى الذى قدمته الوكالة لمنظمات ثقافية وفنية حول العالم، مؤكدًا أن الدولتين لم تديرا معركة الحرب الباردة بالأسلحة فقط، بل بالأفكار والفنون والثقافة أيضًا.
وفى مقاله الذى كان بمثابة رد من توم برادن على التقارير الصحفية التى كشفت آنذاك التمويل السرى الذى قدمته وكالة الاستخبارات المركزية لمنظمات ثقافية وطلابية ونقابية خلال الحرب الباردة، دافع برادن عن هذه الأنشطة واعتبرها جزءًا من المعركة الفكرية ضد الشيوعية موضحًا أن الـCIA أراد توحيد الكتاب والموسيقيين والفنانين لإثبات أن الغرب مخلص لحرية التعبير لذلك كانت الأمور تدار سرًا.
التمويل السرى
وكشفت وثائق سرية عن وجود مشاريع استخباراتية سرية مثل «Project Aesthesis» أى مشروع الجماليات أو الجمال الحسى ويعكس الاسم الفكرة الأساسية للمشروع، وهى توظيف الفنون والثقافة كأدوات للتأثير الفكرى والسياسى فى خضم الصراع بين المعسكرين الشرقى والغربى.
وكشفت الوثائق أن الاستخبارات الأمريكية خصصت ميزانيات «غير محدودة» لضمان بقاء الريادة الثقافية فى يد الغرب. واستخدمت الوكالة المشروع أيضًا فى التغطية على مشاكلها الداخلية، مثل التمييز العنصرى ضد السود والمطاردات السياسية للمعارضين. كانت اللوحات هى «المكياج» الذى يخفى عيوب النظام الأمريكى أمام العالم.
ولضمان السرية، استخدمت الوكالة استراتيجية عرفت بـ«المسافة المعقولة»، مررت من خلالها الأموال عبر عدة واجهات منها الجمعيات الخيرية، رجال الأعمال والمؤسسات الوهمية ليخرج التمويل من خزينة المخابرات، ويصل فى النهاية للمتحف على هيئة «تبرع شخصي» من فاعل خيرأو من القطاع الخاص، دون تدوين اسم الـCIA فى الأوراق الرسمية.
الشريك الخفى فى الحرب
لم يكن متحف الفن الحديث فى نيويورك مجرد مكان لعرض اللوحات، بل كان «غرفة عمليات» ثقافية. رئيس المتحف آنذاك كان نيلسون روكفلر، وهو رجل ثرى جداً وله علاقات وثيقة بالحكومة، وكان يصف الفن التجريدى بـ«رسم المشاريع الحرة». المثير أن مجلس إدارة المتحف كان يعج برجال المخابرات والشخصيات النافذة، مثل: ويليام بالي، رئيس شبكة CBS التليفزيونية، والذى كان يتعاون مع الوكالة لتغطية عملياتها. وجون هاى ويتني، ضابط الاستخبارات السابق الذى كان يتظاهر بتمويل المعارض من جيبه الخاص.
وهم من نظموا جولات عالمية للفنانين الأمريكيين فى أوروبا وآسيا، مما جعل العالم يظن أن نيويورك هى عاصمة الإبداع الجديدة، متفوقة على باريس وموسكو.
استخدام الـ CIA للفنانين دون علمهم
المثير للسخرية، هو أن الفنانين أنفسهم —مثل جاكسون بولوك ومارك روثكو— لم يكونوا يعرفون أنهم يعملون لصالح المخابرات! كان معظم هؤلاء الفنانين غير مؤيدين لسياسات الحكومة، ويميلون للأفكار اليسارية، لكنهم تحولوا إلى «بيادق دعاية» رغماً عنهم.
كان الـCIA يستخدم هؤلاء الفنانين للترويج للنظام وسياساته، التى يعارضونها فى الأساس، فتسعى للترويج لهم ولأعمالهم فى مجلات عالمية يمتلكها عملاء للوكالة، لكى يصبحوا نجوماً عالميين، وكل ذلك لخدمة أجندة سياسية لا تمثلهم على الإطلاق، حسبما قالت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.
فضيحة 1966
ظل هذا المخطط سرياً لسنوات طويلة، حتى عام 1966عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تحقيقاً ضخماً كشف عن شبكة تمويل سرية للمنظمات الثقافية يديرها الـ CIA.
كانت الصدمة هائلة للمثقفين الذين اكتشفوا أن مجلاتهم المحببة ومعارضهم المفضلة كانت تُدار من غرف الاستخبارات المظلمة. هذا الكشف حطم أسطورة «استقلالية الإبداع» فى الغرب، وأثبت أن الفن فى أمريكا كان يستخدم كأداة للدعاية.
سلاح القوة الناعمة
أما اليوم، ووفقًا لتقارير نشرها مركز Brookings للأبحاث، فقد غيرت الاستخبارات الأمريكية خطتها من استخدام القوة الناعمة إلى «الحروب الهجينة». فلم تعد تلك الأجهزة بحاجة إلى المعارض الفنية للتأثير فى الرأى العام. فاليوم لا تحتاج الاستخبارات سوى لـ «خوارزمية» ذكية على منصات التواصل الاجتماعى.
فالمعركة لم تعد فى لوحة معلقة على جدار، بل فى «الهوية البصرية» التى تُفرض على مستخدمى شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة. وما نراه اليوم كـ «تريند» عالمى قد لا يكون صدفة، بل هو هندسة اجتماعية تهدف لتفتيت التماسك الثقافى لبعض المجتمعات أو فرض نماذج استهلاكية محددة.
تسريبات هوليوود
ويعد أبرز دليل على هذا التوجه ما كشفته تسريبات موقع The Intercept من أن هناك «منظمات سرية» تعمل داخل استوديوهات هوليوود وشركات ألعاب الفيديو الكبرى مثل (Call of Duty)، حيث تراجع السيناريوهات وتعدل الصور البصرية لضمان تقديم «الرواية الرسمية» للأحداث. فمثلاً، يتم تصوير «الآخر» (سواء كان روسياً أو صينياً أو غير ذلك) دائماً كعدو نمطى شرير، بينما يتم تصوير الجندى الأمريكى كبطل منقذ. فالفن لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح تطبيعًا للسياسات الأمنية فى عقول الملايين من الشباب حول العالم.
وهو ما أكدته صحيفة Journal of Cultural Economy فى بحث حول «نيوليبرالية الفن»، إذ أكدت أن الفن الحديث تم تفريغه من قيمته الحقيقية وتحويله إلى «أصل مالي»، تماماً مثل الأسهم والعقارات، وأصبح شعار «حرية التعبير» غطاء لتسويق أى شيء يخدم نظام السوق الحرة.
فى النهاية تظل الحقيقة الموكدة أن «الفن سلاح»، منذ استخدمه الـCIA فى الخمسينيات وحتى شاشات هواتفنا اليوم. فالحكومات القوية تعرف أن السيطرة على «الجمال» والذوق العام هما أقصر الطرق للسيطرة على «العقول».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



