رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من قلب مأدبا الأردنية.. مسجد "المسيح عيسى بن مريم" يبعث برسالة سلام إلى العالم

بوابة روز اليوسف

في قلب مدينة مأدبا الأردنية، حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ لتصنع هوية استثنائية، تقف مئذنة مسجد "المسيح عيسى بن مريم" لتقدم ما هو أبعد من مجرد بناء ديني، إنها تصنع ما يمكن تسميته بـ"الصدمة البصرية والثقافية" التي تعيد ترتيب وعي كل من يمر بالمكان، وتتحدى الصورة النمطية السائدة عالميا عن علاقة الأديان في الشرق الأوسط.

 

ففي هذه البقعة، التي تبعد نحو 30 كيلومترا جنوب العاصمة عمان، لا يبحث الزائر عن الوفاق في الخطابات الرسمية، بل يرتطم به مباشرة مكتوبا بالخط العربي العريض على واجهة مسجد، في تسمية فريدة تحولت منذ اكتمال بنائه وافتتاحه في العقد الأول من الألفية الجديدة إلى رسالة فكرية عابرة للحدود تعيد صياغة مفهوم "المساحة المشتركة".

 

وتكتسب تسمية المسجد خصوصيتها من كونها لا تنطلق من مجاملة رمزية أو محاولة لإحداث تأثير إعلامي، بل تستند إلى مكانة راسخة للسيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في العقيدة الإسلامية، فالمسيح يعد أحد أولي العزم من الرسل، وتحمل إحدى سور القرآن الكريم اسم والدته السيدة مريم العذراء، كما يرد ذكره في القرآن الكريم في مواضع عديدة باعتباره نبيا ورسولا من عند الله.

 

ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق اسمه على مسجد في مدينة مأدبا لا يمثل خروجا عن المألوف الديني بقدر ما يجسد قراءة عملية لقيم الاحترام والتقدير التي يكنها المسلمون للمسيح، ويمنح التسمية بعدا أعمق يتجاوز الرمزية الشكلية إلى أرضية عقائدية مشتركة يفهمها أتباع الديانتين.

 

ولا تقتصر فرادة المسجد على اسمه، بل تمتد إلى تصميمه المعماري أيضا، إذ شُيد على مساحة تقارب ألف متر مربع، ويتكون من ثلاثة طوابق تعلوها قبة بارزة ومئذنة تعد من بين الأعلى في مدينة مأدبا، فيما يلفت شكل بنائه الهندسي الثماني أنظار الزائرين منذ الوهلة الأولى، كما تتزين قاعاته الداخلية بزخارف إسلامية ولوحات قرآنية تتناول سيرة السيد المسيح عيسى بن مريم والسيدة مريم العذراء، لتتحول الفكرة التي يحملها الاسم إلى حضور بصري وروحي داخل أرجاء المسجد نفسه.

 

هذا البعد النفسي والاجتماعي يكتسب عمقا استثنائيا بالنظر إلى جغرافية المكان التاريخية، فالمسجد لا يقف معزولا، بل يشكل امتدادا طبيعيا لمدينة مأدبا الضاربة في القدم، والمعروفة عالميا بإرثها المسيحي العريق واحتضانها لأهم الكنائس الأثرية في المنطقة، مثل كنيسة القديس جورج (الخارطة) التي تضم أقدم خريطة فسيفسائية للأراضي المقدسة، وكنيسة قطع رأس يوحنا المعمدان (دير اللاتين).

 

وفي هذا المحيط الأثري النابض بالتاريخ، يتجاور مسجد "المسيح عيسى بن مريم" على مسافة قريبة جدا من هذه المعالم والكنائس التاريخية، لتتداخل أصوات المآذن مع ترانيم الأجراس في بقعة جغرافية واحدة، مما يمنح التسمية دلالة ملموسة على أرض الواقع.

 

إن هذه الزاوية الجديدة في التعاطي مع المكان لا ترصد حجارة المسجد، بل ترصد "سيكولوجية الاسم" وأثره في تفكيك الجمود الذهني، فاختيار الحاج غالب العتيبي، صاحب فكرة البناء، لهذا الاسم لم يكن رغبة في لفت الأنظار، بل كان محاولة واعية لإثبات أن الرموز الروحية هي نقاط التقاء إنساني وليست خطوطا فاصلة، مرسلا رسالة صامتة ومباشرة للعالم بأن الأرض التي تجمع أبناء هذه المدينة أقوى من أي اختلاف.

 

وتشير الروايات المحلية إلى أن المسجد يعد أول مسجد في العالم الإسلامي يحمل اسم "المسيح عيسى بن مريم"، وهي فكرة تبناها صاحب المشروع بعد بحث طويل عن اسم غير مسبوق يجسد حالة التآخي التي تميز مدينة مأدبا، كما تزداد رمزية المشروع مع الإشارة إلى أن الأرض التي أقيم عليها المسجد كانت مملوكة في الأصل لأحد أبناء المدينة من المسيحيين، في مشهد يعكس عمق العلاقات الاجتماعية التي تجمع أبناء المدينة بمختلف انتماءاتهم الدينية.

 

هذا التلاحم الجغرافي والثقافي يتقاطع تماما مع رؤية الأب الدكتور رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، الذي يرى أن هذا المسجد يعيد الاعتبار للمفهوم اللغوي الحقيقي لـ"الجامع" باعتباره المظلة التي تلم شتات القلوب، مؤكدا أن الخطاب هنا لا يحاول خلق حالة من الوئام بين الأردنيين، بل يسهم في تعزيز وإظهار هذه الحالة الموجودة أصلا كجزء من الهوية اليومية المعاشة.

 

وفي مدينة ارتبط اسمها تاريخيا بـ"الفسيفساء" بسبب لوحاتها الأثرية، يرى المراقبون أن مسجد "المسيح عيسى بن مريم" يمثل حجر الفسيفساء الأحدث والأكثر حيوية، لكنه حجر لا يتكون من طين وزجاج، بل من بشر وتاريخ مشترك يتجلى في تجاور العمارة الإسلامية والمسيحية.

 

وتحت هذا الأفق، يتحول المسجد إلى نوع من "الدبلوماسية البصرية الصامتة" في وقت تتصاعد فيه خطابات الانقسام عالميا، فهو لا يصدر بيانات صحفية، لكنه باسمه وموقعه الملاصق للتاريخ المسيحي في قلب مدينة سياحية يقرأه آلاف الزوار يوميا، ليغادروا المكان وقد حملوا معهم صورة مختلفة عن المنطقة.

 

وبمرور أكثر من عقد ونصف على افتتاحه، ما زال مسجد "المسيح عيسى بن مريم" يمثل أحد أكثر الرموز الدينية والمعمارية فرادة في الأردن، ونموذجا حيا للتعايش الذي تشهده مدينة مأدبا بين المسلمين والمسيحيين، في مشهد تختصره مئذنة تحمل اسم المسيح وتجاور كنائس يعود تاريخها إلى قرون طويلة، لتقدم رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان إلى العالم بأسره.

 

تم نسخ الرابط