رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مريم عزب قصة طموح لا يعرف المستحيل على رقعة الشطرنج

بوابة روز اليوسف

تعكس توجهات الدولة فى السنوات الأخيرة اهتمامًا واضحًا برعاية المبدعين وتشجيع الأفكار الجديدة فى مختلف المجالات، وهو ما تؤكده باستمرار تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي حول أهمية دعم أصحاب المواهب وتحويل طاقاتهم إلى مشروعات منتجة تسهم فى التنمية. 
 


وفى هذا السياق؛ تبرز مبادرات مجتمعية تلعب دورًا مُهمًا فى تمكين المرأة اقتصاديًا، من خلال إتاحة منصات لعرض وتسويق المنتجات اليدوية والحِرَفية، ومن بين هذه النماذج تأتى تجربة مميزة لسيدة اختارت أن تفتح أبواب الفرص أمام غيرها عبر تنظيم مَعارض تدعم السيدات وتمنحهن مساحة حقيقية للحضور والإبداع، وهو ما نتوقف أمامه فى هذا الحوار.
 

 

طريق النجاح لم يكن يومًا طريقًا مفروشًا بالورود، بل كان رحلة طويلة من الإصرار والتحدى، خاصة فى هذا العالم الذى يسقط فيه الشباب أسيرًا للتكنولوجيا، ويصبحون عبيدًا أمام شاشات هواتفهم، إلا أن البطلة مريم عزب، قررت أن تشق طريقًا مختلفا تمامًا، هذا الطريق لا تُقاس فيه المسافات بعدد المشاهدات أو التريندات، بل بالتركيز العميق، والصبر، وساعات من التفكير المتواصل خلف رقعة الشطرنج، لأنها كانت تدرك أن الوصول إلى القمة يجب أن يكون على أساس متين من التعب المستمر والإصرار الذى لا يعرف المستحيل.

 


مريم بدأت رحلتها نحو القمة بالصدفة داخل أحد النوادى الرياضية، لتنطلق بعدها نحو منصة التتويج وتحقق سلسلة من البطولات المحلية والعربية والدولية، جعلت من صاحبة الـ18 عامًا، واحدة من أبرز المواهب الصاعدة فى الشطرنج المصرى.
 


ورغم صعوبة التوازن بين الدراسة والتدريبات المكثفة والبطولات، استطاعت مريم أن تواصل رحلتها بثبات، مدفوعة بحلم أكبر، وهو تمثيل مصر عالميًا وتحقيق ميدالية أوليمبية فى لعبة ترى أنها ليست مجرد رياضة، بل أسلوب تفكير وحياة كاملة.
 


ابنة الثامنة عشرة، استطاعت أن تفرض اسمها كواحدة من أبرز اللاعبات الواعدات فى رياضة الشطرنج داخل مصر، وتصبح نموذجًا مختلفًا لجيل استطاع أن يحول لعبة ذهنية إلى مشروع حياة وطموح احترافى، فضلا عن نجاحها على المستوى الرياضى، فهى طالبة متفوقة دراسيًا، حيث تدرس حاليًا بالفرقة الأولى فى كلية الفنون والتصميم بالجامعة المصرية الصينية.
 


وقالت مريم، فى حوارها لـ«روزاليوسف»، إنها بدأت ممارسة الشطرنج فى سن العاشرة، موضحة أن الأطفال فى هذا العمر غالبًا ما يكونون مشتتين بين الهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعى، وهو ما يجعل التركيز أو ممارسة الرياضة أمرًا أقل انتشارًا بينهم.
 


وأضافت: «فى أحد فصول الصيف عرفت بالصدفة أن هناك أكاديمية شطرنج داخل النادى الذى كنت مشتركة فيه، وكان يشرف عليها الكابتن أحمد عدلى بطل العالم فى الشطرنج، ووقتها والدى كان يلعب الشطرنج كهواية، فاقترح عليّ أن أخوض التجربة ونرى ماذا سيحدث».
 


وأكدت، أنها لم تكن متحمسة للفكرة فى البداية، ولم تتوقع أنها قد تنجح فى اللعبة، وتابعت: «كنت أرفض الموضوع تمامًا، ولم أكن مقتنعة أننى قد أستطيع الاستمرار فيه، لكننى دخلت التجربة بدافع الفضول فقط».
 


واستطردت: «بعد عدة تدريبات بدأت أشعر بانجذاب حقيقى للعبة، وبدأ فضولى يزداد لمعرفة تفاصيلها بشكل أعمق، وبعد نحو ثلاثة أشهر فقط من بداية التدريب، كنت ما زلت مبتدئة وأتعلم حركة القطع الأساسية شاركت فى بطولة الجمهورية».
 


وأشارت إلى أن البطولة كانت تحت 12 سنة، ولم تحقق خلالها نتيجة كبيرة، لكنها وصفتها بأنها كانت نقطة التحول الحقيقية فى حياتها، مضيفة: «رغم أننى لم أحقق شيئًا كبيرًا وقتها لأنها كانت أول تجربة لى، لكن البطولة نفسها جعلتنى أحب فكرة المنافسة، وأفكر كيف أطور مستواى وأصبح أفضل».
 


ولفتت إلى أنها بعد نحو سبعة أشهر فقط من التدريب استطاعت تحقيق أول بطولة فى حياتها، بعدما فازت ببطولة ناشئات تحت 12 سنة وكان عمرها وقتها 11 عامًا، موضحة: «فى تلك اللحظة بدأت أشعر أن الموضوع أكبر من مجرد هواية، وقلت لنفسى، طالما ألعب وأحقق نتائج وأفوز ببطولات، فلماذا لا أتعامل معه بشكل جدي؟».
 


وأكدت، أن علاقتها بالشطرنج تطورت تدريجيًا، وأصبحت تستمتع بدراسة اللعبة والتدريب عليها، رغم أنها كانت ما تزال طفلة صغيرة، مضيفة أن فترة جائحة كورونا مثلت نقطة تحول كبيرة فى مشوارها.
 


وتابعت: «على عكس المتوقع، لم أنجذب وقتها إلى الهاتف أو ألعاب الفيديو أو وسائل التواصل الاجتماعى، بل اخترت أن أستغل الوقت فى التدريب، وكنت أخصص لنفسى معسكرات تدريبية أسبوعية، وأشاهد مواد تعليمية مرتبطة بالشطرنج، وأشارك فى بطولات أونلاين مع أصدقائى».
 


وأضافت، أن الأكاديمية حولت التدريبات إلى نظام إلكترونى خلال فترة الجائحة، مؤكدة أن الكابتن حسن خالد، رحمه الله، كان صاحب فضل كبير عليها وعلى عدد كبير من لاعبى الشطرنج فى مصر، فهو بالنسبة لها الأب الروحى، وكان يرسل لها بشكل أسبوعى مواد تدريبية تدرسها ويتابع تطور مستواها باستمرار.
 


وشددت على، أن كثيرين لا يعرفون أن الشطرنج يعتمد على الدراسة والتحليل مثل أى علم آخر، موضحة أن اللعبة تضم مدارس ونظريات وكتبًا متخصصة، وأن لكل مستوى تدريبى مواد خاصة به.
 


وأضافت عزب: «فى البداية يتعلم اللاعب كيف يحرك القطع ولماذا، ثم يبدأ فى فهم طريقة اللعب بشكل أعمق، لأن الشطرنج ليس مجرد نقلات عشوائية»، مشيرة إلى أن الشطرنج ينقسم إلى ثلاث مراحل رئيسية، هى الافتتاحية، ووسط اللعب، والنهاية، فكل مرحلة تضم مئات الكتب والاحتمالات والأفكار المختلفة.
 


وقالت: « اللاعب يمتلك مادة علمية متكاملة، يدخل من خلالها مجموعة من المعطيات، ليتمكن من استخراج أفضل القرارات أثناء المباراة، لذلك فالشطرنج ليس لعبًا عشوائيًا، بل لعبة تعتمد على التفكير المنهجى والتخطيط، وفى النهاية كل لاعب يمتلك أسلوبه الخاص، ولا يوجد أسلوب صحيح وآخر خاطئ بشكل مطلق، لأن اللعبة تعتمد أيضًا على الإبداع واللمسة الشخصية».
 


وذكرت أن الشطرنج ساعدها بشكل كبير على تطوير قدراتها الذهنية وطريقة تفكيرها فى الحياة والدراسة، موضحة أن تأثيره انعكس بشكل مباشر على مستواها الدراسى، خاصة فى الرياضيات والتحصيل العلمى.
 


وقالت: «قبل الشطرنج كان مستواى الدراسى متوسطًا، لكن بعده أصبحت أكثر تركيزًا، وأصبحت أستوعب المعلومات بشكل أسرع، فالوقت الذى كنت أحتاجه للمذاكرة فى ساعة أصبح يكفينى فيه نصف ساعة فقط».
 


وحول أنواع الشطرنج المختلفة، أوضحت، أن اللعبة تنقسم إلى الشطرنج الخاطف والسريع والكلاسيكى، مستوردة:
 

«فى الشطرنج الكلاسيكى يحصل كل لاعب غالبًا على ساعة ونصف، وقد تمتد المباراة الواحدة إلى ست ساعات كاملة داخل البطولة، أما الشطرنج الخاطف فقد يمتلك اللاعب دقيقتين فقط، بينما يتراوح الشطرنج السريع بين خمس دقائق وحتى نصف ساعة».
 


وكشفت عن حجم التدريبات التى تخضع لها، مؤكدة أنها خلال الدراسة كانت تتدرب أحيانًا من أربع إلى خمس ساعات يوميًا بجانب الحصص التدريبية الأساسية، بينما تصل ساعات التدريب فى الإجازات إلى ما بين خمس واثنتى عشرة ساعة يوميًا.
 


وأردفت: «إذا كنت أستعد لبطولة مهمة، فلا بد أن أمارس تدريبات اللياقة البدنية أيضًا، لأننا نلعب لعبة ذهنية ونستهلك طاقة كبيرة جدًا فى التفكير والتركيز، لذلك نحتاج إلى قدرة تحمل تساعدنا على الجلوس والتركيز لساعات طويلة»، مؤكدة أن عائلتها كانت أكبر داعم لها منذ البداية، خاصة بعد أن بدأت تحقيق نتائج قوية فى البطولات.
 


وأضافت: «بعض المحيطين بى لم يكونوا مقتنعين فى البداية بأهمية الشطرنج، حتى بعض المدرسين كانوا يرون أننى أضيع وقتى، خاصة أننى كنت أحيانًا أطلب تأجيل امتحاناتى بسبب البطولات».
 


وأوضحت، أن التحدى الأكبر جاء خلال فترة الثانوية العامة عام 2024، عندما شاركت مع منتخب مصر فى بطولة العرب بتونس، رغم ابتعادى عن اللعب لفترة قاربت ستة أشهر بسبب الدراسة، مضيفة:«كان هناك من يرى أن البطولة قد تؤثر على مستقبلى الدراسى، لكننى كنت مقتنعة أن الإنسان إذا أراد فعل شيء سيستطيع تحقيقه طالما يعرف كيف يوازن بين أولوياته».
 


وأشارت إلى أن نتيجة الثانوية العامة ظهرت فى اليوم التالى مباشرة لانطلاق البطولة، مؤكدة أن العودة للمنافسات بعد فترة التوقف كانت صعبة، لكنها استطاعت رغم ذلك تحقيق المركز الثالث والميدالية البرونزية تحت 18 سنة، إلى جانب حصولها على لقب WFM.
 


وأكدت مريم أن هناك مفاهيم خاطئة كثيرة مرتبطة برياضة الشطرنج، أبرزها أنها لعبة تخص الرجال فقط، لكن الحقيقة أنها ليست حكرًا على الرجال، فالموضوع لا يتعلق بالقوة البدنية، بل بالفكر والتركيز والاستمرارية، ولا توجد مواصفات معينة للاعب الشطرنج الناجح سوى القدرة على الاستمرار وتقبل الخسارة وعدم التوقف عن التدريب سواء فاز أو خسر.
 


كما شددت على أن الشطرنج ليس مجرد لعبة ترفيهية، بل وسيلة لتطوير القدرات الذهنية وتحسين التفكير والتركيز، فبعض الدول تدرسه للأطفال فى المدارس، مؤكدة أن هناك حالات لأطفال كانوا يعانون من التوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وتحسنوا بشكل ملحوظ من خلال ممارسة الشطرنج.
 


واختتمت حديثها قائلة: «أحلم بأن أنضم إلى منتخب مصر للسيدات، وأن أحقق ميدالية أوليمبية، وأن أكون مثل محمد صلاح لكن فى الشطرنج، لأن تمثيل مصر مسئولية كبيرة، وأشعر دائمًا بالفخر عندما أمثل بلدى فى البطولات الدولية».
 

 

 


بطولات وإنجازات


عام 2022:
 

 المركز الأول بنات فى بطولة الجمهورية للشطرنج الخاطف «مهرجان الغربية للشطرنج».
 

 المركز الأول بنات فى بطولة مطروح الدولية.
 


عام 2023:
 

 المركز الثانى والميدالية الفضية فى بطولة الجمهورية بنات تحت 16 سنة.
 

 المشاركة فى مهرجان العين الدولى للشطرنج ضمن بطولة الفتيات المعتمدة من الاتحاد الدولى للشطرنج، وحققت خلالها:
 

 

 المركز الأول فى الشطرنج الخاطف تحت 16 سنة.
 

 المركز الثانى فى منافسات الشطرنج الكلاسيكى للسيدات.
 

 المركز الثالث فى إحدى منافسات البطولة.
 


عام 2024:
 

 المركز الأول والميدالية الذهبية فى بطولة الجمهورية بنات تحت 18 سنة.
 

 المركز الأول فى بطولة الجمهورية للسيدات.
 


 المركز الأول فى بطولة الجمهورية للمدارس «المرحلة الثانوية بنات».
 

 المركز الثانى والميدالية الفضية فى بطولة العرب بنات تحت 18 سنة «تونس».
عام 2026:
 


 المركز الأول فى بطولة الجمهورية بنات تحت 20 سنة «كلاسيك وخاطف».
 


 المركز الثانى والميدالية الفضية فى بطولة الجامعات «جامعة عين شمس».
 


المركز الأول فى بطولة القطاعات «القطاع الأول».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط